الربا .. فقهيا واقتصاديا

الربا .. فقهيا واقتصاديا مؤلف: حسن محمد تقي الجواهري
تصنيف: علم الفقه
الصفحات: 25

الربا .. فقهيا واقتصاديا

هذا الكتاب نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: حسن محمد تقي الجواهري
تصنيف: مكتبة الفقه وأصوله > علم الفقه
الصفحات: 25

  • 25 /
  •  

الربا .. فقهيا واقتصاديا

هذا الكتاب نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: حسن محمد تقي الجواهري
مكتبة الفقه وأصوله > علم الفقه
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

الربا .. فقهيا واقتصاديا

حسن محمد تقي الجواهري

١
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

الربا .. فقهيا واقتصاديا

تأليف:

حسن محمد تقي الجواهري

(رسالة البكالوريوس لعام ١٩٦٩م ـ ١٩٧٠م)

القسم الاول (الربا فقهيا)

وقد تعرضنا في هذا القسم الى بابين:

الباب الاول : الربا عند ابناء العامة، وقد اشتمل عرى اربعة فصول هي:

الاول ـ الربا في القرآن.

الثاني ـ الربا في السنة.

الثالث ـ ربا البيع والقرض.

الرابع ـ الخروج الموضوعي والحكمي عن الربا.

الباب الثاني : الربا عند الامامية ، وقد اشتمل على مقدمة مع اربعة فصول ايضا وهي :

الاول ـ ربا المعاوضة.

الثاني ـ ربا القرض.

الثالث ـ الخروج الموضوعي والحكمي عن الربا.

الرابع ـ بعض المسائل المتفرقة المرتبطة بالبحث.

الباب الاول .. (الفصل الاول «الربا في القرآن»)

وقد عرضنا في هذا الفصل إلى الربا الجاهلي الذي يدعى انه هو المحروم تحريم المقاصد، ثم تعرضنا إلى الربا الذي نهي عنه «بنو اسرائيل»، كما تطرقنا إلى ربا العطية الاقوال فيه، كما اشبعنا البحث حول الفتاوى التي تفرق بين ربا القرآن والسنة مع مناقشة دليل الفرق الذي هو قاعدة «ماحرم سدا للذرائع يجوز عند الحاجة» كما ناقشنا القول ان ربا السنة هو من مصاديق ماحرم سدا للذرائع، وكذلك ناقشنا اباحته عند الحاجة.

{١٢}

معنى الربا:

الربا لغة: الزيادة المطلقة سواء كانت للشيء في نفسه ام بالنسبة إلى سواه وقد وردت لفظة الربا بهذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: (فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) أي علت وارتفعت، وقال جل شأنه (ان تكون أمة هي اربى من امة) أي اكثر عددا، وهذا المعنى ذكرته كتب اللغة كالقاموس ومختار الصحاح وغيرهما.

الربا في القرآن: وقد وردت لفظة الربا في اثنتي عشرة آية اكثرها لها اهمية خاصة في بحثنا، وهي:

١ – قال تعالى (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلايربو عند الله، وماآتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) (سورة الروم: ٣٩).

٢ – (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي اعدت للكافرين) (سورة آل عمران: ١٣٠ – ١٣١).

٣ – (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه واكلهم اموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين عذابا اليم) (سورة النساء: ١٥٩ – ١٦٠).

٤ – (الذين يأكلون الربا لايقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا، واحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى، فله ما سلف، وامره إلى الله ومن عاد فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، يمحق الله الربا، ويربي الصدقات والله لايحب كل كفار أثيم... يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم

{١٣}

رؤوس اموالكم لاتظلمون ولا تظلمون) (سورة البقرة: ٢٧٥ – ٢٧٩).

وبعد عرض أهم آيات الربا يتعين علينا ان نعرف السمات القرآنية له، ليتسنى لنا معرفة الربا بصورة واضحة جلية في القرآن الكريم ومعرفة المقصود منه معا. واهم السمات التي ذكرتها الايات هي:

١) انه حرام «احل الله البيع وحرم الربا».

٢) انه مقابل للبيع.

٣) انه مقابل للصدقة وانهما متضادان، حيث ان الصدقة يربيها الله والربا يمحقه «يمحق الله الربا ويربي الصدقات».

٤) كان دينا بزيادة و«ذروا مابقي من الربا» «وفله ما سلف» «وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم» اذ لو كانت الزيادة في مقابل معاملة حاضرة لما بقي محل لترك مابقي من الربا ولا للكلام على ما سلف.

٥) «لاتأكلوا الربا اضعافا مضاعفة» وهذه الآية خصصت بالذكر معاملة معروفة في الجاهلية وفي صدر الاسلام، وهي الدين الغالب فيه ان يصبح بالزيادة الربوية اضعافا مضاعفة بالنسبة إلى اصله.

٦) «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم... واخذهم الربا وقد نهوا عنه» وهذه الاية ذكرت الربا المحرم عند اليهود، وانهم اخذوه وقد نهوا عنه.

وبعد عرض اهم سمات الربا في القرآن يتحتم علينا دراسة الربا الجاهلي «اضعافا مضاعفة» وربا اليهود، لنرى بعد ذلك ان التحريم الوارد في القرآن الكريم هل يمكن تخصيصه بهما، او تخصيصه بالربا الجاهلي اذا كانا متشابهين ام لايمكن نظرا إلى الاخذ بالمعنى اللغوي للربا، الشامل لكل ما انطبق عليه اللفظ؟.

{١٤}

١ – الربا الجاهلي: وقد ذكروا ان الربا الجاهلي الذي كان يتعامل به في الجاهلية الذي يعبر عنه بالربا الذي لاشك فيه، كما عن الامام احمد هو ربا «أتقضي ام تربي» وقد جعلت هذه العبارة عند بعض الفقهاء علما في ربا الجاهلية الذي دل عليه النص، ويدعى انه له صورة متميزة عن الربا الذي كان شائعا في الشرائع السابقة وعن الربا الذي عليه المجتمع في هذه الايام «القرض بفائدة» كما يدعى ان ظاهر اللفظ في الايات القرآنية هو حرمة هذا الربا فقط لانه هو المعهود لدى المخاطبين.

وتفصيله كما يقول ابن عباس «كان الرجل منهم اذا حل دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه زدني في الاجل وازيدك في المال، فاذا قيل لهم هذا ربا، قالوا هما سواء، يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء»١ وقد وردت بهذا المعنى كثير من الاخبار.

وهذا الربا يختلف عن ربا الفضل الذي يكون في العقود الزيادة فيه عند العقد، ويختلف ايضا عن ربا النسيئة الذي يكون في القرض، لان الزيادة في هذا الاخير تكون من اول الامر، بينما ربا الجاهلية تكون الزيادة فيه عند حلول الاجل اذا لم يسدد الدين.

وعلى هذا التمييز بين ربا الجاهلية وغيره، وذهب بعض إلى ان الفائدة المتعارفة في عصرنا الحاضر لم تكن محرمة في القرآن الكريم، لانها لم تكن داخلة في الربا الجاهلي٢.

______________________________

(١) السنهوري/مصادر الحق٣/ ٢٢٣.

(٢) ذهب إلى ذلك جمع من العامة، منهم السنهوري وابراهيم زكي الدين بدوي، ثم رجع هذا الاخير عن هذا في كتابه «نظرية الربا المحرم في الشريعة الاسلامية». (تراجع مجلة القانون والاقتصاد).

{١٥}

وهكذا نرى ان بعض علماء العامة وحتى بعض المعاصرين منهم، يذهبون إلى ان الربا الجاهلي عبارة عن معاملة مخصوصة تختلف عن معاملات الربا التي كافحتها الشرائع السماوية وغيرها ومازالت مورد تعامل عند الناس، وهو الذي اشارت اليه آية «اضعافا مضاعفة».

وربما يؤيد او يستدل لهذا الرأي ما ورد عنهم بعبارة «اتقضي ام تربي» التي تدل على ان الزيادة تحصل الان، وهذا يختلف عن الربا المتعارف الذي تكون فيه الزيادة من اول الامر، كما ان الاثار وصفت حق الدائن قبل حلول الاجل بانه دين او حق او مال من دون بيان منشأ هذا الدين او الحق او المال، واليك بعض الاثار التي تعتبر دليلا على هذا الرأي عند العامة١:

١ – اخرج هذا الاثر الوارد عن مجاهد ابن جرير الطبري، في تفسير قوله تعالى (الذين يأكلون الربا لايقومون الاكما.... الخ) ونصه «حدثني محمد ابن عمرو قال حدثنا ابو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني، فيؤخر عنه»٢.

٢ – واخرج هذا الاثر جلال الدين السيوطي ونصه «واخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الاية قال: ان الرجل كان يكون له على الرجل المال، فاذا حل الاجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب اخر عني وازيدك في مالك فيفعلان ذلك، فذلك الربا اضعافا مضاعفة»٣.

٣ – واخرج هذا الاثر عن عطاء ابن جرير الطبري ونصه «حدثنا محمد بن

______________________________

(١) ولاحاجة للتذكر هنا بأن هذه الاثار المروية عن الصحابة هي غير معتبرة عند الامايمة لعدم حجية قول الصحابة، ولم يكن فهمهم حجة على غيرهم

(٢) جامع البيان٣/١٠١.

(٣) الدر المنثور للسيوطي٢/٧١.

{١٦}

سنان قال ثنا مؤمل قال ثنا سفيان عن ابن جريح عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين في بني المغيرة في الجاهلية، فاذا حل الاجل قالوا نزيدكم وتؤخرون، فنزلت (لاتأكلوا الربا اضعافا مضاعفة)١.

٤ – وهناك اثر مروي عن زيد ونصه: «انما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن يكون للرجل فضل دين فيأتيه اذا حل الاجل فيقول له تقضيني او تزيدني؟ فان كان عنده شيء يقضيه قضى والا حوله إلى السن التي فوق ذلك: ان كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حقة ثم جذعة ثم رباعيا، ثم هكذا إلى فوق. وفي العين٢ يأتيه، فان لم يكن عنده اضعفه في العام القابل، فان لم يكن عنده اضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين فان لم يكن عنده جعلها اربعمائة يضعفها له كل سنة او يقضيه» قال: فهذا قوله (لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة)٣.

وأخرج زرين رواية اخرى للاثر المروي عن زيد ونصها: «وعن زيد ابن اسلم قال: كان الربا الذي أذن الله فيه بالحرب لمن لم يتركه عند الجاهلية على وجهين، كان يكون للرجل على رجل حق إلى اجل، فاذا حل الاجل قال صاحب الحق: أتقضي أم تربي، فان قضاه أخذ منه والاطواه ان كان مما يامل او يوزن او يذرع او يعد، وان كان سنا رفعه إلى الذي فوقه واخره عنه إلى أجل أبعد منه»٤.

هذا وقد رجع عن هذا الرأي (اختصاص الربا المحرم بربا الجاهلية)

______________________________

(١) جامع البيان٤/٩٠، الدر المنثور ٢/٧١.

(٢) النقد الذهبي والفضي.

(٣) جامع البيان ٤/٩٠.

(٤) تيسير الوصول/٣٤.

{١٧}

بعض من قال به١ واستبعد ذلك الفهم لسببين:

الاول: «انه غير معقول بتاتا ان يكون الربا بالمعنى المعروف به منذ اقدم عصور التاريخ وهو القرض بزيادة مشروطة منذ ابتداء العقد، والذي كان متعاملا به عند ظهور الاسلام، وهو الذي كافحته الشرائع القديمة سماوية ووضعية، غير معقول ان يكون هذا الربا غير محرم بالقرآن الكريم.

الثاني: انه من المستبعد اكثر واكثر، بل مما يكاد يحيله العقل ان يكون المرابون بالربا الجاهلي، وهم على مانعتوه من القسوة والشره البالغين – من التسامح والرحمة والرفق بحيث لايقتضون على الدين في مقابل الاجل الاول مما يصوره ظاهر العبارة المأثورة في بيان الربا الجاهلي».

وفيما أرى ان الاستبعاد الثاني لم يكن واردا فضلا عن كونه مما يكاد ان يحيله العقل، وذلك اذا نظرنا إلى صفة المرابين التي ذكروها لهم من القسوة والشره، فهم بعملهم من اعطاء الدين من دون فائدة في الاجل الاول، انما يريدون ان يزيدوا من عملائهم الذين يرتبطون معهم ويقعون في شراكهم اخر الامر. فالمرابي بنظره العارف بالامور يدرك ان هذا المدين لايمكنه سد الدين في اجله، فلذلك يقدم على اقراضه بدون فائدة في الاجل الاول، وبعد انقضاء الاجل يأتيه المرابي ويضع شروطه على المدين باضعاف مبلغ الدين، ونتيجة لظروف المدين يقبل هذا الاضعاف من اجل الاجل الثاني، وبذلك يقع في شراكهم، اذ من البعيد عدم تمكن المدينمن ايفاء الدين في الاجل الاول وتمكنه من ايفاء الدين بعد الاضعاف، فاذا هذا العمل من المرابين لم يكن بعيدا ونحن بكلامنا هذا لانريد ان نقرر ان هذا العمل كان سائدا ومعروفا آنذاك.

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٣٢.

{١٨}

على ان الفهم من النصوص بان المرابي لم يستوف على الدين الاول فائدة غير صحيح، اذ ان النصوص بعضها يقول كان للرجل على آخر حق او مال ولا نقول ان هذا الحق او المال كان نتيجة عقد قرض، اذ قد يكون هذا الحق او المال المؤجل كان بصفقة عقد بيع نسيئة، فيكون البائع قد استوفى فائدته في مقابل التأجيل تحت عنوان البيع، وبعض النصوص وان ذكرت لفظ الدين الا انها لم تذكر ان هذا الدين كان بعقد قرض مؤجل، اذ من المحتمل ايضا ان يكون هذا الدين نتيجة عقد بيع نسيئة.

واما الاستبعاد الاول الذي ذكر، فهو مبني على عدم وجود انصراف مدعى في المقام، وهذا الانصراف اذا كان علاقة بين اللفظ وحصة خاصة من المعنى منشأها كثرة وجود تلك الحصة على سائر الحصص، فنحن سوف نرى فيما بعد ان هذا الانصراف لم يكن حجة في المقام لانه مستند إلى كثرة افراد هذه النوع من «الربا الجاهلي» وهذه الكثرة لاتمنع من انطباق لفظ الربا الواردة في القرآن على بقية انواع الربا الاخرى، اذ لاتشكل قرينة عند السامع تمنع من التمسك بالاطلاق، وحينئذ يكون الاستبعاد لدعوى الانصراف التي تدعى في محلها.

واما اذا كانت دعوى الانصراف التي هي عبارة عن دعوى وجود علاقة بين اللفظ وحصة خاصة من المعنى منشأها كثرة استعمال الربا وارادة الحصة الخاصة «الربا الجاهلي» بحيث اما ان ينقل اللفظ من معناه المطلق إلى الحصة الخاصة او يكون هذا القرن قرينة على ارادة الحصة الخاصة، فهنا تكون لفظة الربا منصرفة إلى هذا المعنى فقط، لان الاطلاق هو عبارة عن عدم مايدل على القيد بينهما ذلك القرن يدل عليه، وحينئذ لايمكن استفادة الاطلاق منها فتختص الحرمة حينئذ بالربا الجاهلي. وهذه الدعوى الثانية ان كانت هي المقصودة من

{١٩}

الانصراف فلا استبعاد في المقام، ولكن هل هي دعوى صحيحة ام لا؟ فهذا مطلب آخر.

ولا نرى حاجة لجر البحث إلى ان لفظة الربا المحلاة بالالف واللام هل هي للجنس او للعهد؟ كما فعل بعض الباحثين، فانها وان كانت للجنس فلا تفيدنا في المقام مادام الانصراف إلى قسم خاص من الربا يمكن ان يدعى في المقام.

كما نرى من الخطأ البحث في عموم لفظة الربا، اذ لاعموم فيها كما هو واضح المراد من العموم المستفاد من اللفظ، فان اللفظ ان كان فيها شمول فمن مقدمات الحكمة، ولذلك من الخطأ البحث في انها عامة او خاصة كما نقل ذلك عن المفسر القرطبي في الجامع لاحكام القرآن والفقيه الشافعي الكياهراسي في كتابه احكام القرآن وهو مخطوط في مصر، وقد نقل عبارته السيد محمد رشيد رضا في رسالته عن الربا ص٢٤. ١

وفي اخر البحث نرى من الارجح تغيير خطة البحث من الاستبعاد وجنسية الالف واللام إلى مراجعة الاثار التي ذكرت، لنرى ان الاثار تثبت فقط المعنى الذي ذكر للربا الجاهلي المتقدم، او ان الاثار التي تذكر للربا الجاهلي في ذلك الوقت لاتحصره في المعنى المتقدم للربا الجاهلي، وانما تشمل معاملات اخرى أيضا تسمى بربا الجاهلية؟.

ثم بعد ذلك نرى ان الايات القرآنية التي نزلت في تلك الفترة من الزمن هل كان المقصود منها نوعا خاصا من المعاملات الربوية في ذلك الزمان أو لم يكن المقصود ذلك وانما تشمل كل المعاملات الربوية الموجودة في ذلك الوقت؟.

فنقول: اما البحث الاول: فان الاثار المتقدمة وغيرها لاتحصر معنى «ربا الجاهلية» بالمعنى الذي ذكر، وانما يذكر له معنى آخر وهو «القرض بفائدة»

______________________________

(١) عن نظرية الربا المحرم ص٤٩.

{٢٠}

فقد ذكر الفخر الرازي موضحا المعاملة التي كانت جارية آنذاك فقال: «اعلم ان الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل. اما ربا النسيئة فهو الامر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك انهم كانوا يدفعون المال على ان يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم اذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فان تعذر عليه الاداء زادوا في الحق والاجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلة يتعاملون به»١.

وهذا وان كان فهما خاصا له الا انه يكشف عن معاملة ذلك الزمان بحسب رأيه على الاقل، كما ان الاثار المتقدمة لم نستفد منها الا فهمهم الخاص للربا المسمى بالجاهلي. وفي هذا المعنى الذي ذهب اليه الفخر الرازي ماذكره الجصاص في احكام القرآن اذ قال «والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله انما كان قرض الدراهم والدنانير إلى اجل بزيادة على مقدار مااستقرض على مايتراضون به، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد، واذ كان متفاضلا من جنس واحد، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى (وما آتيتم من الربا ليربوا في اموال الناس فلايربو عند الله) فأخبر ان تلك الزيادة المشروطة انما كانت ربا في المال العين لانه لاعوض لها من جهة المقرض»٢.

اذن لم يكن معنى الربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر له، وانما له معنى آخر كما تقدم، وربما يكون معنى «الربا الجاهلي» هو المعنى العام الشامل للتأخير في مقابل الزيادة والقرض بفائدة من اول الامر، خصوصا وان كل اثر لايحصر معنى «الربا الجاهلي» بما قاله، فلامانع من المعنى العام للربا الجاهلي.

______________________________

(١) مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير/فخر الدين الرازي٧/٩١ (طبعة مصر) المطبعة البهية.

(٢) ج١ص٤٦٥.

{٢١}

نعم ان ما جاء في احكام القرآن هو الحصر اذ يقول «ولم يكن تعاملهم بالربا الا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم او دنانير إلى اجل مع شرط الزيادة». ولكن نقول ان الحصر لاوجه له لما ذكر من الاثار الكثيرة التي تدل على وجود مايسمى بالربا الجاهلي المتقدم.

ثم على فرض ان يكون للربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر فقط وهو التأخير في سداد الدين في مقابل الزيادة، الا ان هذا المعنى لم يكن دليلا على استعمال لفظة الربا في ذلك المعنى فقط، بل يمكن ان تكون لفظة الربا تستعمل في «الربا الجاهلي» وفي الربا غير الجاهلي الذي كان موجودا في ذلك الزمان، وهو القرض بفائدة الذي كان شائعا قبل الاسلام وفي الديانات السماوية قبل الاسلام والذي ردع عنه أيضا.

واما البحث الثاني: وهو هل ان المقصود من الايات القرآنية الربا الجاهلي الذي هو بمعنى الزيادة في مقابل تأجيل الدين الاجل الثاني اولا؟.

وانما تقبل هذه الدعوى اذا صرح بالنصوص الواردة في تفسير آيات الربا لها بان المراد ذلك المعنى من «ربا الجاهلية» او يكون استعمال هذا المعنى من الربا الجاهلي بصورة كثيرة بحيث نقل المعنى العام للربا إلى هذا المعنى الجديد، باعتبار ان كثرة استعمال لفظ الربا واردة معنى خاصا منه، يوجب ان يكون هذا الاستعمال الثاني هو المراد دائما وينسى المعنى الاول، وحينئذ اذا جاءت لفظة الربا مطلقة فلا يمكن ارادة المعنى الاول منها، لان اللفظ انما يصار إلى اطلاقها اذا لم تكن هناك قرينة على القيد، وهذا المعنى الذي ذكرناه او على الاقل القرن الخاص بين اللفظة وارادة معنى معين بكثرة هو قرينة على القيد.

اما بالنسبة إلى النصوص والتصريح بان المراد منها حصة خاصة من الربا

{٢٢}

فلم يرد ذلك في كل آيات الربا، نعم وردت الاثار في تفسير قوله تعالى «اضعافا مضاعفة» بأن المراد منه الربا الجاهلي، وقد تقدم ان الاثار عن معنى الربا الجاهلي مختلفة ويمكن ان يراد جميعها. واما بالنسبة إلى الاستعمال، فان لفظ الربا لا اشكال في استعماله في ذلك الزمان في الزيادة في القرض والزيادة عند حلول الاجل الذي هو «الربا الجاهلي» بالمعنى الخاص١ ولم يكن احد الاستعمالين شائعا بحيث يشكل قرينة على الانصراف.

ثم اننا اذا شككنا في استعمال لفظ الربا في ذك الوقت، او اشككنا في وجود شيوع يمنع من الاطلاق، فالاصل هو عدم اختصاص اللفظة بالربا الجاهلي بالمعنى الاخص، وعدم وجود شيوع مانع من التمسك بالاطلاق لانه حادث والاصل عدمه خصوصا مادام المعنى اللغوي عاما.

ولكن: هذا الاصل الذي نريد ان نثبت به اطلاق لفظ الربا هو اصل مثبت ليس بحجة على ماقرر في محله في الاصول، اذ ان ظهور اللفظ في الاطلاق امر وجودي استفدناه بحكم العقل من عدم التخصيص بحصة خاصة من الربا وهو الاصل المثبت، ومادام هذا الاصل مثبتا تبقى لفظة الربا مجملة، والقدر والمتيقن منها هو المعنى الخاص.

نعم بامكاننا ان نثبت الاستصحاب اللغوي في اللغة، اذا ما دامت اللغة تعطي معنى عاما للربا وهو مطلق الزيادة وهو معنى موجود قبل الاسلام، فاذا شككنا في نقل هذا المعنى من العام إلى الخاص فالاصل عدم النقل، أي بقاء المعنى اللغوي كما هو عليه من قبل، وهذا ليس استصحابا شرعيا تعبديا وانما هو استصحاب عقلائي عرفي يثبت به ان المعنى للفظة الربا عام وهو مطلق الزيادة

______________________________

(١) سوف نستعمل «الربا الجاهلي» بالمعنى الاخص للزيادة عند حلول الاجل فقط، ونستعمل لفظة «الربا الجاهلي بالمعنى الاعم» لما يعم هذا والزيادة عند القرض من اول الامر.

{٢٣}

وعلى ماتقدم تكون الايات القرآنية غير خاصة بالربا الجاهلي بالمعنى الاخص سواء كانت الالف اواللام للجنس ام للعهد، وبهذا تبطل دعوى البعض من ان النهي القرآني لايشمل القرض بفائدة. وهذه النتيجة التي وصلنا اليها بطريقتنا هذه هي مورد قبول قسم من علماء العامة وان كان طريقهم اليها لايخلو من ضعف كما تقدم ذلك.

٢ – الربا الذي نهى عنه بنو اسرائيل:

(فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم. وبصدهم عن سبيل الله كثيرا واخذهم الربا وقد نهوا عنه...).

ولمعرفة ان الربا الذي نهي عنه بنو اسرائيل ماهو؟ ينبغي ان نبحث اولا عن جملة «واخذهم الربا وقد نهوا عنه» فهل هي خبر عما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وان اليهود داخلين في الخطابات القرآنية او هي خبر عما نزل على موسى (ع) في التوراة وانهم خالفوا شريعتهم وعصوها؟ فان كانت اخبارا عما نزل على محمد صلى الله عليه وآله فهو مبني على كون اليهود مخاطبين في الفروع وهو الصحيح – كما هممكلفون بالاصول – اذ الايات القرآنية المشرعة وردت بلسان عام لكل الناس كما في «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم....» «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا».

وما قيل من انه لايمكن «أن يكون اليهود مكلفين بالفروع ولايقبل منهم الفعل» مدفوع بان قبول الفعل موقوف على امر اختياري، وهو دخولهم في الاسلام، كما في وجوب الصوم على المكلف المسلم الذي لايقبل منه اذا لم يغتسل للجنابة قبل الفجر، وبما أنه يتمكن من الفعل الاختياري قبل الفجر فيقبل منه اذا اغتسل. فعلى هذا لايكون هناك فرق بين الربا الذي نهي عنه المسلمون

{٢٤}

في العصر الجاهلي وبين ربا بني اسرائيل.

وأما اذا كانت الاية اخبارا عما نزل على موسى (ع) في التوراة فلابد من الرجوع إلى الربا الذي ذكر فيها لنعرف سماته والنسبة بينه وبين الربا الجاهلي المتقدم ذكره.

واما ما ذكر من سمات الربا في الدين اليهودي١ فهي:

١ – أنه كان شائعا في النقدين والطعام.

٢ – ورد فيه النهي، الا انه نهي عن اخذه من اخوانهم اليهود، وعدم البأس عن أخذه من غيرهم، ولكن الملاحظ هنا ان النهي لم يكن بشدة النهي الذي ورد في القرآن الكريم.

٣ – الربا الذي حرم هو لدفع الظلم واستغلال الحاجة.

وهذه المميزات وان لم تكن مغايرة لسمات الربا القرآني، الا ان النهي القرآني عن الربا عام وشديد جدا، فان استظهرنا ان الربا الذي نهو عنه بنو اسرائيل هو نفس الربا الذي ذكر انه يسمى بربا الجاهلية، اذن يبقى البحث السابق كما هو من ناحية سيره الاستدلالي، وان استظهرنا من نصوص التوراة المذكورة في الفصل التمهيدي اختلافا في المعاملات الربوية عند بني اسرائيل عنها عند الجاهلية، فهذا يكون دليل آخر على ان الربا الذي ذكره القرآن، لايقصد منه الربا بالمعنى الاخص، وانما يقصد منه الربا بالمعنى الاعم.

خاتمة في ربا العطية:

قال تعالى (وما آتيتم من ربا ليربوا في اموال الناس فلايربوا عند الله وماآتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) فقد ورد الربا في هذه

______________________________

(١) كما ذكر في الفصل التمهيدي لكيفية نشوء الربا من هذا الكتاب.

{٢٥}

الآية منكرا ولم يصرح بتحريمه ولم ينه عنه، ولذلك فقد اختلف المفسرون في معناها على أقوال ثلاثة:

الاول: المقصود من الربا الهدية او الهبة التي يراد بها عوض افضل، ولذلك تسمى بالربا الحلال، لانه لا اثم فيه، ولكن ليس فيه ثواب ايضا، وبهذا القول آثار واردة عن فريق من الصحابة والتابعين.

الثاني: اعطاء المال لشخص بقصد تمويله تفضلا عليه غير قاصد ثواب الله تعالى.

الثالث: ان هذا الربا هو الربا المحرم، ومعنى قوله تعالى (ولايربو عند الله) أي لايحكم به شرعا لاخذه، بل هو للمأخوذ منه، وهذا القول أيضا وردت فيه بعض الاثار.

والذي ذهب اليه الاكثر هو القول الاول، والفرق بين هذه الاية وآيات الربا المتقدمة تعبيرها عن الربا بلفظ «آتيتم» بينما عبرت غيرها عنه بالاكل، بالاضافة إلى خلوهامن النهي والتحريم ومجيئها منكرة، وقد اقتصرت على انه لايربو عند الله.

وعند مراجعة الاثار التي ذكرت لهذه الاقوال، فالذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا دلالة فيه على مدعاهم، والذي يدل على المدعى لم يكن من قول الرسول صلى الله عليه وآله ولا نريد ان نقرر ان أقوال الصحابة ليست بحجة لاختلافها وتناقضها في بعض الاحيان الذي لايمكن ان تكون كلها حجة، بل نقول انها فهم شخصي لهم لايعدو حجيته لهم.

ومن القريب جدا ان يكون معنى الربا في هذه الاية هو الربا الذي كان في ذلك الزمان وهو الربا الجاهلي بالمعنى الاعم حسب ماتوصلنااليه، وقد نزلت هذه الآية وهي أول مانزل فهيئت النفوس للتحريم الذي جاء على نحو التدريج في

{٢٦}

بيان الحكم كما يرى ذلك بعضهم١.

وعلى كل حال فان كان معنى الربا في هذه الاية هو ماتوصلنا اليه في ابحاثنا السابقة عن الربا في القرآن، فلم يختلف نهجنا العلمي بذلك، وان كان المراد منه «ربا العطية» الذي هو يتميز عن الربا الجاهلي بالمعنى الاخص، فهذا سوف يكون مؤيدا على ان الربا في القرآن لم يقصد منه حصة خاصة من الربا، بل يشمل كل ما كان موجودا من معاملات ربوبية في ذلك الوقت.

ولا ادري لماذا يبحث ابناء العامة الربا في القرآن ويختلفوا اشد الاختلاف في معنى الربا المحرم فيه، مادامت السنة الشريفة وهي المصدر الثاني للتشريع قد بينت الربا المحرم بجميع اقسامه وشروطه، فانا فرضنا ان الربا المحرم في القرآن هو نوع خاص، ولكن السنة حرمت بقية الانواع، أليس من اللازم الالتزام بتحريمها ايضا، اذن ما هي الفائدة من الاختلاف في المحرم بالقرآن مع الاتفاق تقريبا عند جميع المسلمين – فضلا عن علماء العامة – بان السنة حرمت الربا المتعارف عندنا هذه الايام وهو ربا القرض وربا المعاملة؟؟.

ثم انه من المعلوم جيدا بان الاعتماد على القرآن لوحده في معرفة الحكم الشرعي معرفة كاملة غير صحيحة، اذن ان الصلاة والصوم مع اهميتها لايمكن استفادة كيفيتهما منه لوحده فضلا عن الربا، والسر في ذلك هو ان القرآن كتاب اعجازي، فقد لوحظ فيه الخطوط العريضة سمات الاسلام، فيذكر فيه وجوب وحرمة الشيء، اما تفصيلات هذا الشيء من جميع الجهات انما تتكفلها السنه، فمن غير المجدي ان يدرس الربا في القرآن منفصلا عن السنة، ولكن جرينا حسب طريقتهم في البحث.

ولعل جوابهم يكون عبارة عن معرفة الفرق بين ماحرمه القرآن عماحرمته

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٧٧ – ٧٩.

{٢٧}

السنة، أي الفرق بين الربا الجلي والربا الخفي، او الربا المحرم لذاته والربا المحرم لسد الذرائع الذي يباح عند الحاجة.

ولاجل معرفة صحة هذا البحث لابد من البحث في صحة ما ادعوه من اختلاف في الحكم للربا الذي بينه القرآن عن الربا الذي بينته السنة، وهذا مبني على ان نرى اولا ادلتهم في تحريم سد الذرائع الذي يباح عند الحاجة ونرى ثانيا هل ان تحريم الربا في السنة هو من هذا الباب ام لا؟.

ولانريد ان نطيل البحث لولا ان صحة هذا المنهج من البحث وصحة الاختلاف في الحكم بين ما حرمه القرآن وماحرمته السنة مبتنيا على استعراض ادلتهم في حرمة سد الذرائع تمهيدا لمعرفة ان ربا السنة هل هو مصداق من مصاديقه ام لا؟.

ولذلك سنبحث في جهات ثلاثة حتى يتبين الامر:

الجهة الاولى: ذكر الفتوى التي تثبت انهم يفرقون بين ربا القرآن وربا السنة.

الجهة الثانية: استعراض سريع لادلة القاعدة (ما حرم لسد الذرائع) مع المناقشة.

الجهة الثالثة: مناقشة كون ربا السنة هو مصداق ماحرم سدا للذرائع على القول بصحة القاعدة، مع مناقشة اباحته عند الحاجة.

اما الجهة الاولى:

فقد ذكر ابن القيم في كتابه «اعلام الموقعين عن رب العالمين»١ في بيان حكمة تحريم الربا الوارد في السنة فقال: الربا نوعان جلي وخفي. فالجلي

______________________________

(١) ج٢ ص١٣٥.

{٢٨}

حرم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لانه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الاول قصدا وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية..» «واما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به حديث ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين فاني اخاف عليكم الربا». وبين بعد ذلك «ان تحريم النساء تحريم المقاصعد وتحريم الاخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، ولهذا لم يبيح شيء من ربا نسيئة، واما ربا الفضل فأبيح منه ماتدعو اليه الحاجة – كالعرايا – فان ما حرم سدا للذريعة اخف مما حرم تحريم المقاصد»١

وقد ذهب السيد رشيد رضا في رسالته في الربا إلى ان المحرم هو ربا الجاهلية وحده، وهو الربا الوارد في القرآن الكريم وقد اعتبره هو الربا الجلي ويقول ان ربا النسيئة«ويقصد ربا النساء» وربما الفضل الواردين في الحديث

______________________________

(١) وكأن الربا الذي عند ابن القيم يقسم إلى ثلاثة قسام:

١ – ربا النسيئة (ربا الجاهية) وهو عبارة عن تمديد الاجل بزيادة الدين، وتأتي هنا جملة «اتقضى ام تربى» وهذا هو الاصل الذي حرم لما فيه من مفسدة، أي حرم لذاته.

٢ـ ربا النساء، فهو وان ذكرته السنة الا ان اساسه هو ربا النسيئة (اتقضى ام تربى) وهو عبارة عن بيع المكيل بالمكيل او الموزون بالموزون او الجنس بجنسه – من غير زيادة او بغير جنسه مطلقا – نسيئة لافورا، هذا عند الاحناف وتفصيله يأتي ان شاء الله تعالى، ولكن هنا نريد ان نبين ان ابن القيم اعتبر هذا مشيرا إلى ما ذكر في القرآن حيث انه اذا حل الاجل ولم يتمكن المدين من السداد تأتي جملة «اتقضى ام تربى» وهو المحرم بالقرآن فيكون محرما لذاته وان ذكرته السنة.

٣ـ ربا الفضل، وهو الوارد في الحديث الشريف الذي يمنع من بيع المكيل والموزون بجنسه مع التفاضل، وهو الذي قد حرم سدا للذيعة ويحل عند الحاجة.

{٢٩}

انما هو للكراهة لا للتحريم١. ولعله رأى ان الحاجة في هذا الزمان موجودة دائما لاباحة هذين النوعين من الربا، فحللهما نتيجة اخذه بسد الذرائع والا كيف يفهم من الروايات التي ذكروها الكراهة مع التصريح بالنهي ولفظ الربا وشدة ماورد من التهديد عليه بمالم يرد في مثله؟!.

وقد ذكر بعضهم فقال «فربا النسيئة هو المقصود بالتحريم والمنع لذاته، وهذا يقتضي تحريم معاملات اخرى ليست مقصودة بالتحريم لذاتها، وهي النساء والفضل، ولكن منع وقوع المقصود بالتحريم لذاته لايتم الا بمنعها وتحريمها في حالات تكون فيها المظنة قوية في امكان اتخاذها ذريعة اليه «وما يتم الواجب الا به فهو واجب» فيكون الامتناع منها مقصودا به وجوب الامتناع عن اتيان المحرم لذاته، فيكون هذا هو المحرم في الحقيقة وفي نهاية الامر...»٢.

وممن ذهب إلى هذا المذهب السنهوري بعد اعترافه بان تحريم الربا هو المبدأ العام الذي يتمشى في كل العصور وفي جميع الحضارات، الا انه ميز بين ربا الجاهلية من جهة وكل من ربا النسيئة (النساء) وربا الفضل، وقال ان هذا التمييز من الوضوح والخطر بحيث لاوجه للمنازعة فيه٣.

وقال آخر «واعلم ان الربا على وجهين: حقيقي ومحمول عليه. اما الحقيقي فهو الديون... والثاني ربا الفضل والاصل فيه الحديث... وهو مسمى بربا تغليظا وتشبيها له بالربا الحقيقي.. ثم كثر استعمال الربا في هذا المعنى حتى صار حقيقة شرعية فيه ايضا»٤.

______________________________

(١) الربا والمعاملات في الاسلام ص٥٢ – ٧٥ وما بعدها. ونظرية الربا المحرم ص٢٤٠ ومابعدها.

(٢) نظرية الربا المحرم/ص١٤٩.

(٣) السنهوري مصادر الحق ٣/٢٣٧.

(٤) حجة الله البالغة ٢/٦٤٧.

٣
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٣٠}

واما الجهة الثانية:

وهي عبارة عن استعراض ادلة قاعدة ان ماحرم سدا للذرائع يباح عند الحاجة. وقبل ان نستعرض الادلة يحسن بنا ان نذكر تعريفها ومعناها، وقد اختلفوا في بيانها، فقد ذكر ابن القيم ان الذريعة «ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء»١. وقد اعترض عليه استاذنا بقوله «الا ان تعميم الشيء فيه يجعله غير مانع من الغير لدخول جميع الوسائل المفضية إلى غير الاحكام الشرعية، وهو مالايتصل بحثه بوظيفة الاصولي، فالنسب تعريفها بـ(الوسيلة المفضية إلى الاحكام الخمسة) ليشمل بحثها كل مايتصل بالذريعة واحكامها من ابحاث٢.

ولا ارى للاعتراض مجالا يرد فيه حيث ان كلام ابن القيم في سد الذرائع إلى المحرمات وفتحها إلى الواجبات، أي ان الكلام في كل مقدمة إلى فعل فان كان الفعل محرما فقد حرمت مقدمته مثلا وان كان الفعل واجبا فقد وجبت مقدمته، وليس الكلام في الاحكام الشرعية التي هي وجوب حرمة ترتبط بالشارع المقدس، فلاداعي لجعل الوسيلة مفضيلة إلى الاحكام الشرعية او الاحكام الخمسة الذي يجعل المقدمة مقدمة للوجوب وللحرمة لاللواجب والحرام فمن الافضل ان يبقى تعريف ابن القيم على وضعه وعمومه فنزى الشيء وحكمه ونعطي حكم وسيلته حكم نفس الشيء وهو مورد البحث.

وقد وضحت الذرائع بقول سلام «الذرائع اذا كانت تفضي إلى مقصد هو قربة وخير اخذت الوسيلة حكم المقاصد، واذا كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة اخذت حكمه، ولذا فان الامام مالكا يرى انه يجب فتح الذرائع في

______________________________

(١) اعلام الموقعين ٣/١٤٧.

(٢) الاصول العامة للفقه المقارن/للسيد محمد تقي الحكيم ص٤٠٨.

{٣١}

الحالة الاولى لان المصلحة مطلوبة، وسدها في الحالة الثانية لان المفاسد ممنوعة»١ وهنا خصصت الذرائع بحكم الوجوب والحرمة فقط. وعلى كل حال فان الذي ركز عليه الباحثون هو الذريعة المفضية إلى مفسدة. وكما اختلفوا في معناها اختلفوا في حكمها، فذهب بعض إلى ان الوسيلة تأخذ حكم ما تنتهي اليه كماذهب الىذلك ابن القيم، ولكن المالكية والحنابلة ركزوا في الحرمة على خصوص الوسيلة الموضوعة للامور المباحة ولكن يقصد فاعلها التوصل بها الىالمفسدة٢.

الادلة على هذه القاعدة:

وقد ذكرت لهذه القاعدة ادلة من الكتاب والسنة والعقل. فقد ذكر ابن القيم ادلة كثيرة من الكتاب والسنة كان حكم الوسائل وما تفضي اليه واحدا. فخرج بنتيجة ان الشارع يعطي الوسائل دائما حكم ماتنهي اليه، منها قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)٣ وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم مايخفين من زينتهن)٤.

واورد عليه: بعدم وجود تصريح «بأن التحريم فيها جميعا انما كان من اجل كونها وسيلة إلى الغير لا لمفاسد في ذاتها توجب لها التحريم النفسي كضربهن بأرجلهن والنظر إلى الاجنبية»٥.

نعم قد يحتاط الشرع فيحرم مقدمات فعل قد اهتم به بدرجة كبيرة ولكن هذا

______________________________

(١) الاصول العامة للفقه المقارن ص٤٠٧ عن المدخل للفقه الاسلامي ص٢٦٦.

(٢) نفس المصدر ص٤٠٩ عن المدخل للفقه الاسلامي ص٢٦٩.

(٣) الانعام/آية (١٠٨).

(٤) النور/آية (٣١).

(٥) الاصول العامة للفقه المقارن ص٤١٠.

{٣٢}

غير القاعدة في حركمة كل ما يؤدي إلى المحرم، وحينئذ فان كانت هناك قرينة تدل على ان التحريم للوسيلة لانها وسيلة إلى المحرم كما نرى ذلك ظاهرا في الايتين فهو، وان لم تكن هناك قرينة تدل على ذلك وشككنا في ان التحريم للمقدمة هل هو لمفسدة في ذاتها او لكونها وسيلة، فمقتضى الاطلاق ان التحريم لمفسدة ذاتية في الفعل، حيث ان التحريم اذا كان للوسيلة فانه يحتاج إلى بيان زائد، وهو غير موجود مع كون المولى في مقام البيان كما هو الفرض.

وخلاصة القول: انا لانمنع ان يكون الشارع مهتما ببعض احكامه، فيمنع بعض المقدمات الموصلة او التي تؤدي إلى المحرم رأسا، الا ان هذا لايجعلنا نستفيد قاعدة عامة تقول ان كل محرم تكون وسائله محرمة أيضا عند الشارع سواء كانت موصلة ام لا وسواء كانت تؤدي إلى المحرم رأسا ام لا، ويكفي عدم العموم او الاطلاق على القاعدة. وبعبارة اخرى: ان قاعدة «ان المصالح والمفاسد تابعة لمتعلقات الاحكام» مخصصة ببعض التحريمات التي تكون ذريعة ووسيلة للمحرم، فان ثبت الدليل المخصص خالفنا القاعدة والا فالاصل هو الالتزام به وهي تثبت ان التحريم لمفسدة في متعلق الحكم.

واما الدليل العقلي: فقد ذكر ابن القيم وغيره «اذا حرم الربّ تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي اليه، فانه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا ان يقرب حماه، ولو أباح الوسائل او الذرائع المفضية اليه، لكان ذلك نقضا للتحريم واغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الاباء»١.

وهذه الدعوى ان وجد ابن القيم لها بعض الامثلة، فيأتي فيها الكلام المتقدم من ان الوسيلة لعل فيها مفسدة مستقلة فحرمها، واما اذا افترضنا ان شيئا قد

______________________________

(١) اعلام الموقعين٣/١٤٧.

{٣٣}

حرمه المولى نتيجة لوجود مفسدة فيه، واما وسيلته لم تكن فيها تلك المفسدة فتبعا للقاعدة القائلة ان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد، فان المولى سوف يحرم ذلك الشيء فقط دون وسيلته. نعم نشترط ان لايكون حكم الوسيلة مضادا للتحريم مثلا لتعذر امتثالهما، وهذا هو الذي يفضي إلى نقض التحريم لا الاباحة التي ذكرها ابن القيم، فانها لاتفضي إلى نقض التحريم كما هو واضح.

اذن لا دليل على ان الشارع اذا حرم شيئا فيلزمه ان يحرم طرقه ووسائله المؤدية اليه، وبذلك تبطل قاعدة سد الذرائع وفتهحا. نعم لقد تطرق لقسم من هذه المسألة علماء الامامية تحت عنوان مقدمة الواجب، واختلفت اقوالهم فيها ايضا، ولكن الذي انتهى اليه المتأخرون هو عدم وجوب المقدمة شرعا، وقد استدل لهم شيخنا المظفر بقوله «وذلك لانه اذا كان الامر بذي المقدمة داعيا للمكلف إلى الاتيان بالمأمور به، فان دعوته هذه – لامحالة الحكم العقل – تحمله وتدعوه إلى الاتيان بكل ما يتوقف عليه المأمور به تحصيلا له، ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلف لاتبقى حاجة إلى داع اخر من قبل المولى من علم المولى – حسب الفرض – بوجود هذا الداعي، لان الامر المولوي – سواء كان نفسيا ام غيريا – انما يجعله المولى لغرض تحريك المكلف نحو فعل المأمور به، اذ يجعل الداعي في نفسه حيث لاداعي، بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من المولى لانه يكون من باب تحصيل الحاصل»١.

وبهذا نعرف ان الذريعة للواجب حكمها عقلي وهو لايستلزم حكما شرعيا دائما، ويكفي للشارع ان يعتمد على الحكم العقلي ولايجعل حكما شرعيا اذا لم يكن في الذريعة مايوجب جعل حكم الحرمة مثلا لعدم وجود مفسدة فيها.

وقد تطرق علماء الامامية لقسم آخر من هذه المسألة، وهو ذريعة الحرام

______________________________

(١) اصول الفقه/للمظفر٢/٢٩٣.

{٣٤}

تحت عنوان مقدمة الحرام، ولكن لم ينتهوا إلى حرمة المقدمة للحرام، اذ بامكان المكلف أن يأتي بمقدمة الحرام ولم يأت بنفس الحرام. نعم اذا كانت مقدمة الحرام بمثابة العلة التامة التي لم يتمكن من عدم اتيان الحرام اذا جاء بها فحرمت ايضا. وبهذا نعرف ايضا ان ما يرد على لسان الشارع من ردع عن المقدمات التي هي علة تامة للمحرمات انما هو من قبيل الارشاد إلى حكم العقل. وبعد كل هذا يتضح لنا من هذه البحث امور:

١ – ان الذريعة (المقدمة) ليس لها حكم ما تؤدي اليه شرعا دائما.

٢ – ان الذريعة لها حكم عقلي وهو كاف عن ورود أي حكم شرعي. هذا في ذريعة الواجب، اما في ذريعة الحرام فهو كذلك اذا كانت ذريعة الحرام علة تامة للحرام.

٣ – بما ان الذريعة خالية عن الحكم الشرعي في بعض الموارد لعدم وجود مفسدة فيها، فهي لاتستدعي عقابا مستقلا عن العقاب على ما تؤدي اليه، لعدم وجود حكم واقعي على الذريعة١.

٤ – كل ما ورد من الاوامر الشرعية – في مسألة يكون العقل حاكما فيها – تكون ارشادية لحكم العقل.

٥ – ان هذه المسألة هي من صغريات حكم العقل الذي يحكم بوجود ملازمة بين الحكم على شيء والحكم على مقدمته (سواء كانت مقدمة الواجب او الحرام اذا كانت علة تامة للحرام)، لا انها اصل في مقابل بقية الاصول كما

______________________________

(١) نعم يوجد استثناء لهذا الكلام، وخلاصته هو ان بعض الذرائع يستوجب مخالفتها العقاب، ولكن لا من باب مخالفة الحكم الواقعي الذي لاوجود له، وانما من باب التجرى كما في بعض الامور التي يبغضها الشارع بغضا شديدا لكثرة مفاسدها. وقد لايكون هذا الكلام مستثنى، لان كلامنا في العقاب على الفعل لو كان محرما. وهذا العقاب للتجرى لا على الفعل لو كان الفعل محرما.

{٣٤}

ذهب اليه بعض من العامة.

واما الجهة الثالثة:

ونتكلم فيها بنقطتين:

الاولى: ان تطبيق ماحرم سدا للذريعة على ربا الفضل والنساء تطبيق خاطىء.

الثانية: لو قلنا ان ربا الفضل والنساء حرم سدا للذريعة فلماذا يباح عند الحاجة؟.

اما النقطة الاولى: فلنا ان نتسائل اولا عن سر فهمهم بان ربا الفضل والنساء قد حرم من باب سد الذريعة، وقد يكون جوابهم هو ان الربا الجاهلي الذي حرم في القرآن قد عرفوا حكمته او علته، وهي دفع الظلم كما ذكر ذلك في الآية القرآنية، اما ربا الفضل او ربا الفضل والنساء عند بعضهم، فلم يعرفوا حكمة تحريمه، فذهبوا إلى ان تحريمه كان من باب سد الوصول إلى ربا الجاهلية.

ويرد على اصل هذا المسلك: اننا مهما تفكرنا في معرفة علة الحكم لايمكننا الوصول اليها اذا لم يبين الشارع لنا العلة بنفسه، نعم قد نصل إلى معرفة حكمة الحكم او بعض حكمته بتفكرنا، ولكن دفع الظلم الذي بينه القرآن الكريم هل هو علة او حكمة؟.

والجواب: انه من غير المعلوم انها علة يدور مداره الحكم وجودا وعدما، بل من غير المعلوم انه حكمة منحصرة حتى يتحتم علينا ان نبحث عن حكمة تحريم السنة لربا الفضل، ونضع انفسنا في ضيق من عدم معرفة الحكمة فنلتجلئ إلى التحريم من باب سد الذريعة. الا نحتمل ان السنة بينت حكما للربا لعلة وحكمة متميزة عما ذكر في القرآن الكريم؟ ثم اذا كان ربا الفضل او ربا الفضل والنساء انما حرم سدا للذريعة فلماذا ذكرت السنة بعض الاستثناءات فحكمت بحليتها؟.

{٣٦}

واما النقطة الثانية: فعلى فرض ان ربا الفضل قد حرم من باب سد الذريعة لربا الجاهلية، ولكن ماهو الداعي إلى القول باباحته عند الحاجة؟.

نقول: لم نجد دليلا لهم في كتبهم يستدل به على هذا عدا ما ذكر من ان حرمته اخف مما حرم لذاته او ان حرمته مجازية او بالتبع او غير ذلك مما لايمكن ان يعتبر دليلا.

وتحقيق الحال: اذا كان المراد من الحاجة هي الضرورة فحينئذ الاباحة صحيحة ولكنها ليست مختصه بما حرم سدا للذرائع، وانما كل حكم شرعي فهو يباح عند الضرورة للقاعدة القائلة «ان الضرورات تبيح المحضورات» الذي مستندها هو حكم عقلي وهو عبارة عن سقوط التكاليف غير المقدورة من المنجزية لعدم امكان الزجر عمالا يقدر المكلف عن الامتناع عنه، اذ كيف يمكن زجر من لايتمكن من الانزجار ولا قدرة عنده على الانزجار والامتناع؟.

واذا كان المراد من الحاجة شيئا آخر – كما هو المراد – اي ان المراد منها الحاجة العرفية فلا دليل على الاباحة لمجرد الحاجة وان كانت حرمته من باب سد الذريعة إلى الفساد، اذ ما دام الحكم الذي هو الحرمة مثلا فعليا، فمقدماته كلها فعلية منجزة يجب اجتنابها. ولا ادي لماذا الحق ابن القيم ربا النساء بالربا الجاهلي المحرم لذاته؟ وحتى احتمال ان الربا الذي يحصل نساء قد يكون في اخر الامر آيلا إلى ربا النسيئة حيث ان المدين قد لايتمكن من سداد دينه عند الاجل فتأتي جملة «اتقضي ام تربي» وبهذا يكون كربا الجاهلية لايسوغ ان يجعله ربا محرما لذاته لانه يكون حسب رأيه ذريعة إلى ربا الجاهلية، بالاضافة إلى غفلته من ان التحريم لربا النساء عام، وقد يتمكن في موارد من سداد دينه في الاجل، فلا تأتي جملة «اتقضي ام تربي» وحينئذ تكون حرمته عند ابن القيم – فيما ارى – من باب سداد الذرائع قطعا حسب منهجه في

{٣٧}

البحث، فتباح عند الحاجة. ثم هل يعقل ان يكون نوع واحد من الربا في بعض موارده محرما تحريم الذرائع وفي بعض آخر محرما تحريم المقاصد ؟!.

وقد تقدم منا القول بانهم انغمروا في هذا البحث لعدم معرفتهم علة او حكمة او تحريم ربا الفضل، وهل يجب ان نعرف حكمة اوعلة كل تحريم ورد على لسان الشارع المقدس؟! وما هو الدليل على هذه الدعوى؟! والم يكن عقل الانسان قاصرا عن ادراك علة كون صلاة الصبح ركعتين والظهر اربع؟.

ثم اذا تنزلنا وقلنا ان النصوص القرآنية بينت الحكمة من تحريم الربا وهي منع الظلم كما في قوله تعالى (لاتظلمون ولاتظلمون) والحث على التعاون والبر بالصدقة والقرض الحسن والحث على الاخذ بأسباب الكسب المشروع التي ليس فيها اكلا بالباطل اولايدخلها الربا وتنزلنا ايضا وقلنا ان الحكم يدو مدار حكمته او علته هذه، فيمكن القول ان نفس هذه الحكمة او العلة موجودة في ربا الفضل والنساء، فان الشارع يمنع منه كي لايكون ظلما للناس من حيث ان المساوي في مقابل المساوي في الكيل او الوزن، اما الزائد فلايكون في مقابله شيء فهو ظلم شرعا، او ان الشارع يريد حث الناس على التعاون والقرض الحسن، فمنع من التفاضل وبيع النساء. او على الاقل نقول: ان التفاضل او بيع النساء في الجنسين المتحدين او المختلفين هو ظلم عند الشارع وان لم يكن ظلما وجدانا وعرفا، وهذا هو معنى التوسعة في موضوع شيء الذي يسمى بالحكومة، كما اعتبر الشارع الطواف بالبيت صلاة مع انها وجدانا وعرفا ليست بصلاة، وبهذا تكون الحكمة موجودة في تحريم التفاضل كما هي موجودة في تحريم ربا الجاهلية.

واما ما ذكر دليلا لهم – من أن ربا الفضل حرم سدا للذرائع – كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله «لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين فاني

{٣٨}

أخاف عليكم الربا» فانه ليس بدليل على انه ليس فيه ربا وانما هو مقدمة للوصول اليه كما فهمه بعضهم، بل ان معناه ان الربا الذي نهي بتلك النواهي الشديدة يخاف النبي صلى الله عليه وآله على اصحابه من الوقوع فيه كما اذا قال احد «اني اخاف عليكم النار». هذا بالاضافة إلى ان كثيرا من الاحاديث التي ذكرت هذا المعنى من الربا لم تذكر جملة «فاني اخاف عليكم الربا، وكيف نفهم من هذه الجملة ما فهموا من انه مقدمة للربا مع التصريح بالاحاديث الكثيرة بان بيع حنطة بحنطة مع التفاضل يدا بيد ربا؟!.

هذا كله بالاضافة إلى ان اصل الدليل الذي يستندون اليه – في تحريم ربا الجاهلية تحريم المقاصد دون غيره – غير تام، اذ ان دليلهم هو الاية القرآنية (يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا الربا اضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون) حيث ادعوا ان المحرم من الربا هو ما كان اضعافا مضاعفة وهو ربا الجاهلية الذي تصير المائة آلافا مؤلفة وهو الربا الجاهلي. وهذا الاستنتاج غير صحيح وذلك «ان اضعافا مضاعفة وصف للربا لا لراس المال، واذا كان كذلك فينبغي ان لايحرم من الربا الا ما يبلغ ستمائة في المائة (٦٠٠ في المئة) وذلك لان كلمة اضعاف جمع، والضعف يكون بقدر الاصل مرتين، ومرتين في ثلاثة يساوي ستة، ولاقائل بذلك قط»١.

ولكن القائل بهذا كما يبدو قد استدل بمفهوم الوصف، اذ اعتبر ان اضعافا قيد للحكم وهو المنع، بينما ان اضعافا هي قيد للموضوع وهو الربا فلا يكون للوصف مفهوم. ولو سلمنا بوجود المفهوم للوصف وان كان الوصف قيدا للموضوع

______________________________

(١) من هدى النجف / نحو تفسير على القرآن/احمد الوائلي/العدد٦/ص٤٠ عن الربا في القانون الاسلامي/... محمد عبد الله دراز مجلة الاسلام السنه ١٣/ ص٦٨ – ٧٣.

{٣٩}

– على خلاف ما نتبي – فهو فيما اذا لم تكن هناك قرينة على خلافه، وهنا القرينة موجودة وهي ان الربا ليس دائما هو «اضعافا مضاعفة» فجاءت الاية مورد الغالب لا الحصر. وبهذا انتهى الكلام في الفصل الاول والحمد لله اولا وآخرا.

الفصل الثاني .. «الربا في السنة»

ونتعرض في هذا الفصل لذكر الاحاديث التي وردت في الباب مع ذكر مدلولاتها، مع النظر إلى ما قد يدعى من التعارض والترجيح والتأويلات والنسخ.

اما الاحاديث: فهي على طائفتين:

١ – احاديث الاصناف الستة التي تنهي عن التعامل في اصناف معينة اذا لم تراع شروط قد عينتها.

٢ – احاديث «لا ربا الا في النسيئة» التي تنهي عن نوع معين من الربا، وظاهرها الحصر.

اما الطائفة الاولى:

فقد ذكرتها اكثر الكتب الفقهية مرفوعة عن عدد كبير من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون وغيرهم، واشهر هذه الروايات راوية ابي سعيد الخدري في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة،

{٤٠}

والبر بالبر و الشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد فمن زاد او استزاد فقد اربى، الاخذ والمعطي فيه سواء» وفي لفظ آخر «لاتبيعوا الذهب بالذهب الا مثل بمثل، ولاتشفوا بعضها على بعض، ولاتبيعوا منها غائبا بناجز»١.

ونحن وان كنا نناقش في سند اكثرها، الا اننا نقطع بصدور بعضها من النبي صلى الله عليه وآله وحينئذ يكون ما تسالمت عليه الراويات حجة. وقد ذكر في معنى هذه الطائفة من الاحاديث بانها «تشترط في مبادلة هذه الاصناف «المماثلة والحلول» عند اتحاد البدلين، كقمح بقمح، وذهب بذهب، وتشترط الحلول فقط عند اختلاف جنس البدلين كقمح بتمر، وذهب بفضة، وينتج عن مخالفة شرط المماثلة مايسمى بربا الفضل، وينتج عن مخالفة شرط الحلول مايسمى بربا النسيئة»٢.

ونحن اذ نفهم من هذه الطائفة فهما مخالفا وهو ان الاحاديث ذكرت صورة اتحاد البدلين واشترطت في هذه الصورة ان يكون البدلان مثلا بمثل ويدا بيد فاذا اختل احد هذين الشرطين حصل الربا فضلا عن اختلافهما، فلو باع كيلو من الحنطة بكيلو ونصف منها نقدا، حصل ربا الفضل، واذا باع كيلو من الحنطة بكيلو من الحنطة نسيئة، فأيضا حصل الربا الذي يسمونه ربا النسيئة، وهو في الحقيقة «ربا فضل»، لان الفضل هنا حكمي وهو الاجل الذي له قسط من الثمن – كما سيأتي – ولم يكن في مقابله شيء.

اما الفهم المتقدم بالنسبة لما اذا اختلف البدلان كحنطة بتمر، فالروايات لاتذكر في هذه المعاملة أي شرط (لا التساوي ولا الحلول). واما جملة «لاتبيعوا منها غائبا بناجز» فان الضمير في منها يرجع إلى ماتقدم، وما تقدم هو صورة

______________________________

(١) سبل السلام /للصنعاني٣/٣٧. ونيل الاوطار/للشوكاني ٥/٥٩٧.

(٢) نظرية الربا المحرم ص٨٩.

{٤١}

كون البدلين من جنس واحد كذهب بذهب، فيكون معناها لاتبيعوا مثقالا من الذهب بمثقال منه نسيئة وهذا ربا لان المثقال في مقابل المثقال، اما الاجل فلم يكن في مقابله شيء فحصل الربا الذي فيه الزيادة الحكمية١.

نعم ان الحديث المشهور لعبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يقول: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلابمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فاذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كان يدا بيد»٢ هوا لذي يحرم بيع النسيئة اذا اختلفت الاجناس وظاهره ايضا كذلك.

ونحن وان سلمنا ان عبادة هذا هو الانصاري الخزرجي المدني الثقة، لاعبادة المجهول الذي يقال عنه انه ابن اخ ابي ذر، وبهذا تكون الرواية من ناحية السند معتبرة، فان الجملة الشرطية التي تقول: «فاذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كان يدا بيد» يحتمل فيها معنيان متباينان على وجود المفهوم للجلمة الشرطية الذي تقول به في صورة وجود انحصار بين الشرط والجزء.

المعنى الاول: ان يكون موضوع الجملة هو «البدلان» والشرط اختلافهما وان يكون يدا بيد. وحينئذ يكون معناها اذا لم يختلف البدلان ولم يكونا يدا بيد فلاتبيعوا كيف شئتم، وهذا غير ماذكروه، لان هذا عبارة عن كون

______________________________

(١) ان المدة المشترطة للمشتري لها مالية عند العقلاء للمشتري، ولذا اذا اراد شخص بيع شيء نسيئة فهو يزيد في الثمن عما لو اراد بيعة حالا، وقد عرفت هذه الحقيقة عند الفقهاء بقولهم «للاجل قسط من الثمن». نعم في بعض الاوقات توجد قرينة تدل على ان الاجل ليس فيه مالية للمشترى وقد يكون حقا للبائع كما اذا باع شيئا وهو بمكه فيشترط الاجل حتى يصل إلى بلدته ويستلم الثمن هناك، او كانا في صحراء يخافا السارق.

(٢) سبل السلام/ للصنعاني٣/ ٣٧. ونيل الاوطار/للشوكاني٥/٣٠٠.

{٤٢}

البدلين من جنس واحد ولم يكن البيع يدا بيد، فحصل ربا النسيئة أي الربا الذي تكون فيه الزيادة حكمية، اما ماادعوه «عبارة عن صورة اختلاف الجنسين، ولم يكن يدا بيد، فيكون البيع باطلا وحراما» فان هذا لم يذكر حكمه في الرواية.

المعنى الثاني: انه يكون موضوع الجملة هو «اختلاف الاصناف» والشرط هو يدا بيد، فيكون المفهوم اذا كانت الاصناف مختلفة ولم يكن البيع يدا بيد فلا تبيعوا كيف شئتم، وهذا ان كان يوافق ماقالوه الا انه خلاف ظاهر «اذا» التي هي ظاهرة في الشرطية، فيكون الاختلاف هو الشرط لا أنه هو جزء الموضوع.

ولكن الحق هو: ان كل جملة اذا كان فيها شرطان، كما اذا قلنا اذا جاءك الشيخ محمد وكان معمما فأكرمه، فان الشرط الاول الذي هو مجيء شيخ محمد يكون موضوعا والشرط هو كونه معمما، فهنا كذلك اذ ان قوله صلى الله عليه وآله «فاذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كانت يدا بيد» فان اختلاف الاصناف وان كان ظاهره الشرطي الا أن مجيء الشرط الثاني يخرجه عن الشرطية ويجعله موضعا، والشرط يكون هو الثاني فقط «وهو يدا بيدا»، فاذا لم يكن يدا بيد وكانت الاصناف مختلفة فلا يجوز البيع نسيئة، وحينئذ يتم ما استفاده القوم من المفهوم، الا ان هذا لايخرج عن دائرة الظهور.

ولو قلنا بالمعنىالثاني كما هو الظاهر، فان هذه الرواية تكون ظاهرة في انحصار علة صحة بين البدلين المختلفين اذا كان يدا بيد، وبهذا تعارض روايت وردت عن اهل البيت عليهم السلام١ يدل منطوقها على عدم البأس في هذه الصورة

______________________________

(١) وروايات اهل البيت يجب الاخذ بها حتى عند العامة، لان راوياتهم (ع) لم تكن رأيا شخصيا لهم حتى لايكون حجة على غيرهم، وانما يصرحون بأن اقوالهم هذه هي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحينئذ يلزم الباحث الفحص عن وثاقة هؤلاء الائمة فان ثبتت عندهم الوثاقة ووثاقة من روى عنهم فيلزمهم الاخذ برواياتهم، ولهذا اوردناها هنا لالزامهم –يراجع الوسائل ١٨/ باب ٨ من ابواب صفات القاضي، حديث٦٧ و٨٥ و٨٦/ ص٦٩ و٧٤. «عن جابر قال قلت لابي جعفر (ع) اذا حدثتني بحديث فاسنده لي، فقال: حدثني ابي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبريل عن الله تبارك وتعالى، وكلما احدثك بهذا الاسناد».

{٤٣}

منها مارواه علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل اشترى سمنا ففضل له فضل ايحل له ان يأخذ مكانه رطلا او رطلين زيت؟ قال: اذا اخلفا وتراضيا فلابأس»١.

ومنها موثقة سماعة، قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب، فقال: لايصلح شيء منه اثنان بواحد، الا ان يصرفه نوعا إلى آخر، فاذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد واكثر من ذلك»٢.

ولكن هذين الروايتين مطلقتان لصورة النسيئة فيمكن تقييدها، ولكن ذكر فقهاء الامامية ان روايات بيع الطعام بالطعام سلفا التي هي صريحة ببيع النسيئة تجوز ذلك «كما سيأتي ذلك مفصلا عند بحث الربا عند الامامية». وحينئذ يمكن الجمع بينهما برفع اليد عن الالزام الذي هو ظاهر من منطوق رواية عبادة بن الصامت، فيكون صحة بيع البدلين المختلفين اذا كان يدا بيد كما ذكرت رواية عبادة، واذا لم يكن يدا بيد كما قالوا بدلالة الروايات عن اهل البيت (ع)، ونلتزم بكراهة الصورة الثانية «اذا لم يكن يدا بيد» للروايات عن اهل البيت التي تعبر عن هذه المعاملة بأنه «يصلح» الذي استفيد منه الكراهة.

وفي الحقيقة انه يوجد تعارض ثلاثي الاطراف بين منطوق رواية عبادة ومفهومه

______________________________

(١) وسائل الشيعة/ج١٢/ باب ١٣ من ابواب الربا/ حديث(١١) ص٤٤٥.

(٢) وسائل الشيعة/ج١٢/ باب ١٣ من ابواب الربا/ حديث(٥) ص٤٤٣.

{٤٤}

وروايات اهل البيت (ع)، فان منطوق رواية عبادة ظاهرها الالزام في بيع المتخالفين يدا بيد، والمفهوم ظاهره عدم جواز بيع المتخالفين نسيئة، وروايات اهل البيت (ع) تقول بجواز بيع المتخالفين نسيئة.

ونحن اذا لم ننكر مفهوم رواية عبادة فنحل التعارض – مع الاحتفاظ بوجود المفهوم – برفع الالزام الذي في منطوق رواية عبادة، وحينئذ يرتفع التعارض، اذ المنطوق يقول اذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كان يدا بيد من دون الالزام بهذه الصورة، والمفهوم يقول اذا اختلفت الاصناف فلا تبيعوا كيف شئتم اذا كان يدا بيد. وهذا المفهوم بقرينة روايات اهل البيت(ع) التي تجوز ذلك وتقول لايصلح نحمله على الكراهة وبهذا يحل التعارض.

ولكن نقول: ان التحقيق الذي انتهينا اليه في دراسة الربا عند الامامية انتهى بنا إلى عدم وجود ١ رواية صريحة تجوز بيع الطعام بالطعام نسيئة، بل وجود روايات عن اهل البيت تقيد البيع في المتخالفين بالنقد، وقد رأينا ان هذه الروايات لا معارض لها كما سيأتي البحث عن هذا في محله (الربا عن الامامية)، ولهذا انتهى بنا الامر إلى تحريم هذه الصورة.

ثم ان هذا النوع من الربا لم يكن معروفا في الجاهلية بأنه ربا، وانما اطلق الشرع عليه لفظ الربا، فهو حقيقة شرعية لاعرفية.

اما الطائفة الثانية:

وظاهرها حصر الربا في النسيئة، وأشهرها حديث اسامة والبراءة بن عازب:

١ – «حديث اسامة: عن ابي صالح الزيات انه سمع ابا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، فقلت له فان ابن عباس لايقوله، فقال ابو سعيد سألته. فقلت سمعته من النبي صلى الله عليه وآله او وجدته في كتاب الله؟ فقال:

______________________________

(١) يراجع الربا عند الامامية من هذا الكتاب.

{٤٥}

كل ذلك لاأقول، وانتم اعلم برسول الله صلى الله عليه وآله مني، ولكن اخبرني اسامة بن زيد ان النبي صلى الله عليه وآله قال «لا ربا في النسيئة» رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري١. وقد روي هذا الحديث في الصحاح بالفاظ اخرى هي «انما الربا في النسيئة» و«ان الربا في النسيئة» و«لا ربا فيما كان يدا بيد»٢.

٢ – حديث البراءة بن عازب: فقد روي بألفاظ ثلاثة، اثنان في الصحيحين وثالث في خارجهما. اللفظ الاول: روي البخاري من حديث ابن جريح عن عمرو بن دينار وعامر بن مصعب عن أبي المنهال قال: سألت البراءة بن عازب وزيد بن ارقم عن الصراف، فقال: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصرف، فقال: «ان كان يدا بيد فلابأس، وان كان نساء فلايصلح».

اللفظ الثاني: روى مسلم عن محمد بن حاتم عن سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن أبي المنهال، قال: باع شريك لي ورقا نسيئة إلى الموسم او إلى الحج، فجاء الى فأخبرني فقلت: هذا لايصلح، قال: قد بعتنه في السوق فلم ينكر ذلك علي احد، فأتيت البراء بن عازب فسألته، قال: قدم النبي صلى الله عليه وآله المدنية ونحن نبيع هذا البيع فقال: «ماكان يدا بيد فلا بأس، وماكان نسيئا فهو ربا» وأتيت زيد بن ارقم فانه اعظم تجارة مني فأتيته، فسألته فقال مثل ذلك» ويوجد سند آخر لهذا الحديث رواه البخاري عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة.. الخ وثالث رواه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة... الخ.

اللفظ الثالث: رواه عبد الله بن الزبير الحميدي (صاحب الشافي وشيخ البخاري) عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابي المنهال، قال: باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل، فقلت: ما ارى هذا يصلح.

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٨٧.

(٢) نفس المصدر عن تكملة (المجموع شرح المهذب للنووي) ١/٢٦ و٢٧ و٥٠.

{٤٦}

فقال لقد بعتها في السوق فما عاب ذلك علي احد، فأتيت البراءة بن عازب فسألته فقال قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة وتحادثنا هكذا وقال «ما كان يدا بيد فلابأس، وماكان نسيئا فلا خير فيه» وأئت زيد بن ارقم فانه كان اعظم تجارة مني، فأتيته فذكرت ذلك فقال: صدق البراء»١ هذه هي الفاظ الحديثين.

فأما حديث البراء وزيد، فلا نتعب انفسنا في بيان معارضته لحديث الاصناف الستة، وبيان التأويلات التي ذكرت لها للجمع بينه وبين حديث الاصناف الستة، وذلك لان سنده غير معتبر، اذ ان زيد بن أرقم الانصاري الخزرجي ليس بممدوح ان لم يكن مذموما، واما البراء بن عازب ففيه مدح وذم، على ان في رجال السند لهذه الروايات عمرو بن دينار وهو مشترك بين الثقة والمجهول، واما اللفظ الاول الذي فيه بالاضافة إلى عمرو بن دينار عامر بن مصعب فهو لم يذكر في كتب الرجال التي وقعت بين يدي، هذا بالاضافة إلى جهالة آخرين في سلسلة الاسناد.

واما من ناحية المتن، فان الرواية باللفظ واردة في الصرف (ذهب بفضة) واما للفظ الثاني فان فيه بيع الورق نسيئة فهو ايضا في نطاق الصرف. واما اللفظ الثالث الذي روي خارج الصحيحين فهو خطأ كما ذكر ذلك البيهقي فقال بأن الصحيح هو بيع الورق بالذهب كما آخرجه مسلم٢. وحينئذ اذا كانت هذه الالفاظ واردة في بيع الصرف، فان للصرف احكاما مستقلة كمانعلم، أي ان الذهب والفضة لها احكام من ناحية الربا ولها احكام أخرى من ناحية بيع الصرف، فمن ناحية الربا في صورة كون البدلين من جنس واحد يشترط التماثل والحلول، وايهما لم

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٨٨ عن تكملة المجموع شرح المهذب للنووي١/٥٠ و٥٦،

(٢) يراجع للتوسع: نظرية الربا المحرم ص٩٣ وما بعدها.

{٤٧}

يحصل حصل الربا، اما من ناحية الصرف ففي صورة اختلاف الجنسين (الذي يمكن حمل الرواية عليه) يشترط التقابض في المجلس، فان لم يتقابضا بل كان البيع نسيئة فيبطل البيع لعدم تحقق شرط بيع الصرف، وحينئذ لاتكون معارضة الروايات الاصناف الستة ابدا. وسوف تأتي لهذا الرأي الذي رايناه ادلة اخرى.

اذن لم يبق لدينا الاّ حاديث اسامة الذي يحصر الربا في النسيئة، فهو وان لم يبايع عليا عليه السلام ولم يشهد معه شيئا من حروبه وتوجد اخبار بذمه، بالاضافة إلى وجود بعض المنافيات عنده كما ذكر ذلك اهل الرجال، الا ان تأميره على الجيش من قبل النبي صلى الله عليه وآله وقول ابي جعفر (ع) في حقه «اسامة بن زيد قد رجع فلا تقولوا الا خيرا»١ كل هذا يبين انه لم يكن كذوبا مذموما فتقبل روايته.

ولكن رواية اسامة اذا نظرنا اليها فنراها مطلقة تشمل كلا معنيي النسيئة، المعنى الاول: ربا النسيئة الذي هو عبارة عن الربا الجاهلي الذي يدعى انه قد حرمه القرآن الكريم وهو الزيادة في مقابل الاجل الثاني. المعنى الثاني: الربا النسيئة الذي ذكرته السنة، اي ذكره حديث الاصناف السنة، وهو عبارة عن حرمة بيع كيلو من الحنطة بكيلو من الحنطة نسيئة، وبيع مثقال من الذهب بمثقال من الذهب نسيئة.

واما رواية الاصناف الستة فهي تذكر نوعين من الربا أيضا:

النوع الاول: بيع كيلو من الحنطة بكيلو ونصف منها نقدا، فانه يسمى بربا الفضل، وايضا بيع مثقال من الذهب بمثقال ونصف نقدا.

النوع الثاني: بيع كيلو من الحنطة بكيلو منها نسيئة، فانه يسمى بربا النسيئة او النساء. وحينئذ يقع التعارض بين حديث اسامة وحديث الاصناف الستة في النوع الاول من حديث الاصناف الستة، فان بيع كيلو من الحنطة بكيلو ونصف نقدا (وكذلك الشعير والتمر والملح) يكون حراما نظرا إلى حديث الاصناف

______________________________

(١) الظاهر انه رجع عن عدم مبايعته لعلي (ع).

{٤٨}

الستة، وحلالا بالنظر إلى حديث اسامة، لانه يحصر الربا في النسيئة فقط. ولكن الذي اراه ان ابن عباس والروايات التي تروى عنه كلها انما تحرم بيع النقد نسيئة، اما غير النقد (الطعام) من الاصناف الستة فلا، واليك الاحاديث:

١ – «سمعت ابا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم فقلت له: فان ابن عباس لايقوله... الخ».

٢ – «سمعت ابا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، فقال له ابا أسيد الساعدي وغلظ له... الخ».

٣ – انه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال «هو حلال بزيادة او نقصان اذا كان يدا بيد».

٤ – «سألت ابن عباس عن الصرف، فقال يدا بيد».

٥ – «سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا»١.

وعلى هذا فسوف نرى ان ابن عباس فهم من حديث لاربا الا في النسيئة حصر الربا في النقد بالنسيئة، اما في غير النقد فلم يفهم ذلك، وحينئذ تكون المعارضة في النقدين، اذ ان حديث الاصناف الستة يشترط عدم الزيادة والحلول نقدا بينما لاربا الا في النسيئة يشترط الحلول فقط وان كان متفاضلا، اما النسيئة فيحرمها سواء كانت من دون زيادة كبيع مثقال من الذهب بمثقال نسيئة، او مع الزيادة كبيع مثقال من الذهب بمثقال ونصف نسيئة، فان اللفظ مطلق فلاوجه لما قيل من انه يحرم النسيئة من دون زيادة كالربا الجاهلي الذي ادعوه.

وعلى هذا يمكن القول بان حديث لاربا الا في النسيئة انما جاء في الصرف (دراهم بدنانير) كما تصرح بذلك بعض الروايات عن ابن عباس، فهي تنظر

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص١٠١ عن تكملة المجموع شرح المهذب للنووي ١/٢٦ – ٣٢.

{٤٩}

إلى احكام الصرف وتقول لابد من ان يكون يدا بيد، وان التفاضل جائز، واما اذا كان نسيئة (فهو حرام وباطل وربا).

واما اذا كان النقدان من جنس واحد، فهو مورد التعارض، اذ ان بعض ما نسب إلى ابن عباس من قول هو جواز(الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين نقدا) وهذا هو الذي تحرمه رواية الاصناف الستة ايضا. فالنتيجة يقع التعارض في صورة واحدة ومورد واحد، وهو اذا كان البدلان من جنس واحد، فرواية الاصناف الستة تشترط التماثل نقدا، بينما رواية أسامة لاتشترط ذلك. اذن لاتعارض في ربا الفضل كله في جميع الاصناف الستة.

واما اذا لم نرتضي الفهم الخاص لابن عباس، واخذنا باطلاق حديث اسامة فالتعارض يقع في صورة بيع البدلين اذا كانا من جنس واحد بالتفاضل نقدا، فان حديث الاصناف الستة يقول انه ربا، بينما حديث اسامة يقول انه ليس بربا «ولاتعارض في صورة بيع البدلين اذا كانا من جنسين نسيئة كما تقدم».

واذا اردنا ان نطبق قواعد التعارض، فان روايات الاصناف الستة هي المقدمة باعتبار شهرتها وكثرتها، بينما رواية اسامة لمفردها قد اخذبها ابن عباس وابن عمرو وبعض الصحابة، ولكن الاولان رجعا عن الحصر فيما بعد فقالا بحرمة ربا الفضل، فقد روى مسلم عن ابي نضرة قال «سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا بأسا. فاني لقاعد عند ابي سعيد الخدري فسألته عن الصرف فقال: مازاد فهو ربا. فأنكرت ذلك لقولهما. فقال: لا احدثك الا ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب – وكان تمر النبي صلى الله عليه وآله هذا اللون – فقال له النبي صلى الله عليه وآله : أنى لك هذا؟ فقال. انطلقت بصاعين فاشتريت

______________________________

(١) قد يكون في خصوص هذه المعاملة شرط كالتقابض في المجلس اذا كان البدلان من النقد، الا ان هذا حكم اخر من ناحية الصرف.

{٥٠}

به هذا الصاع، فان سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويلك اربيت، اذا اردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت، قال ابو سعيد: فالتمر بالتمر احق ان يكون ربا، ام الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم أت ابن عباس. فحدثني ابو الصهباء: أني سألت ابن عباس رضي الله عنهما بمكة فكرهه»١ وغيرها. وفي بعض الروايات انه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله حديث لاربا الا في النسيئة وانما كان يقوله برأيه٢.

وروى الحاكم رجوع ابن عباس لما ذكره له (اي لابن عباس) ابو سعيد الا تتقي الله، حتى متىياكل الناس الربا، او مابلغك ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدا بيد عينا بعين، مثلا بمثل فما زاد فهو ربا، ثم قال وكذلك مايكال ويوزن أيضا، فقال ابن عباس لابي سعيد: جزاك الله الجنة ذكرتني امرا قد كنت انسيته فانا استغفر الله واتوب اليه، فكان ينهى عنه بعد ذلك٣.

واذا صحت هذه الرواية، فالجمع بينها وبين قوله سمعت اسامة يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله هو انه سمع الحديث ولكن اخذ يجتهد في معناه ويفسره بفهمه ولربما لم يسمع سؤال اسامة للنبي صلى الله عليه وآله عن أي شيء كان، وانما سمع الجواب فقط، فأخذ باطلاقه. واما غيرهما من الصحابة٤، فان البراء وزيد، قد تقدم الكلام عنهما وان روايتهما ليست بحجة، واما معاوية فهو مما لايحتاج بقوله أيضا

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص١٠١.

(٢) «انما هذا شيء كنت اقوله برأيي ولم اسمع فيه شيء» المصدر السابق ص١٠٠.

(٣) نظرية الربا المحرم ص١١٢. ونيل الاوطار للشوكاتي٥/ ٢٩٨ ذكر القصة بالاجمال. وكذلك ذكرت قصة رجوعه اكثر الكتب الفقهية والروائية.

(٤) «كالبراء وزيد ومعاوية وعبد الله بن الزبير».

٤
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٥١}

واما عبد الله بن الزبير فهو ضعيف في الغاية، نعم عبد الله بن مسعود نقل عنه القول ايضا «لابأس بالدرهم بالدرهمين»١ ولكن لم نعرف شيئا عن ابراهيم التيمي والاعماش اللذين وردا في السند، بالاضافة إلى رجوعه ايضا اذ ينقل انه قال «يامعشر الصيارفة ان الذي كنت ابايعكم لايحل، لاتحل الفضة الا وزنا بوزن»٢.

هذا ويمكن ان يقال بان التعارض هنا انما هو بين منطوق حديث الاصناف الستة، ومفهوم لاربا الا في النسيئة، فانه بالمفهوم يعارض تحريم ربا الفضل الذي هو محرم بالمنطوق وحينئذ نقدم المنطوق على المفهوم لانه اقوى او اظهر.

وقد ذكر بعض العامة تأويلات للجمع بين الحديثين، فلم تصل الحالة عندهم إلى التعارض، ومن تلك التأويلات:

١ – ما نقل عن الشافعي بقوله «قد يحتمل ان يكون (ان الراوي وهو أسامة) سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يسأل عن الربا في صنفين مختلفين (ذهب بفضة) (وتمر بحنطة) فقال: انما الربا في النسيئة، فحفظه فأدى قول النبي صلى الله عليه وآله ولم يؤد مسألة السائل»٣.

ولكن هذا الحمل لايحل التعارض، لان التعارض هو في ربا الفضل في جميع الاصناف او في النقدين (ذهب بذهب وفضة بفضة) فتحله رواية اسامة اذا كان نقدا وتحرمه رواية الاصناف الستة اذا كان نقدا.

٢ – ما نقل عن الماوردي من علماء الشافعية بحمل لاربا الا في النسيئة

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص١٠١.

(٢) نفس المصدر ص١١٥ عن تكملة المجموع١/٣٩. ان هذا الذي نقل عن عبد الله بن مسعود لم يسمعه من الرسول صلى الله عليه وآله وانما سمع من اصحاب الرسول صلى الله عليه وآله انه لاتصلح الفضة الا وزنا بوزن.

(٣) المصدر السابق ص٨٩.

{٥٢}

«على مااذا كان البدلان من جنس واحد، فتجوز مبادلتهما نقدا مع التماثل بينهما، ولايجوز ذلك نساء مع تأجيل احد البدلين»١.

وهذا التأويل لايحل التعارض الذي بيناه ايضا، اذ ان البدلين اذا كانا من جنس واحد، وكانا متماثلين فلايجوز تأجيل احد البدلين، وهذا مورد قبول كلا الحديثين، حيث ان حديث الاصناف الستة يقول في صورة اتحاد الجنس باشتراط التماثل أولا والحلول ثانيا، فاذا لم يحصل الشرط الاول حصل ربا الفضل، واذا لم يحصل الشرط الثاني وهو الحلول حصل ربا النسيئة الذي هو ربا فضل ايضا حيث ان الفضل هنا حكمي لاحقيقي، لان للاجل قسطا من الثمن، وكذلك حديث «لاربا الا في النسيئة» فاننا قلنا انه في صورة اتحاد الجنسين وكانا متماثلين الا انه لايصح نسيئة. وهذا لايحل التعارض، اذ التعارض كما قلنا سابقا هو في حصر الربا في النسيئة فقط، بينما حديث الاصناف الستة يبين الربا في الفضل أيضا.

٣ – مانقل عن العلامة ابن رشد انه قا «يحتمل ان يريد بقوله «لاربا الا في النسيئة» من جهة انه الواقع في الاكثر. واذا كان هذا محتملا والاول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينها». وقريب من هذا التأويل ما نقل عن ابن حجر وابن القيم اذ قالوا بانه يحتمل ان يراد به حصور الكمال وان الربا الكامل انما هو في النسيئة، غير ان ابن القيم يبني تأويله على ان مايراه ما ان ربا النسيئة محرم لذاته، وان ربا الفضل محرم لسد الذريعة، وماحرم سدا للذريعة يباح عند الحاجة٢.

وهذا الكلام وان كان مقبولا فيخرج حديث اسامة عن كونه كلاما حقيقيا، الا

______________________________

(١) المصدر السابق ص٩٠.

(٢) نفس المصدر ص٩١.

{٥٣}

أن هذا الكلام ليس مبتنيا – كما ذكر ذلك ابن القيم – على ما يراه من ان ربا النسيئة محرم لذاته وان ربا الفضل محرم لسد الذريعة ،بل اذا كانا كلاهما محرمين لذاتهما، فيمكن ان يكون «لاربا الا في النسيئة» محمولا على المجازية، باعتبار انه الواقع في الاكثر خارجا، وحينئذ يكون كمعنى «لاصلاة لمن جاره المسجد الا في المسجد» أي لاصلاة كاملة، لاانها تنفي حقيقة الصلاة. وعلى هذا فمن ينكر مبنى ابن القيم – كما تقدم ذلك منا – يمكنه قبول هذا الوجه من التأويل.

هذا وقد ذكر جمع من العامة ان رواية «لاربا الا في النسيئة» منسوخة، ولكن لم يثبت ذلك، ومجرد احتمال تأخر حديث الاصناف الستة لايصلح لاثبات النسخ.

وخلاصة القول: ان التعارض بين حديث الاصناف الستة وحديث أسامة اما ان يرفع بأحد الوجوه التي ذكرناها، واما ان يستحكم التعارض فتطبق احكامه من ترجيح لاحد الحديثين، واذا لم نستطع الترجيح واستحكم التعارض فيتساقط الحديثان في مورد المعارضة وهو «ربا الفضل» وحينئذ يمكننا تحريم ربا الفضل بالاجماع الذي يمكن ادعاؤه بعد رجوع قسم من الصحابة حيث كانوا قائلين به، فان الصحابة الذين قالوا بحديث «لاربا الا في النسيئة هم: عبد الله ابن عباس، عبد الله بن عمر، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن الزبير، اسامة بن زيد، زيد بن ارقم، البراءة بن عازب، ومعاوية بن أبي سفيان. وقد رجع من هؤلاء كما تقدم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود، واما عبد الله بن الزبير وزيد بن ارقم والبراء بن عازب، فان لم تقبل روايتهم كما تقدم فعدم قبول آرائهم اولى لاننا نعلم ان آراءهم مستندة إلى رواياتهم، واما معاوية فأمره واضح، فلم يبق الا اسامة وهو لايضر بانعقاد الاجماج الذي تقوم حجيته على حساب الاحتمال.

ثم ان لنا طريقا لاسقاط رواية اسامة: وهو عبارة عن اعراض الاصحاب

{٥٤}

عنها، فانهم يروونها في كتبهم ولم يفت بها احد، وحتى الذين رووا الرواية رجعوا عنها فيما بعد كما رأينا ذلك، اذن ليس ذلك الا لانهم اطلعوا على عيب فيها فأعرضوا عنها، وحينئذ لايكون هناك تعارض ويكون ربا الفضل محرما كما ذكرته راوية الاصناف الستة. والى هنا تم الكلام في الفصل الثاني وهو الربا في السنة.

الفصل الثالث .. ربا البيع والقرض

وفي هذا الفصل تعرضنا لما تعرض له الفقهاء في باب البيع من الربا، وقد اعتمدوا في بيانه على السنة النبوية، حيث ان الايات القرآنية كما يدعون فقد نزلت في تحريم مايسمى بربا الجاهلية، وقد تقدمت المناقشة فيها، وقد تكلمنا في هذا الفصل بصورة مشبعة عن العلة، وتحديد ربا البيع حسب ما فهمه الفقهاء من الاحاديث، مع مناقشة لما عرضناه من افكارهم.

وفي الاخير: تعرضنا أيضا لربا القرض الذي لم يكن له اهمية كبيرة عندهم فأحله بعضهم وشكك في حرمته البعض الاخر، لعدم وجود نص عندهم يعتمدون عليه – كما يدعون – لذا قسمنا الفصل إلى قسمين

١) ربا البيع.

٢) ربا القرض.

القسم الاول: ربا البيع

تمهيد – قد اعتمد الفقهاء من العامة على احاديث الاصناف الستة التي تقدمت الاشارة اليها، وهي دالة على حرمة التفاضل عند اتحاد الجنس في

{٥٥}

البدلين من الاصناف الستة التي ذكرتها الروايات، ودالة أيضا على حرمة النساء اذا اختلف الجنس في البدلين، ولكنهم اختلفوا في غير الاصناف الستة، فمن قائل بانها غير مقصودة بذاتها، ولذا يتعدى حكم الربا إلى كل شيء وجدت فيه اوصاف الاصناف الستة،. وما ذكر الاصناف الستة في الاحاديث الا كمثال للمعاملات التي كانت في ذلك الزمان، ومن قائل بعدم تعدي حكم الربا إلى غيرها، اما لعدم جواز القياس عندهم، اولانهم يحتاجون في جريانه إلى دليل خاص في باب الربا، ولم يدل عندهم دليل على ذلك، وبما ان الرأي الثاني الذي ذهب اليه الظاهرية وقتادة وداود١ وغيرهم هو مخالف لما ذهب اليه الجمهور من الفقهاء من التعدي إلى غير الاصناف الستة، فسوف نتعرض له فيما بعد، بعدما نبين اختلاف الجمهور القائل بالتعدي، لاختلافهم في فهم الصفات او العلة التي لابد من توفرها في الشيء الذي تثبت حرمته ويكون ربا.

جمهور الفقهاء: ونحن اذ نؤيد ماذهب اليه الجمهور من عدم الجمود على الاصناف الستة التي ذكرتها الاحاديث، لما رأينا من عدم وجود تخصيص في الاحاديث بالاموال الربوية وانما ذكرت الاصناف الستة فيها وهو لايدل على التخصيص من دون ذكر قرينة عليه يستفاد منها الحصر مثلا، ولكن هذا لايفرض علينا قبول ادلتهم في التعدي كما سنرى ذلك فيمابعد.

ولنا ان نستدل على ان الربا لايختص بالاصناف الستة بالروايات المروية عن اهل البيت (ع) خصوصا الامام الصادق والباقر (ع) التي تذكر فيها الكيل والوزن وان شرطه التساوي وعدم جواز التفاضل في صورة اتحاد الجنس، (ونحن نعلم ان الامتعة افترقت عما كانت عليه في زمان النبي صلى الله عليه وآله ، اذ ان بعض الاجناس كان في زمان النبي صلى الله عليه وآله مكيلا ثم اصبح في زمان الامام الصادق (ع)

______________________________

(١) الخلاف للشيخ الطوسي١٩٩، ونظرية الربا الحرام ص١٦٥.

{٥٦}

موزونا وبالعكس لان مابينهما قرن ونصف حدثت فيه تحولات اجتماعية كثيرة نتيجة للتلاقح الحضاري.

ومن الملاحظ ان الكر والصاع والمد والرطل كانت اسامي لمكاييل خاصة في عصره صلى الله عليه وآله وتبدلت إلى الاوزان بعد ذلك. والخلاصة ان انقلاب الاجناس من جهة تعيين ماليتها بالكيل إلى الوزن وبالعكس امر واضح جدا١ فلو كان الربا في الاصناف الستة بالخصوص كما يقولون وان روايات الكيل الوزن معرفة ومشيرة إلى انواع خاصة في زمان الرسول صلى الله عليه وآله لما ذكرت في زمان الامام الصادق والباقر (ع)، او كان على الائمة (ع) ان ينبهوا إلى هذه الظاهرة، فعدم التنبيه هو اطلاق مقامي بان المراد من الكيل والوزن لابماهما معرفان، وانما للكيل والوزن مطلقا موضوعية في تحقق الربا.

وبعبارة أخرى: ان الكيل والوزن في زمان الرسول صلى الله عليه وآله اذا كان مشيرا إلى اصناف خاصة كانت هي مكيلة او موزونة في ذلك الزمان، فلماذا يبقى هذا العنوان بنفسه في زمان الامام الصادق (ع) من دو اشارة إلى ان الكيل والوزن مشيرا ومعرف، مع العلم ان اشياء مكيلة او موزونة وجدت او سوف توجد على مر الزمان، فعدم ذكر او اشارة إلى الاصناف الستة، وذكر الكيل والوزن دليل على ان الاساس في حرمة التفاضل في المتماثلين هو ان يكونا مكيلين او موزونين. وسيأتي زيادة توضيح في بحث الربا عند الامامية.

_____________________________

(١) الموجود بين (....) كأنه زائد لا يؤثر في سير الاستدلال.

ماهي العلة التي يتعدى بها إلى غير الاصناف الستة: (٢)

وقد اختلف الفقهاء في ذلك:

______________________________

(٢) وتسمى العلة التي يتعدى بها إلى غير الاصناف الستة عند الاصوليين بتخريج المناط «وهو ان ينص الشارع على حكم في محل دون ان يتعرض لمناطه اصلا» كتحريم الربا في البر فيعمم إلى كل مكيل من طريق استنباط علته، بدعوى استفادة ان العلة في التحريم ه وكونه مكيلا او غير ذلك، وهذا هو قسم من اقسام الاجتهاد في العلة.

الاصول العامة للفقه المقارن/للسيد محمد تقي الحكيم ص٣١٥ عن روضة الناظر.

{٥٧}

١) قالت الحنفية: – والحنابلة في ظاهر مذهبهم – ان العلة لمعرفة الاموال الربوية أمران:

١ – ان يكون المال مما يوزن كالذهب والفضة، او مما يكال كالحنطة والشعير والتمر والملح، أي يكون مقدرا.

٢ – ان يتحد الجنس في المالين المتبادلين، فان توافر جزء العلة حرم التفاضل والنساء، وان كان الجزء الاول حرم النساء فقط.

وانما قلنا ان الحنابلة يوافقون الاحناف في الظاهر لانه قد روي «عن احمد روايتان احداهما كأبي حنيفة، والاخرى الكيل المأكولية، ولايكفي الوزن عنده»١ ولان العلة عند الحنابلة في ربا النساء كالعلة عند الاحناف ايضا ولكنهم يصرحون «بأن ربا النسيئة يجري في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل وليس احدهما نقدا»٢.

٢) قالت الشافعية: ان العلة في الحنطة والشعير والتمر والملح هي الطعم، وفي الذهب الفضة هي الثمينة، واما اتحاد الجنس فهو شرط بحسب المذهب الجديد للشافعي، فان لم يتحد الجنس وكان احدهما نسيئة حصل ربا النسيئة.

٣) وقالت المالكية: ان العلة في الذهب و الفضة هي الثمينة، وفي الاربعة الاخرى الاقتيات والادخار. واما اتحاد الجنس فهو شرط ايضا، فان لم يتحد الجنس وكان احدهما نسيئة حصل ربا النسيئة.

______________________________

١) كنز العرفان في فقه القرآن/المقداد السيوري٢/٣٦ – ٣٧.

٢) نظرية الربا المحرم ص١٦٨.

{٥٨}

ولكن: علة ربا النسيئة ان اخذنا بها على اطلاقها فمعنى ذلك لايجوز اسلام النقدين في بقية الاصناف، وهذا هو مجمع على جوازه من قبل الفقهاء، ولذلك يضطر من قال بعلة ربا النسيئة من تخصيصها، فالاحناف اشترطوا لجريان ربا النساء في الموزونين ان تتفق طريقة وزنهما، وحينئذ لايجري ربا النساء عندهم في بدلين يوزن احدهما بالقبان بالحديد ويوزن الاخر بالمثاقيل كالذهب والفضة، واما الشافعية والمالكية، فقد اعتبروا الاجماع مخصصا للحديث الذي يقول فان اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم اذا كان يدا بيد – على ما فهموه – فقالوا ان في الاصناف الستة جنسين، جنس الاثمان وجنس المطعومات١.

وهنا مذاهب غير مشهورة تخالف المشهورة في فهم العلة التي توجب التحريم وهي:

٤) «وقال ابن سرين العلة ذات وصف واحد وهو الجنس فأجرى الربا في الثياب والحيوان و الخشب وكل شيء هو جنس واحد».

٥) «وقال ربيعة العلة ذات وصفين جنس تجب فيه الزكاة، فأجرى الربا في الحبوب التي تجب فيها الزكاة وفي النعم ايضا».

٦) «وقال سعيد بن جبير ذات وصف احد وهو تقارب المنفعة، فأجرى الربا في الجنس الواحد لاتفاق المنفعة وكل جنسين يقارب نفعهما كالتمر والزبيب..»٢.

والبارز من هذه الاقوال هو قول الحنفية والشافعية، نتعرض لهما ولحجيتهما واما رأي الحنابلة والمالكية فلمشابهته من بعض الوجوه لقول الحنفية والشافعية تعرضنا لها ايضا بالتبع.

______________________________

(١) سبل السلام ٣/٣٨. ونيل الاوطار٤/٣٠١ – ٣٠٢.

(٢) الخلاف١/٢٠٠ طبعة طهران.

حجج كل من الفريقين

١) حجة الحنفية: الذين يقولون بأن العلة هي القدر و اتحاد الجنس.

وملخص دليلهم عبارة عن ان قول النبي صلى الله عليه وآله (الحنطة بالحنطة) معناه البيع وهو لايجري باسم الحنطة، اذ الاسم يتناول الحبة الواحدة ولايبيعها احد لانها ليست بمال متقوم، فعلم ان المراد الحنطة التي هي مال متقوم، والطريق الذي نعرف به ان المال متقوم هو الكيل او الوزن، فصارت صفة الكيل او الوزن ثابتة بمقتضى النص، ويقال ان ماثبت بمقتضى النص فهو كالمنصوص. بالاضافة إلى ماورد في بعض الروايات عن الرسول صلى الله عليه وآله «وكذلك مايكال ويوزن» فكل هذا يثبت ان القدر بالكيل او الوزن هو المعتبر في التحريم.

و اما اتحاد الجنس، فلقول النبي صلى الله عليه وآله (الحنطة بالحنظة مثل بمثل) فقد اوجبت المماثلة لجواز العقد لايتصور ثبوت الحكم بدون محله (وهي المماثلة) فعرفنا ان المحل الذي ليست فيه مماثلة في القدرلايكون جائزا «لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه» وهو عقلي١. وعرفنا ايضا ان المحل الذي لايقبل الماثلة لايكون مال الربا اصلا. والقاطع للنقاش كما يقال هو اشرط المماثلة، والمماثلة هنا بذكر الحنطة والشعير غيرهما تدل على المماثلة المسامحية لا المماثلة الحقيقية٢.

______________________________

(١) كانت هذه القاعدة ودليلها زيادة منا على ما استدل به الاحناف في كتبهم، اوردناها للمناسبة.

(٢) يود اختلاف حول المثلى. وتعريفه: ماتساوت اجزاؤه من حيث القيمة، فهل المراد من المثلى تساوي الاجزاء تساويا حقيقيا او تساويا مسامحيا؟ اما هنا فواضح ان المراد من المثلى هو التساوي المسامحى لانه ذكر الحنطة والشعير والملح والتمر، والتساوى الحقيقي هنا غير متحقق. المكاسب/لشيخنا الانصاري١/١٠٥.

{٦٠}

وأما الحنابلة: فهم يختلفون عن الاحناف الا في اعتبارهم اتحاد الجنس في البدلين شرطا في ربا الفضل لاجزء علة كالاحناف، وهذا هو مضمون احدى الراويتين عن احمد كما تقدم١.

ثم ان مايقال من رد الاحناف بأن التعليل بالقدر ليس صحيحا، باعتبار انه لايصح ان يكون مؤثرا في الحكم، بل هو كما نقول بالنسبة للاصناف الستة انها تباع او تنقل او تعد او تذرع، ومادام ليس في هذه الاوصاف وصف مؤثر فكذلك الوزن الكيل، مردود بامكان ان تقول الاحناف ان التحريم في الربا لمنع الغبن الذي يقع وتحقيق العدل في المعاملات بمقارنة التساوي، وذلك بالكيل او الوزن، اذن هناك فرق بينهما وبين النقل والبيع والعد والذرع، فلايمكن ان يستفاد من عدم وجود وصف مؤثر في بعضها عدم وجود وصف مؤثر في الكل حتى الكيل الوزن.

نعم قد يقال: ان العلة لوكانت هي الكيل والوزن لكان في ذكر هذه الاوصاف الستة تكرارا وهو زيادة في غير محله، بالاضافة إلى ان اعتبار الوزن هو علة يقتضي عدم جواز اسلام الذهب والفضة في باقي الموزونات، وهذا يتصادم مع الاجماع على جواز ذلك. وحينئذ اما ان يرفعوا اليد عن ربا النساء ويقولون بكراهة بيع الاجناس المختلفة نسيئة كما ذهب إلى ذلك بعض، او يضطروا إلى التكلف لاخراج هذه الحالة من ربا النسيئة على اساس فهمهم المتقدم، ولذا قالوا بان الوزن في الذهب والفضة بالمثاقيل وفي غيرها بالقبان، فلم يتفق البدلان في علة الوزن، فكأنها مختلفان وزنا، وهذا تكلف واضح.

واخيرا: فقد اعترض على الاحناف ايضا بالنسبة لاتحاد الجنس. فقالوا بأنه لاينبيء عن أي اهمية خاصة، فالملائم ان يكون شرطا لاعلة.

______________________________

(١) اعلام الموقعين ٢/١٣٧. ونظرية الربا المحرم ص١٦٨.

{٦١}

كل هذه الاعتراضات على الاحناف انما تكون واردة اذا كانت علتهم التي ذكروها لحصول الربا ليس منصوصا عليها، كما رأينا ذلك بالنسبة لاحاديثهم التي رووها، فلا يفيد تأييدهم لرأيهم بان العلة في هذه الاصناف الستة التي عطف بعضها على بعض انما يناسب ان تكون واحدة في الجميع، وهذا انما يحصل بالوزن والكيل واتحاد الجنس الذي هو موجود في الكل، بخلاف من قال ان العلة في الذهب والفضة شيء وفي باقي الاصناف الاربعة شيء آخر. بل لايفيد قولهم بان الاحاديث اوجبت المماثلة، و التماثل المنضبط انما يكون بالكيل والوزن، وان المماثلة انما تتحقق بحسب الصورة وبحسب المعنى، والاول يتحقق بالقدر، والثاني باتحاد الجنس، لان كلامهم هذا لايخرج عن الاحتمال او الظن الذي لادليل على اعتباره هنا كما سيأتي في ورد بقية المذاهب في اعتبارها العلة للتحريم.

٣) حجة الشافعية: في ان العلة هي الثمنية والطعم.

وملخص دليلهم هو عبارة عن ان الشارع قد شرط لجواز البيع في الاصناف الستة شرطيين زائدين هما (المساواة واليد باليد) فالموجب لزيادة هذين الشرطين معنى في المحل ينبيء عن زيادة خطر، وزيادة الخطر كما يقال في الذهب والفضة لايكون الاّ الثمنية، لانهما خلقا لذلك وبالثمنية حياة الاموال، وزيادة الخطر في الاشياء الاربعة الاخرى لايكون الا الطعم لان بالطعم حياة النفوس، فعرفنا ان العلة الموجبة لهذين الشرطين هي الطعم والثمنية.

ويؤيد هذا ظهور السر في تعدادها، فقد ذكر الشارع جميع الاثمان وهي الذهب والفضة، ولما كان يشق ذكر جميع المطعومات فقد نص من كل نوع على اعلاه، فذكر الحنطة وهي انفس المطعومات لبني آدم، والشعير وهو انفس علف للحيوان، والتمر وهو انفس الفواكه، والملح وهو انفس التوابل. اذن

{٦٢}

لايوجد تكرار غير مستحسن في تعدادها١.

واما المالكية: فيتشابه قولهم مع الشافعية الا انهم يختلفون عنهم في علة الاصناف الاربعة، اذ قالوا بان العلة هي الاقتيات والادخار معا، ودليلهم هو «ان الشارع ذكر اربعة اصنافا قاصدا بكل منها التنبيه على ما في معناه، فيدل البر والشعير علىاصناف الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع انواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لاصلاح الطعام، وكلها يجمعها الاقتيات والادخار مما دل على انها العلة في التحريم»٢.

وقد اورد على المالكية وجود كثير مما يدخر ولايقع فيه الربا عندهم، مما دعاهم إلى القول بان العلة مختلفة في الربا، فمنها الاقتيات والادخار، ومنها الحلاوة والادخار، ومنها التأدم والادخار، ومع هذا نجد كثيرا مما يدخر لايقع فيه الربا، فالباذنجان والجزر واللفت والسلق والقرع... الخ كل هذا يجوز فيه اثنان بواحد يدا بيد من جنس واحد، فكل القيود التي ذكروها لاتفيدهم، لان كثيرا مما لايتفكه فيه كالبصل والثوم والكمون ومن الفواكه الاجاص والكمثرى وغيرها التي لايدخل فيها الربا عندهم.

وخلاصة الكلام: ان ما ذكره المالكية والشافعية وحتى الاحناف لاينسجم مع البحث الفقهي المستند إلى الدليل، وكل ما ذكروه لايعدو ان يكون احتمالا للعلة، ان كان احتمال الشافعية ارجح عند البعض، ولكن كل هذا لايفيد، لان كلامنا في دلالة دليل شرعي على هذا الاحتمال او ذاك، ولا من دليل يثبت ذلك، واذا كان كل مذهب قد ابطل بقية ماقيل انه علة فلم يبق الا ما ذكره هو

______________________________

(١) السنهوري/مصادر الحق٣/١٨٤.

(٢) نظرية الربا المحرم ص١٧٨.

{٦٣}

وجمع له المؤيدات، فان هذا لايفيد الظن بالعلية. على ان الظن لايغني من الحق شيئا مالم يأت دليل خاص عليه.

نعم نحن نتيقن وجود علة للحكم في الجملة، ولكن ماذكر من الروايات عند ابناء العامة لايبين صراحتها، وكل ماسلك من المسالك لايفيد ظنا فلايكون دليلا بل يبقى على مسرح الاحتمال، ولذلك فسوف يتصادم ماذهب اليه الجمهور من عدم خصوصية لهذه الاصناف الستة وما هو الظاهر من عدم حصر العلة في شيء معين حتى يتعدى إلى غيرها، وان تعدادها بالخصوص يعلم معه انه لو كان النظر إلى امر اشتركت فيه هي وغيرها لجاء بيان ذلك، وما لم يأت حسب رواياتهم يفهم ان لها خصوصية خاصة.

السنهوري يرجح حجة الشافعية

وقد ذكر السنهوري «.... ان الاعتبار الذي وقف عنده الشافعي اعتبار اجتماعي اقتصادي، فنفذ بذلك إلى لب الموضوع، وتغلغل في الصميم منه، اما الاعتبار الذي وقفت عنده الحنفية فهو اعتبار منطقي اقرب إلى الشكل منه إلى الجوهر، ولذلك لانتردد في ترجيح مذهب الشافعي، فانه يقف من الاشياء الستة المذكورة في الحديث الشريف عند المعنى البارز الذي ينبغي الوقوف عنده»١.

ثم رد السنهوري حجج الحنفية فقال ما ملخصه:

«١ – فالشارع عندما قال الحنطة بالحنطة، نظر دون شك إلى معنى في الحنطة، وهذا المعنى لايخرج عن ان يكون الطعم او الكيل، ومعنى الطعم لخطره اولى من معنى الكيل لتفاهته. ثم ان معنىالطعم لايجعل تعاقب الاشياء

______________________________

(١) مصادر الحق٣/١٨٤ ومابعدها.

{٦٤}

الاربعة محض تكرار اذ هي تتفاوت في هذا المعنى... وكذلك عندما قال الشارع الذهب بالذهب نظر دن شك إلى معنى في الذهب، وهذا المعنى لايخرج عن ان يكون الثمنية او الوزن، ومعنى الثمنية اولى بالاعتبار...

٢ – ليس من الضروري ان المحل الذي لايقبل المماثلة لايكون مالا ربويا...

٣ – وقد تكون الحاجة إلى الاشياء داعية الىوجوب منع احتكارها او التلاعب في اسواقها ومن ثم يكون التأثير الحاجة في الحرمة لا الاباحة.

٤ – وليس من الضروري ان تتحد العلة في الاشياء الستة لمجرد عطفها بعضها على بعض، فمن الجائز ان تنتظمها علتان او اكثر....»١.

ولكن كل ما ذكره السنهوري من وجوه للترجيح لاتعدو ان تكون احتمالات قد لاتكون راجحة٢، ولكن مع هذا هل دل دليل على هذا الاحتمال؟ على ان الموهنات لهذه الاحتمالات التي رجحها السنهوري كثيرة ايضا: فمنها

______________________________

(١) نفس المصدر السابق ص١٨٤ – ١٨٧.

(٢) اذا كان السنهوري بهذة المرتبة من الاستدلال اذ يدعى ان معنى الطعم اعظم من معنى الكيل، فقد يتكلم معه بنفس المستوى، فيقال ان الكيل اهم من الطعم لعل لما فيه من منع التغابن والغرر ومنع الظلم، ولذا نرى كثيرا من الايات القرآنية تشير إلى اهمية التقدير منها: (واوفوا الكيل ولاتكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم ولاتبخسوا الناس اشياءهم ولاتعثوا في الارض مفسدين) ١)(والى مدين اخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره ولاتنقضوا المكيال والميزان انى اراكم بخير وانىاخاف عليكم عذاب يوم محيط. وياقوم اوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولاتبخسوا الناس اشياءهم ولاتعثوا في الارض مفسدين) ٢).

–––––––––––––––––––––––––––––––––––

(١) الشعراء/١٨١.

(٢) هود/٨٤ – ٨٥.

{٦٥}

أن الطعم لو كان حقا هو العلة فما هو الوجه لهذا التعدد الخاص من الطعم؟ وما ذكر من ان الحنطة هي انفس المطعومات لبني آدم والشعير انفس مطعوم للحيوان والتمر انفس الفواكه والملح انفس التوال، كل هذا انما هو ترقيع لرد الاشكال لا دليل على صحته والا فمن قال ان الشعير انفس مطعوم لكل الحيوانات؟ ولماذا لم يكن الماء الذي هو اساس كل شيء هو انفس مطعوم للاحياء؟ واذا كان الشافعية قد استدلوا باللفظ البارز (لفظ الطعام) فأين مايدل بلفظ بارز من النصوص على العلة في النقدين؟ على ان ادلة واضحة تسرد تدل على المقصود بالطعام هو القمح كما في حديث أبي سعيد «كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله صدقة الفطر صاعا من طعام اوصاعا من شعير اوصاعا من تمر اوصاعا من اقط» فلم يوقع اسم الطعام الاعلى البر وحده، وهذه الرواية وان لم تكن حجة عندنا لانها فهم خاص لابي سعيد الا انها حجة عندهم كما هي طريقتهم في الاحتجاج على الاحكام الشرعية بمثل هذه الروايات.

وبعد هذا العرض على هذه المسالك يمكن القول بأنه لم تظهر لنا علة يقصد ان تكون هي المؤثرة في الحكم في الربا، والادل عليها بأي طريق، ولايمكن القول بعدم تمكن الشارع من بيانها، اذ لامانع عقلي من بيان ذلك، اذن اما ان نتعبد بما ذكره الشارع من ذكر الاصناف الستة فقط ونحرم الربا فيها فقط ونحله فيما عداها، او نفحص اكثر في الاحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وآله ولو لم تكن من طرق ابناء العامة لنرى هل صرح بهذه العلة التي يجري الربا معها ام لا؟.

وهذا يحتم علنيا مراجعة احاديث الشيعة التي تروى عن النبي صلى الله عليه وآله بتصريح اهل البيت (ع) الذين يقولون قولنا هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وقول رسول الله هو قول جبرائيل،، وقول جبرائيل هو قول الله تعالى، وهذا ما سنراه فيما يأتي

{٦٦}

عند الكلام حول الربا عند الامامية وسوف نرى ان الامامية لم يبحثوا عن علة تحريم الربا التي لم يذكرها المعصوم (ع) بحيث يدور معها الحكم وجودا وعدما، وانما ذكر الامامية موضوع الحرمة، كما ورد ذلك عن ائمتهم سلام الله عليهم، وبما ان موضوع الحكم عندهم عام فهو ينسجم مع من يرى تعدي الحرمة من الاصناف الستة إلى كل مكيل او موزون في حالات خاصة.

تحديد ربا البيع

وقد اتفق العامة على ان الربا لايكون الا في البيع ولايشمل كل المعاوضات١ ويرد عليهم مخالفة اطلاق الروايات الكثيرة التي وردت في التأكيد على (المثل بالمثل) والباء هنا للمعاوضة الا انها حرف وليست باسم، على انه لم يذكر دليل لهم يخص الربا في البيع ٢. وعلى ما اتفقوا عليه ينقسم الربا في البيع إلى قسمين: ربا الفصل – ربا النسيئة.

اما الاول: تحديده.

المذهب الحنفي قال: يتحقق ربا الفضل باجتماع علة الربا عند الحنفية وهي (القدر واتحاد الجنس) فكل مكيل او موزون من جنس واحد اذا بيع متفاضلا تحقق فيه ربا الفضل، والمراد من المماثلة هي المماثلة في القدر لافي الصفة والا اذا تماثل القدر والصفة لم يبق هناك معنى للمبادلة.

المذهب الشافعي: قال كذلك يتحقق ربا الفضل بتحقق علة الربا، وهي عندهم الطعام والثمينة مع وجود شرط وهو اتحاد الجنس، فكل مطعوم اذا

______________________________

(١) المحلى، ابن حزم ٨/٤٦٧.

(٢) سيأتي بحث مفصل عن شمول الربا للمعاوضات عند البحث عن الربا عند الامامية.

{٦٧}

بيع متفاضلا تحقق فيه ربا الفضل، وكذلك اذا بيع الثمن في الثمن وكانا من جنس واحد كالذهب بالذهب أو الفضة بالفضة وجب التماثل والاّ فسد البيع. وبديهي ان تكون هناك اختلافات بين المذهبين في تطبيق ربا الفضل وقد يتفق المذهبان في تحريم بعض الاشياء او تحليلها١.

المذهب المالكي: ويتحقق ربا الفضل بتحقق علة الربا عندهم، وهي في الاصناف الاربعة الاقتيات والادخار وفي الذهب والفضة الثمينة، فكل ما يقتات ويدخر كالتمر بالتمر والسكر بالسكر يجري فيه ربا الفضل. وكذلك الذهب بالذهب والفضة بالفضةلانهما اثمان، وفي الكل الجنس متحد لانه شرط.

واما المذهب الحنبلي: فقد قلنا انه لايختلف عن الاحناف الا في اعتبارهم الجنس في البدلين شرطا في ربا الفضل لاجزء علة كالاحناف وهو مضمون احدى الراويتين عن احمد.

واما الثاني: تحديده.

«فاذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف ماشئتم اذا كان يدا بيد» الاصل. وعلى الفهم المتقدم للاصل نحدد ربا النسيئة عند المذاهب فنقول:

اما المذهب الحنفي: فهو يجري ربا النسيئة بوجود احد شطري العلة وهي (القدر والجنس) فيكون في حالتين:

(١) ان يكون كل من البدلين مكيلا او موزونا، سواء اتحد الجنس ام لم يتحد.

(٢) ان يكون البدلان من جنس واحد، سواء كانا مكيلين او موزونين او غير ذلك. ففي الحالة الاولى: لايجوز البيع نسيئة ويجوز يدا بيد. ولكن هذه القاعدة تؤدي إلى غلق باب السلم في الذهب والفضة، وهو تسليف المثن وتأخير المثمن المكيل او الموزون، وقد رخص

______________________________

(١) راجع مصادر الحق للسنهوري ٣/١٨٨ – ١٨٩ ونظرية الربا المحرم ص١٧٢ وما بعدها.

{٦٨}

به النبي صلى الله عليه وآله . ويقف كذلك باب بيع الموزونات بنقد مؤجل، ومن اجل هذا قسمت الحنيفة الموزونات إلى قسمين:

أ – النقد (الذهب والفضة) ويوزن بالمثاقيل.

ب – الموزونات الاخرى من حديد، نحاس، سكر، ونحوها وتوزن بالقبان، وهذان القسمان لايتحدان في صفة الوزن، ومن ثم تجوز مبادلة احد القسمين بالاخر نسيئة. وانما اضطر الاحناف إلى هذا لاجل الاجماع على جواز اسلام النقدين في باقي الموزونات كما تقدم.

وفي الحالة الثانية: اذا كان البدلان من جنس واحد ولم يكونا مكيلين او موزونين كالحيوان في الحيوان لم يجز البيع نسيئة ويجوز يدا بيد١. ودليلهم ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهذا دليل على ان مجرد اتحاد الجنس علة لتحريم النساء، فيكون الربا في المذهب الحنفي على النحو الاتي:

١ – في الموزون بالموزون من جنس واحد.

٢ – في المكيل بالمكيل من جنس واحد.

ويجري فيه كل من ربا الفضل والنسيئة

٣ – في الموزون بالموزون من جنسين مختلفين.

٤ – في المكيل بالمكيل من جنسين مختلفين.

ويجري فيه ربا النسيئة فقط

٥ – في الموزون بالمكيل.

٦ – في المكيل بالموزون.

ولايجري فيه ربا اصلا

وبالاولى يجوز البيع نسيئة لو اختلف الجنس في غير المكيل والموزون.

______________________________

(١) مصادر الحق/للسنهوري٣/١٩٠.

{٦٩}

واما المذهب الشافعي: فكذلك يجري ربا النسيئة بوجود احد شطري العلة عند الشافعية وهي الطعام او الثمن، اتحد الجنس او اختلف، فلاتجوز النسيئة في التمر بالتمر، ولا التمر في القمح، ولاتجوز النسيئة في الذهب بالذهب ولا في الذهب بالفضة، ولاتجوز النسيئة في بيع مطعوم كالقمح في الحديد وفي غير المطعوم بغير المطعوم كالجص في الجص او الجص بغيره. وتجوز النسيئة في بيع المثمن بالمثمن مطعوما او غير مطعوم كالارز في الفضة١. وكذلك يختلف المذهبان في تطبيقات ربا النسيئة كما اختلفا في تطبيقات ربا الفضل٢.

واما المذهب المالكي: فأيضا يتحقق ربا النسيئة عندهم كالشافعية في النقدين وفي التمر بالتمر والتمر بالسكر لانهما طعام للادمي قابلان للاقتيات والادخار.

٥
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

موارد الاختلاف بين المذاهب

توجد موارد اختلفت فيها المذاهب من ناحية الربا وعدمه لاختلاف المبنى عندهم فمنها: ان بيع النحاس بالنحاس مثلا او الجص بالجص مع التفاضل لايجوز عند الاحناف والحنابله لوجود علة ربا الفضل وهي الكيل او الوزن مع اتحاد الجنس عند الاحناف، وهي الكيل او الوزن عند الحنابلة مع اعتبارهم اتحاد الجنس شرطا، ولكن هذه المعاملات كلها جائزة عند الشافعية والمالكية لانها ليست بربوية لعدم وجود الطعم عند الشافعية ولا الاقتيات والادخار عند المالكية، ولعدم وجود الثمنية عندهما معا.

ولكن اذا بيع البطيخ بالبطيخ او البيض بالبيض نقدا مع التفاضل، فانه لايجوز عند الشافعية لوجود الطعام الذي هو العلة في الربا بينما يجوز ذلك عند الماكية لعدم قابليتهما للاقتيات وللادخار، وكذلك يجوز عند الاحناف والحنابلة لعدم

______________________________

(١،٢) نفس المصدر ص١٩١ – ١٩٢ يراجع للتوسع

{٧٠}

القدر١.

وفي ربا النسيئة: فان المكيلات والموزونات غير المطعومة وغير الاثمان تحرم فيها النسيئة عند الاحناف والحنابلة لوجود القدر، اما عند الشافعية فانها لاتحرم وكذلك المالكية لعدم الطعم عند الاول والادخار عند الثاني وعلى العكس من ذلك تحرم النسيئة عند المالكية والشافعية فيما هو غير مقدر ولكنه مطعوم قابل للادخار، ولايحرم عند الحنفية والحنابلة لعدم وجود القدر٢.

واما مالا يتحقق فيه القدر والطعم او الثمنية او الادخار كالحيوان بالحيوان فانه يجوز بيعه نسيئة عند الشافعية والمالكية لعدم الطعام او الادخار، ولايجوز ذلك عند الاحناف لوجود اتحاد الجنس الذي هو علة كاملة لربا النسيئة. وعلى العكس من ذلك الحديد فانه لايجوز نيسئة عند الاحناف والحنابلة لانه مقدر ويجوز عند الشافعية والمالكية لانه ليس طعاما ولا قابل للاقتيات والادخار.

تنبيه: ان هذه الامثلة التي ذكرت، وذكر اختلاف المذاهب الاربعة فيها من ناحية كونها ربوية ام لا، انما تصح في بعض الاماكن وفي بعض الاوقات، باعتبار ان البطيخ والبيض مثلا عد عندهم غير موزون ولامكيل، بينما يمكن ان يكون مكيلا او موزونا في مكان آخر أو في نفس المكان ولكن في وقت اخر، وحينئذ تختلف الفتوى حسب اختلاف العادة. وكذلك بالنسبة لبعض امثلة مالايمكن ادخاره في وقت، ويمكن ادخاره في وقت اخر كما في زماننا الذي يمكن فيه ادخار اكثر المطعومات كالبيض مثلا فبما

______________________________

(١) أي في ذلك الزمان لم يكن البطيخ موزونا وكذلك البيض، اما في زماننا فبما انهما موزونان فيجري فيهما الربا على مسلك الاحناف.

(٢) نظرية الربا المحرم ص١٧٢ – ١٧٤.

{٧١}

قابل للادخار بواسطة الالات الكهربائية.

وربما يعترض على هذا الكلام فيقال: بأننا لانعرف كيف كان يباع كل صنف على عهد الرسول صلى الله عليه وآله «فان رجعوا إلى ان يجعلوا لاهل كل بلد عادته حصل في الدين لعبا اذا شاء اهل بلد ان يستحلوا الحرام ردوا كل ما كانوا يبيعونه بكيل إلى الوزن وما كانوا يبيعونه بوزن إلى كيل»١.

وهذا الاعتراض وان كان على اصل اعتبار الكيل والوزن الا انه يمكن ان يكون اعتراضا على اختلاف الاوزان والمكاييل من مكان إلى اخر ومن زمان لاخر، ولا أدري كيف يكون هذا اشكالا اذ من يقول باعتبارهما لايفرق بين ان تكون الحنطة او غيرها مكيلة او موزمونة فانها مادة ربوية. نعم لو اعترض بارجاع المكيل إلى المعدود لاخراجه عن الربا فله وجه، ولكن جوابه بان المتبع هو عادة اهل البلد لا ان كل انسان يتبع عمله الشخصي.

ومع هذا كله فان عندها روايات تدل على اعتبار الكيل والوزن عند المتبايعين ففي صحيحة الحلبي «في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم ثم ان صاحبه قال للمشتري ابتع مني هذا العدل الأخير بغير كيل فان فيه مثل ما في الاخر الذي ابتعته. قال: لا يصلح الا بكيل. قال: وما كان عن طعام سميت فيه كيلا فانه لايصلح مجازفه هذا مما يكره في بيع الطعام»٢. وهي ظاهرة في اعتبار المكيال عند المخاطب وفي عرفه وان لم يكن كذلك في عرف الشارع، باعتبار ان الكراهة هنا بمعنى المبغوضية التي تستوجب التحريم. وعلى هذه الرواية – وهي دليل شرعي حجة – لايلتفت إلى كلام المعترض لا اجتهاد – لو صح

______________________________

(١) المحلى ٨/٤٨٤.

(٢) المكاسب/ لشيخنا الانصاري١/١٩٠. والصحيحة عبارة عن كون سلسلة السند كلهم من الثقات العدول الامامية، فهي حجة في اعلى مراتب الحجية عند الامامية.

{٧٢}

تعبيرنا – في مقابل النص.

اذن صح تنبيهنا على ان الامثلة التي ذكرت انما تصح في بعض الاوقات وفي بعض البلدان حسب اختلاف العادة، والمعتبر لثبوت الحكم هو وجود موضوعه عند العرف وعند المتبايعين، فلو انتفى الموضوع فلا يأت الحكم لانتفاء موضوعه، وقد عرفنا ان الموضوع هو كونه موزونا او مكيلا او مدخرا او مطعوما او قوتا او غير ذلك عند العرف وعنود المتبايعين.

القسم الثاني: ربا القرض

وقد اختلفوا في حرمته، واستدل البعض على حرمته بأمور:

١ – القياس، فانهم قاسوه على الربا المنصوص علته.

٢ – حديث سوار: «كل قرض جر نفعا فهو ربا» او «فهو باب من ابواب الربا».

٣ – قول النبي صلى الله عليه وآله : «القرض صدقة» فلا ينبغي لك ان تأخذ من صاحبك منفعة، حيث ان القرض عبادة وصدقة، فحكم الانتفاع عليه كحكم الاستئجار على سائر امور الدين من الافتاء والوعظ... الخ١.

والمقصود من ربا القرض هو ان يشترط في القرض نفع للمقرض، اما اذا لم تكن المنفعة مشروطة في القرض بل جاءت تطوعا من المستقرض، فلا بأس بها لانه قرض لم يجر منفعة، ولقوله صلى الله عليه وآله «فان خياركم احسنكم قضاءا».

ولكن القياس الذي ذكروه هنا انما نشأ من مشابهة ربا القرض لربا الجاهلية في اخذ المال في مقابل الاجل، وهذه المشابهة سوف نناقشها عند ذكر دليل المشابهة.

______________________________

(١) الربا والمعاملات في الاسلام ص٤٥.

{٧٣}

وأما حديث سوار، فقد نقله علماء العامة عن علي (ع) وقد نقله الامامية عن النبي صلى الله عليه وآله ويحتمل ان يكون عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله الا ان عليا (ع) لم يصرح به باعتبار ان قوله هو قول الرسول صلى الله عليه وآله فيكون الحديث معتبرا حينئذ١. ولكن ذهب بعض من فقهاء العامة إلى ان ربا القرض لم يرد فيه حديث صحيح، والحديث الذي اخرجه صاحب (بلوغ المرام) عن علي عليه السلام اسناده ساقط وسوار متروك الحديث٢.

واما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وآله «القرض صدقة» فلا يمكن ان يكون دليلا على حرمة ربا القرض، ويمكن مناقضة ما قيل – من ان القرض عبادة وصدقة فحكم الانتفاع عليه كحكم الاستئجار على سائر امور الدين من الافتاء والوعظ – كبرويا بأن نقول بامكان أخذ الاجرة على اتيان العبادة المستأجر عليها بداعي امتثالها لاعلى نفس الاتيان كي ينافي عباديتها، فيكون اخذ الاجرة – كما افاده في الكفاية – من قبيل الداعي إلى الداعي٣ وقد افتى بجواز اخذ الاجرة على الواجب الكفائي بهذا النحو السيد الامام الخوئي حفظه الله تعالى٤. واما صغرويا فلايمكننا اخذ الاجرة او لنفع على القرض الذي هو عبادة وصدقة لدليل خاص في المقام يأتي عند بحث ربا القرض عند الامامية.

______________________________

(١) ولكن هذا الاحتمال غير صحيح لان الامامية يصرحون بان الرواية نبوية، ولو كانت عن الامام علي (ع) لما صرحوا بذلك ولكان لهم بها شأن آخر.

(٢) الربا والمعاملات في الاسلام ص٢١.

(٣) كفاية الاصول/ للاخوند/ ١٩٧.

(٤) المسائل المنتخبة ص٣٥/ مسألة (١٠٢) «الاحوط قصد القربة في التغسيل، فلا يجوز اخذ الاجرة عليه. ولا بأس بأخذ الاجرة على المقدمات، او أن يكوي التغسيل بقصد القربة، ويكون اخذ الاجرة داعيا إلى ذلك».

{٧٤}

وقد ذكر السنهوري دليلا علىحرمة ربا القرض فقال: لان الزيادة تشبه الربا والتحرز من حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب. ولكن فيما نرىان الشبه بالمحرم لوحده لايسوغ لنا ان نعطي حكم المحرم للشبيه، الا ان يكون الشبه من جميع الجهات وقد رأينا ان الشبه هنا ليس من جميع الجهات فلايكفي هذا لاعطاء الحرمة لربا القرض. على ان التحرز عن شبهة الربا ليس واجبا دائما، اذ قد تكو شبهة الربا في بعض الموارد حكمية فلايجب التحرز عنها.

ثم ان هذا الدليل الذي ذكره السنهوري – فيما ارى – يعود إلى القياس الذي ذكر كدليل على حرمة ربا القرض حيث قاسوه على الربا المنصوص العلة، وهذا القياس الذي ذكروه وكل قياس عندهم له اركان اربعة هي:

١ – الاصل: وهو الجزئي الاول المعلوم ثبوت الحكم له (كربا الجاهلية) في المثال.

٢ – الفرع: وهو الجزئي الثاني المطلوب اثبات الحكم له (كربا القرض) في المثال.

٣ – الجامع: وهو جهة الشبه بين الاصل والفرع كالزيادة على اصل المال في المثال.

٤ – الحكم: وهو المعلوم ثبوته في الاصل والمراد اثباته في الفرع كالحرمة في المثال.

وهذا القياس بأركانه الاربعة الذي يسمى بعرف المناطقة (التمثيل) لايفيد الا الاحتمال لانه لايلزم من تشابه شيئين في امر أو امور ان يتشابها في الحكم ايضا. نعم كلما قويت وجوه الشبه يقوى عندنا الاحتمال حتى يكون ظنا، وهو في هذه الحالة لايخرج عن القيافة التي لاتغني من الحق شيئا.

نعم قد نستفيد ان الجامع (جهة المشابهة) علة تامة لثبوت الحكم في الاصل،

{٧٥}

وبما ان العلة لايختلف عنها معلولها، فنستنبط على نحو اليقين ان الحكم ثابت في الفرع لوجود علته التامة. ولكن اثبات ان الجامع هو العلة التامة لثبوت الحكم في المسائل الشرعية ليس لنا طريق اليه – كما قلنا سابقا – الا من ناحية الشارع نفسه كما اذا نص الشارع على العلة بنفسه، وحينئذ يخرج عن اسم القياس باصطلاح الفقهاء ويكون حجة. اما في موردنا فلم ينص الشارع على العلة في ربا الجاهلية، فضلا عن معرفة وجودها في ربا القرض، وحينئذ يكون القياس في هذا المورد غير مفيد الا الاحتمال.

وقد استدل بعض الفقهاء على ان القرض المطلق ليس ببيع استنادا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وآله «القرض صدقة» ولكن اذا زيد فيه شرط النفع يصير بيعا لانه يفوت كونه تبرعا فيكون الفضل ايضا ربا.

وقد اورد على هذا القول عدة مؤاخذات، ملخصها هي:

اولا: ان القرض لانسلم انه يصدق عليه انه معاوضة ابتداء وانتهاء لانه لاعوض له في الحال.

ثانيا: ان الشرط خلاف مقتضى العقد لان مبنى القرض على التبرع، واذا كان الشرط خلاف ذلك فانه يفسده، ولكن القرض من العقود التي لاتفسد بالشروط الفاسدة، بل الشرط يكون لغوا والعقد صحيحا، واذا بقي القرض على صحته لم يصر بيعا.

ثالثا: ان الفقهاء يصرحون بان النفع المشروط في القرض شبيه بالربا، فلو قلنا باستحالة القرض بشرط النفع إلى البيع – كما عن القائل – لصار النفع ربا حقيقة لاشبيها بالربا.

والى هنا لم يتم دليل عند العامة على حرمة ربا القرض، ولعله لهذا ذهب بعض الفقهاء منهم لكراهية ربا القرض.

وقد ذهب بعضهم للتفريق بين الزيادة الصريحة في القرض ويقصد بها شرط

{٧٦}

زيادة الشيء الذي اقترض عند الوفاء وبين المنفعة التي يجرها القرض كما اذا شرط رد الاجود مما اخذ عند الوفاء واعتبر الزيادة الصريحة هي التي حرمها النص القرآني وهي ربا الجاهلية التي هي عبارة عن حقيقة الربا وماهيته، واما القرض الذي جر منفعة فهو الذي يحرمه الحديث المروي، وقد تكلف كثيرا لارجاع كلام الفقهاء في هذه المسألة إلى المنفعة بمعناها الضيق لا الزيادة الصريحة١.

وهذا الكلام بالاضافة إلى عدم دليل يدل على هذا التمييز، فان الفرق بين ربا الجاهلية وبين الزيادة الصريحة في القرض واضح كما تقدم مرارا، اذ ان الاول لاتكون الزيادة فيه من اول الامر، وانما تكون عند الوفاء في صورة عدم تمكن المفترض من سداد دينه، اما الثاني فالزيادة فيه عند العقد فليس القرض الذي اشترطت فيه الزيادة الصريحة هو مما حرم بالقرآن الكريم حتى يكون الحديث الشريف في معنى آخر. بالاضافة إلى ان الحديث الشريف عام يشمل كل قرض جر نفعا، سواء كان هذا النفع هو زيادة او صفة كاشتراط رد الاجود او كتابة السفتجة٢ او غير ذلك، فما هو الدليل على جعل فرق بين الزيادة وبين النفع

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٢٠٦/٢١٣ وكان من الامران يعبر عن المنفعة التي يجرها القرض كما اذا شرط رد الاجود بالمنفعة بمعناها الواسع لا الضيق، ولكنه تسامح بذلك.

(٢) والسفتجة تكون زيادة حكمية باعتبار ان صاحب العين العظيمة الحمل يدفع العين لاجل ان يتسلمها في بلد آخر. فان كان هذا قرضا فهو قد اقرض مالا وانتفع به، اذ رفعت عنه كلفة نقل المال وهو اجرة الطريق، وان كان بيعا فهو مبادلة مال بمال نسيئة. (هذا ما ذكر كدليل لهم على ان السفتجة مبطلة) راجع نظرية الربا المحرم ص ٢١١ –٢١٢.

وكذلك ذكرت رواية عن عمر تنهى عن ذلك. واما نحن: فنرى في كلام القوم اختلافا واضحا في معنى السفتجة، اذ منهم من يفسر السفتجة بالعين العظيمة الحمل، ومنهم من يفسرها بمطلق الحوالة سواء كانت لعين عظيمة الحمل او لورق او ذهب، ونحن لانوافق

{٧٧}

الذي هو كرد الاجود؟ ولذا نجد ابن حزم يصرح بان القرض يدخل فيه الربا في صورة «اشتراط اكثر مما اقرض اواقل مما اقرض او اجود مما اقرض او أوفى مما اقرض، وهذا مجمع عليه وهو في الاصناف الستة منصوص عليه.... وهو فيما عداها شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل»١.

وهذا الكلام وان كنا لانوافق على قسم منه وهو (اشتراط رد الادون او الانقص) اذ الربا المحرم هو اشتراط الزيادة سواء كانت عينية او حكمية، اما اشتراط النقيصه او الادونية فهو ليس ربا فلايكون محرما، وكل الحوالات التي تكون هي من قبيل اشتراط المحول اعطاء انقص مما اخذ، وهو في حقيقته قرض، اذ ان المحول له هو المقرض، والمحول هو المقترض، ويشترط المقترض رد الانقص ولم يقل احد بحرمته من الفقهاء المعروفين. ولكننا على كل حال: نستفيد من كلام ابن حزم عدم الفرق بين شرط الزيادة او شرط رد الاجود وهو المطلوب. وسوف يأتي تفصيل عند البحث عن القرض الربوي عند الامامية ويتضح انه ليس كل شرط في القرض هو المحرم وانما الشرط الذي يجر نفعا للمقرض عرفا هو المحرم فقط.

______________________________

على حرمة السفتجة بمعينيها، اما رواية عمر فليست حجة علينا لانها ليست رواية عن النبي «ص».

واما ماذكر فمناقشته هي بان هذه العملية هي قرض الا انه لم يجر منفعة، وانما هو قرض دفع بعض الضرر على المقرض، ودفع الضرر ليس جرا للنفع كما هو واضح، وحينئذ فان لم يصدق النفع لاتكون العملية القرضية محرمة.

(١) المحلى ٨/٤٩٤ ولانوافق ايضا على كلامه القائل بان الشرط الذي ليس في كتاب الله فهو باطل اذ اكثر الشروط التي يشترطها المتعاملون ليست في كتاب الله تعالى مع الحكم بصحتها عند الفقهاء.

الفصل الرابع

وهو يشتمل على بحثين مهمين:

الاول: ما ذكر من التخلص الموضوعي للربا، كبيع العينه وبيع الوفاء، وحط وتعجل، والبيع مع السلف. مع مناقشة من يقول بالحرمة.

الثاني: ما ذكر من التخلص الحكمي للربا كبيع العرايا وبيع المصوغ وبيع مادخلته الصنعة بوجه عام وبيع الدراهم والدنانير المسكوكة مع مناقشة ذلك. ثم ختمنا البحث عند العامة بخاتمة مفيدة.

البحث الاول: التخلص من الربا موضوعا

ذكر بعض الفقهاء وجود عقود ظاهرها مشروع الا انها تعتبر ربوية لبعض الوجوه، فمن تلك العقود:

١ – بيع العينة: وهو عبارة عن ان تباع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها البائع من المشتري بثمن معجل اقل مما باع به. «وقد قال بحرمة هذا البيع مالك واحمد لانها حيلة لربا النسيئة» وقد احتج لهؤلاء «بحديث عائشة حينما اخبرتها ام محبة بانها كانت لها جارية، فباعتها لزيد ابن ارقم بثمانمائة درهم الىعطائة، وانه اراد بيعها، فابتاعتها منه بستمائة، فقالت عائشة بئسما شريت وبئسما اشتريت فأبلغي زيدا انه قد ابطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله الا ان يتوب. فقالت لها: أرأيت ان لم آخذ منه الا رأس مالي؟فقالت: «فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف»١.

وقد استدل ابن القيم على تحريم العينة بما روي عن الاوزاعي عن

______________________________

(١) نظرية الربا المحرم ص٢٠٣ عن القرطبي ٣/٣٥٩ – ٣٦١.

{٧٩}

النبي صلى الله عليه وآله انه قال: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» ثم قال: «وهذا الحديث وان كان مرسلا فانه صالح للاعتقاد به بالاتفاق... فانه من المعلوم ان العينة عند من يستعملها انما يسميها بيعا، وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غير اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لاقصد لهما فيه البتة، وانما هو حيلة ومكر وخديعة لله تعالى»١.

ولنا ان نقول: لادلالة فيما نقل عن عائشة على الحرمة، لانه فهم خاص لها حجة عليها، وليس هو اثرا عن النبي صلى الله عليه وآله حتى يكون معتبرا، واما الحديث الذي رواه ابن الاوزاعي فلا يستفاد منه تحريم هذه الطريقة التي ذكرناها، بل يفهم منه انه قد يستحل الربا بالبيع ولكن أي بيع يستحل فيه الربا فيكون حراما؟ فهذا غير واضح من الحديث، بالاضافة إلى ارساله كما ذكر، والاعتضاد غير محقق. واما ماذكره ابن القيم من عدم القصد إلى بيع العينة فهي دعوى من دون دليل، اذ القصد امر نفساني يكشف عنه الانشاء من قبل المتعاملين.

وفيما ارى ان صحة هذا البيع مما ينسجم مع القواعد العامة في البيع اذا اخذنا بظاهره ولم يلزم المشتري بالبيع ثانية٢ كما هو مفروض البحث هنا، فحينئذ لاتوجد شائبة ربا، وذلك لان العقد الاول الذي توفرت فيه كل شروطه – كما هو الفرض – حتى القصد اليه فهو بيع صحيح وكذلك البيع الثاني. فلم يحصل من البيع الاول لوحده ربا، ولا من العقد الثاني كذلك، نعم حصل من مجموع العقدين نتيجة الربا، وهذا لم يكن محرما في اصل الشريعة، نعم

______________________________

(١) نيل الاوطار٥/٢٠٦/٢٠٧ عن نظرية الربا ص٢٠٤.

(٢) واما مع الزام (المشترى بالبيع ثانية) في البيع الاول فهنا بحث طويل عند الامامية حول بطلان هذه المعاملة ولكن لا للربا، وتوجد روايات عن الائمة عليهم السلام تدل على البطلان يأتي الكلام عنها مفصلا.

{٨٠}

ظاهر النواهي عن المعاملات الربوية متجهة إلى حصول الربا في معاملة واحدة اذا توافرت شروط معينة، ونحن اذا لاحظنا ما وقع في بيع العينة فلم نجد تلك الشروط التي تقدمت متوافرة، فلم يحصل الربا في المعاملة.

واما قول ابن القيم من انهم اتفقوا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد فهو ان كان يريد من حقيقة الربا تحديده شرعا فهو مصادرة على المطلوب، واما قوله انهم لاقصد لهم بالتبايع فهو اول الكلام لان القصد إلى التبايع الاولي موجود وكذلك الثانوي، وانما كانت عندهم غاية من البيعين، ونهي لاتتنافى مع قصد التبايع، ولذلك نشترط كل الشروط المعتبرة فيهما، واما اذا افترضنا عدم وجود قصد إلى التبايع فالعقد باطل من ناحية عدم القصد لامن ناحية حصول الربا. هذا كله مضافا إلى ان الحيلة التي تجري لاجل الهروب من الحرام إلى الحلال لايوجد دليل على تحريمها خصوصا عند العامة الذين هم اول من قال بالحيل١.

نعم ربما نفصل في بيع العينة بين بيعين:

الاول: وهو ما تقدم الذي يكون ظاهره عبارة عن بيعين لم يحصل ارتباط شرعي بينهما، حصل منهما نتيجة الربا القرضي، وحينئذ يكون الحكم ماتقدم من عدم دليل على الحرمة لعدم شمول دليل الربا لما هو ظاهر من البيعين.

الثاني: ان يكون البيع الاول مرتبطا بالبيع الثاني، أي لولا البيع الثاني لما حدث البيع الاول، وحينئذ يكون هذان البيعان صورتهما ما تقدم، ولكن روحهما هو القرض الربوي قد توصلا اليه بهذا الثوب من المعاملة، اذ القرض هو تمليك مع الضمان وهو حاصل من المعاملتين، فلايجوز فيه الزيادة لان ادلة حرمة ربا القرض تشمله.

وهذا التصوير الثاني – وان لم يكن مقصودا لمن حرم بيع العينة من ابناء

______________________________

(١) وتوجد روايات تحبذ الحيلة التي يهرب بواسطتها الانسان من الحرام إلى الحلال ولكن في ربا البيع لافي ربا القرض سيأتي ذكرها عند بحث الحيل في ربا الامامية.

{٨١}

العامة، حيث ان الادلة التي ذكروها لاتربط بين البيعين على نحو لولا البيع الثاني لما حصل البيع الاول كما هو ظاهر من حديث عائشة – فان كان هو المقصود ففيه شائبة ربا باعتباره قرضا قد البس ثوب البيع ١.

ولكن هذا الدليل على البطلان ينسج مع الفكرة القائلة ان وراء الالفاظ لبا قد قصده المتعاقدان، والاعتبار باللب، واما على المسلك القائل ان الفاظ المعاملات لا واقع لها الا الانشاء لانها امور اعتبارية لاواقع لها الا الانشاء واما ماورائها فهو داعي للمتعاقدين، فيكون عندنا عقدان قد شرط العقد الثاني في العقد الاول، ولاربط للعقد الاول بالقرض كما لاربط للعقد الثاني كذلك، وحينئذ ينبغي بحث المسألة على مقتضى القاعدة اولا ثم بحثها على مستوى الروايات الواردة في المقام، وهذا ما سنبحثه في بيع العينة عند الامامية.

ثم ان من جملة ما استدل به ابناء العامة على حرمة بيع العينة هو مارواه ابن عمر «ان النبي صلى الله عليه وآله قال: اذا ظن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا اذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله انزل الله بهم بلاءا فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم»٢.

وهذا الحديث لا دلالة فيه على تحريم العينة لانه قد قرن العينة بالاخذ باذناب البقر والاشتغال بالزرع وهو غير محرم، فالسياق لايدل على الحرمة.

ثم انهم قد ذكروا في تسمية هذا العقد بالعينة وجوها) منها ان المشتري يأخذ بدل سلعته عينا أي نقدا حاضرا، ومنها ان البائع يعود اليه عين ماله بعد ان باعه.

______________________________

(١) هذا الكلام منا كدليل على البطلان، وتوجد ادلة اخرى على البطلان كالروايات المروية عن اهل البيت (ع) في هذه الصورة يأتي الكلام عنها عند البحث في ربا الامامية.

(٢) نيل الاوطار٥/٣٢٠.

{٨٢}

٢ – بيع الوفاء:

وهو عبارة عن ان يبيع البائع العين على انه اذا ردّ على المشتري الثمن ردها له، وقد ذكر ان فيه حيلة للربا، لانتفاع المشتري بريع المبيع مدة بقائه في يده، وقد قال بعض الفقهاء بحله لحاجة التخلص من الربا.

وقد ذكر بعضهم ان هذا «من قبيل الرهن لايملكه المشتري، ولاينتفع به الا باذن مالكه وهو (المشتري) ضامن لما اكل من ثمره واتلف من شجره ويسقط الدين بهلاكه»١.

ومن العجيب حقا ان يعبر عن هذا انه من قبيل الرهن، مع التصريح بأنه بيع، فالتكلف في هذا القول واضح لمخالفته ظاهر العقد بل وصريحه، ثم مامعنى ان يذكر لفظ (المشتري) اذا قبلنا انه رهن؟!! وكذلك لاينقضي العجب من قولهم ان فيه حيلة للربا لانتفاع المشتري بريع المبيع مدة بقائه في يده، وهل ان بيعا يشترط فيه المشتري خيار الفسخ إلى مدة معينة الا من هذا القبيل؟ ولا ندري لماذا قال بعض الفقهاء بحله لحاجة التخلص من الربا؟ فأي ربا هنا حتى نتخلص منه بهذه المعاملة؟!!.

والحق ان هذه معاملة فيها شرط صحيح لم يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وهي عبارة عن بيع شيء مع اشتراط على المشتري بارجاع المبيع اذا ارجع اليه الثمن في مدة معينة او دائما٢، وهذا هو مايسمى بالبيع الخياري، أي ان الخيار في فسخ العقد موجود للبائع عند اراجع الثمن، وبهذا يتمكن المشتري

______________________________

(١) نظرية الرباا المحرم ص٢٠٥.

(٢) ذكر المشهور ان عدم ذكر مدة للشرط يحصل الشرط غرريا و الشرط اذا بطل بطل العقد، ولكن الرأي الصحيح اذا قصد الشرط لكونه غرريا فلايبطل العقد.

{٨٣}

من التصرف بالمبيع لانه ملكه ملكا متزلزلا بالعقد الذي فيه خيار للبائع.

٣ – حط ويعجل:

قد بين ابن رشد صورة هذه المعاملة فقال «يتعجل الدائن في دينه المؤجل عوضا يأخذه وان كان قيمته اقل من دينه»١.

واجاز هذه المعاملة ابن عباس، وزفر من الحنفية، ومنعها جمع منهم ابن عمر من الصحابة ومالك وابو حنيفة والثوري. وقد ذكر في سند من لم يجزها انها «شبيهة بالزيادة مع النظرة المجمع على تحريمها، ووجه شبهها بها انه جعل للزمان مقتدرا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا».

وفيما اراه ايضا ان هذه المعاملة منسجمة مع القواعد العامة في البيع بشرط لايكون الجنسان ربويين، لانها تقرر ان للاجل قسطا من الثمن، وهي قاعدة مقبولة رفعنا اليد عنها في قضية الربا حيث ان الشارع المقدس في قضية القرض وفي قضية البيع مع شروط معينة٢ لم يقبل هذه القاعدة، ولكن في غير هذين الموردين تجري هذه القاعدة على حسب مجراها، وهنا «أي في مورد التعجيل يسقط شيئا من ماله» فهو شيء مقبول، ولم يرد فيه نهي ومنع، ولولا ان النهي وارد في صورة الزيادة في مقابل الاجل لما قلنا بالمنع والبطلان. اذن لاحاجة لصحة هذه المعاملة من ايجاد رواية كما فعل المجيزون بما روي عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله لما امر با خراج بني النضير جاءه ناس منهم، فقالوا يا نبي الله انك امرت باخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله

______________________________

(١) بداية المجتهد ٢/١٩٨.

(٢) كأن يبيعه منا من الحنطة بمن ونصف نسيئة. واما اذا باعه منا من الحنطة نقدا بمن نسيئة فهنا الاجل له قسط من الثمن على القاعدة فتكون الزيادة حكمية ربوية.

{٨٤}

«ضعوا وتعجلوا» فلم يكن هذا الحديث مجوزا للمعاملة، وانما القواعد العامة هي القاضية بصحة المعاملة، وهذا شاهد على ذلك.

كما وردت صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) في الرجل يكون عليه دين إلىاجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا وضع لك بقيته، او يقول: انقدني بعضا وامد لك في الاجل فيما بقي، فقال: لا ارى به بأسا ما لم يزد على رأس ماله شيئا يقول الله عز وجل: فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولاتظلمون»١٨

ولكن لنا ان نقول ان عنوان المسألة يختلف عن الدليل الذي ساقه القوم عليها كما يختلف عن الصحيحة التي ذكرناها وذلك: لان المسألة هي في صورة وقوع معاملة الدين المؤجل بعوض، اما دليل القوم فلاينظر إلى وجود معاملة بين الدين وماينقد حالا، اذ يقول «ضعوا وتعجلوا» وهذا ليس معاملة واما هو عبارة عن وفاء المدين بعض دينه مع ابراء ذمته من الزائد وكذلك الصحيحة التي سقناها اذ تقول «انقدني من الذي لي كذا وكذا واضع لك بقيته»، وعلى هذا فمدلول الروايتين هو صحة هذه العملية حتى اذا كان مافي الذمة وما يأخذه الدائن هو من جنس واحد لانه، عبارة عن اخذ شيء من الدين قبل الاجل وابراء المدين من الباقي وهو لا بأس به قطعا.

٤) – البيع مع السلف ٢ او الصفقتان في صفقة:

وقد ذكر له عدة معاني، ومن جملة ماذكر من المعاني هو ما ذكره سماك «هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ «اي بنسيئة» بكذا وهو بنقد بكذا وكذا»

______________________________

(١) وسائل الشيعة ج١٣، باب (٢٢) من ابواب الدين ص١٢٠ حديث(١).

(٢) السلف هو القرض في لغة اهل الحجاز.

{٨٥}

وقد رويت عدة روايات تنهي عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع، وفي حديث اخر عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله من باع بيعتين في بيعة فله اوكسهما او الربا» وفي لفظ اخر نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيعتين في بيعة، وفي لفظ حديث اخر نهى النبي صلى الله عليه وآله عن صفقتين في صفقة، وعن ابن حبان موقوفا١ « الصفقة في الصفقتين ربا»، وقد روي عن عبد الله بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عتاب بن اسيد إلى مكة وقال «انههم عن شرطين في بيع وعن بيع وسلف، وعن بيع مالم يقبض وعن ربح مالم يضمن»٢.

وقد ذكرت لهذه الاحاديث – كما قلنا – معاني مختلفة، فمنها ماذكره سماك «هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسا (اي بنسيئة) بكذا وهو بنقد بكذا وكذا» وحينئذ اذا كان هذا هو معنى الاحاديث فانها تبطل المعاملة لا للربا كما هو ظاهر من اكثر الاحاديث. نعم رواية ابي هريرة التي ليست حجة عندنا – لما ذكره اصحاب الرجال فيه – ورواية ابن حبان الموقوفة التي ليست بحجة عند الجميع تذكر ان المعاملة ربوبية وباستثناء هذين الراويتين، فالنهي الذي جاء في المعاملة لم تكن فيه لفظة الربا.

ولعل بطلان هذه المعاملات من ناحية فقدانها شرطا من شروط صحة البيع وهو تعيين الثمن، فانه هنا مردد وغير معين، بالاضافة إلى ان البائع لم يقصد ثمنا معينا. هذا كله اذا أنشأ البائع البيع على هذه الصورة، واما اذا لم ينشأ البيع على هذه الصورة، وانما اتفقا على البيع النقدي بالثمن الاقل، او اتفقا على البيع النسيء بالثمن الاكثر ثم بعد ذلك أنشأ البيع مع القصد إلى ثمن

______________________________

(١) الموقوف عبارة عن اسقاط الراوي الذي بعده، ويصح ايضا اذا لم يذكر المروي عنه من هو.

(٢) هذه الروايات كلها عن كتاب نظرية الربا المحرم ص٢١٣ – ٢١٥.

{٨٦}

معين، فان البيع هنا صحيح ولاشائبة للربا اصلا، لان الثمن في مقابل المثمن وان كان الثمن اكثر من قيمة المثمن، فان هذا ليس بربا كما هو واضح.

ثم انه يمكننا ان نذكر معاني اخرى للبيع مع السلف على سبيل الاحتمال وهي:

١ – ان يبيع منه شيئا ليقرضه، او يؤجله في الثمن ليعطيه على ذلك ربحا.

٢ – ان يبيعه اما حالا او سلفا بمائة من دون تعيين احدهما.

٣ – ان اشتري سلفا، وحيئذ لايجوز لي ان ابيع المثمن الذي لم اقبضه.

ولكن المعنى الثالث ساقط اطلاقه، لان البيع على البائع جائز بالتولية وبغيرها بشرط ان لايكون ربا، اما على غير البائع فهو الذي لايجوز الا تولية، وحينئذ يكون اطلاق منع البيع غير صحيح، ويكون المعنى هو المنع من الشراء سلفا وبيعه على غير البائع قبل القبض بغير التولية.

واما المعنى الثاني فهو على خلاف لغة اهل الحجاز الذي يسمون السلف قرضا، ويكون البيع باطلا لعدم تعيين ان البيع نقدا او سلفا. واما المعنى الاول: فان كان شرطا في ضمن عقد، فيجب ان ننظر إلى هذا الشرط، فان كان مخالفا لكتاب الله او لسنة رسوله فهو حرام والا فلا بأس به لانه شرط في ضمن العقد، وليس هذا من القرض الذي جر نفعا، بل و من البيع الذي جر قرضا او نفعا وهو لابأس به. نعم لو كان اعطاء الربح على مجرد التأجيل فهو ربا او بحكم الربا كما دلت عليه روايات أتقضي ام تربي، ولكن الربح في البيع لاجل التأجيل.

اما البيعتين في بيعة: فقد ذكرت لها معاني مخالفة لما تقدم وهي:

١ – فقد فسرها الشافعي على نحوين:

أ – ان يقول بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا.

{٨٧}

ب – ان يقول بعتك هذا العبد مثلابالف على ان تبيعني او فلان (اي يبيعني فلان) الدار بكذا، او يقول: أبيعك داري هذه بكذا على ان تبيعني غلامك بكذا فاذا وجب لي غلامك وجبت لك داري١.

٢ – ان يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الاجل وطالبه بالحنطة قال بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة، لان البيع الثاني قد دخل على الاول فيرد اليه اوكسهما وهو الاول ٢.

فأما التفسير الاول للشافعي فهو المعنى الذي ذكر للبيعتين في بيعة، وقد قلنا فيه ان البيع باطل لتردد الثمن عند العقد، بل لم يحصل قصد إلى احدهم بالخصوص. ولكن التفسير الثاني للشافعي فهو لايبطل المعاملة لانه من قبيل الالتزام في الالتزام ويشمله قوله (ع) «المؤمنون عند شروطهم» او «المسلمون عند شروطهم».

واما المعنى الثاني: فهو وان كان من قبيل بيع مالم يقبض الا ان بيعه على البائع لابأس به كما تقدم، فلايصح ان يكون البيعتين في بيعة المنهي عنه معناها هو هذا، اذن يتعين ان يكون معناها هو ما ذكرناه سابقا.

تنبيهان:

الاول: ان الحرمة التي اطلقت على بيع العينة، والوفاء، وحط وتعجل، والبيع مع السلف من قبل بعض العامة، مع عدم ذكر دليل يعتد به على الحرمة، لاينسجم مع تحليل ربا الفضل بحجج مختلفة وهو الذي فيه دليل واضح على الحرمة، وليتهم قالوا بحرمة ماكان فيه دليل واضح ولم يقولوا بحرمة ماليس فيه

______________________________

– ) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج/ للرملي ٣/٤٣٣ وما بعدها. وفتح القدير ٥/٢١٨.

٢) نظرية الربا المحرم ص٢١٤ هامش (٣).

{٨٨}

دليل او مشكوك الدليلية حتى يكون قولهم منسجما مع القواعد الاصولية للاستنباط. ومن جملة من قال بحرمة العينة بلا ان يكون له دليل واضح هو ابن القيم، بينما احل ربا الفضل لانه قد حرم حسب مدعاه من باب سد الذريعة.

الثاني: وقد تعرض الامامية لهذا البحث وخلاصة ماذكر فيه هو ان الروايات في صورة بيع الشيء نقدا بكذا ونسيئة بكذا متعارضة، فبعضها تعجل هذا البيع الذي عبرت عنه الروايات «شرطين في بيع» باطلا كما في موثقة عمار ١ عن ابي عبد الله (ع) في حديث «ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث رجلا إلى اهل مكة وامره ان ينهاهم عن شرطين في بيع»، وبعض الروايات تصحح هذا البيع بأقل الثمنين إلى ابعد الاجلين كصحيحة٢ محمد بن قيس البجلي عن ابي جعفر (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) من باع سلعة فقال ان ثمنها كذا وكذا يدا بيد، وثمنها كذا وكذانظرة، فخذها بأي ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة فليس له الا اقلهما وان كانت نظرة، وفي مضمون هذه الروايات موثقة السكوني٣.

ثم انه بعد تحكم المعارضة بين الروايات، ذهب السيد المرتضى في الناصريات بواسطة الجمع بين الروايات إلى حمل الروايات الناهية على الكراهة حيث ان الروايات المجوزة تقول ان البيع مشروع «خذها». ولكن هذا الجمع لايمكن المساعدة عليه حيث ان النبي صلى الله عليه وآله ارسل إلى اهل مكة ينهاهم عن شرطين في بيع، فهذا الاهتمام من قبل النبي صلى الله عليه وآله يدل على ان النهي غير قابل للحمل على الكراهة.

وذهب بعض: إلى ان الروايات المجوزة هي في صورة كون البيع قد انشأ حالا، بان باعه بدينار كلي في الذمة، فان قال ونسيئة بكذا فمعناه امهلك سنة

______________________________

١ و٢و٣) الوسائل ١٢/ ٣٦٧ رواية (٣،١،٢) باب (٢) من ابواب احكام العقود.

{٨٩}

على ان تعطي دينارين، فتكون الزيادة في مقابل الاجل (وهو فاسد وحرام) لانه داخل في الربا حكما او موضوعا كما دلت عليه الروايات، وحينئذ الروايات المانعة تقول لايعمل هذا العمل فانه حرام، واما الروايات المجوزة فهي تقول اذا عمل هذا العمل فيثبت اقل الثمنين لابعد الاجلين (اي التمليك لاجل الزيادة باطل، اما البيع الاول الحال فهو صحيح).

وقال بعض: ان الروايات المجوزة كصحيحة محمد بن قيس وموثقة السكوني ناظرة إلى صورة تلف المبيع الذي بيع بيعين (نقدا ونسيئة) فان البيع فاسد وقد اعطى البائع إلى المشتري المبيع وقد تلف بيده، فيكون المشتري ضامنا، وحينئذ ماذا يعطي المشتري إلى البائع؟ الجواب هو: يعطي المشتري اقل الثمنين، لان الملاك في باب الضمان في القيميات هو قيمة يوم الضمان وهو الثمن الاقل ولو كان في ابعد الاجلين.

ولكن نقول: الجمعان (الثاني والثالث) لايمكن المساعدة عليهما لعدم وجود شاهد عليهما، فهما تبرعان. نعم لو كانت رواية ابي هريرة او الموقوفة المتقدمة في اول البحث معتبرة لكان شاهد جمع فيكون الجمع الثاني معتبرا، ولكن الروايتين كما ترى.

وهناك جمع. رابع: ذهب اليه السيد١ اليزدي فقال ان الروايات المانعة مطلقة لما نهي عنه ولغيره وهو ما اذا قال بعت هذا المال إلى شهر بألف والى سنة بألفين والمشتري يقول قبلت. ولكن الروايات المجوزة التي تقول يثبت البيع بأقل الثمنين مؤجلا، هي في مورد واحد وهو بعته نقدا بكذا ونسيئة بكذا.

ولكن هذا الجمع ايضا غير صحيح لعدم الفرق بين الصورتين (الى شهر

______________________________

(١) تعليقة السيد اليزدي (قده) على المكاسب ٢/١٧٧.

{٩٠}

بكذا والى سنة بكذا) (ونقدا بكذا ونسيئة بكذا) على ان الروايات التي تنهي عن شرطين في بيع يكون القدر المتيقن منها هو (النقد والنسيئة) بالاضافة إلى ان الروايات المجوزة مطلقا لما اذا باع إلى شهر بكذا والى سنة بكذا ولا جمع عرفي بينهما.

٦
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

البحث الثاني: الخروج من الربا حكما

وقد ذكر الفقهاء جملة من الموارد تكون خارجة عن حكم الربا وهي:

١ – بيع العرايا:

يقول ابن القيم «واما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو اليه الحاجة كالعرايا، فان ماحرم سدا للذريعة اخف مما حرم تحريم المقاصد، ثم يقول «أن تحريم ربا الفضل انما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدا للذريعة ابيح للمصلحة الراجحة كما ابيحت العرايا من ربا الفضل»١.

ومن الجدير بالذكر التنويه إلى ان فقهاء العامة غير متفقين تماما على حكم بيع العرايا، بل وعلى تحديد موضوعها، فقد قال مالك بالجواز «وقال الشافعي يجوز بيع العرايا وهو بيع التمر على رؤوس النخل خرصا بمثله من التمر كيلا، ويجوز فيما دون خمسة٢ اوسق قولا واحدا وفي خمسة اوسق على قولين، وفيما زاد على خمسة اوسق لايجوز، واختلف قوله فقال في الام الغني والفقير

______________________________

(١) اعلام الموقعين ٢/١٤٠ و١٤٢.

(٢) الوسق ستون صاعا، والصاع تسعة ارطال بالعراقي، فيكون خمسة اوسق تساوى الفين وسبعمائة رطل بالعراقي، وبالمعيار المعمول في هذا العصر على ما حسبوه تساوي ثمانمائة وسبعة واربعين كيلوغراما.

{٩١}

والمحتاج سواء، وقال في اختلاف الاحاديث والاملاء ولاتجوز الا للفقير وهو اختيار المزني. وقال ابو حنيفة لايجوز ذلك في القليل والكثير وهو ربا»١. واحتج له مقلدوه بماصح من طريق عمر «نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن المزابنة، المزابنة ان يباع ما في رؤوس النخل من ثمر بتمر مسمى بكيل ان زاد فلي وان نقص فعلي»٢ وغيرها.

ونحن نقول: انه لاحاجة لهم في ذلك، اذ ان المزابنة التي ذكر النهي عنها لاينكرها احد من العامة، واما الكلام في حلية العرايا التي نقلت بالتواتر عندهم، والعجب من ابي حنيفة تحريمه بيع العرية الذي جاء به نص بالجواز كما سيأتي، وتحليله مالم يرد فيه نص من بيع الجوز على رؤوس اشجاره بالجوز المجموع٣.

واما النصوص التي يستند اليها في حلية العرايا فكثيرة منها ماروي من طريق «ابن أبي شيبة عن ابن المبارك عن عثمان بن حكيم عن عطاء عن ابن عباس قال: الثمر بالتمر على رؤوس النخل مكايلة ان كان بينهما دينار او عشرة دراهم فلا بأس به، وهذا خبر صحيح»٤ «وروينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ان رسول الله صلى الله عليه وآله رخص لصاحب العرية ان يبيعها بخرصها من التمر»٥. وعن الشافعي «العرية ان يأتي أوان الرطب وهناك قوم فقراء لا مال لهم، ويريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من اقواتهم فأبيح لهم ان يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة او أوسق نقدا»٦.

ومن مجموع هذه الاقوال التي تقدمت، نشاهد عدم الاتفاق على معنى محدد

______________________________

(١) الخلاف ١/٢٠٩ طبعة طهران.

(٢) المحلى ٨/٤٥٩ طبعة بيروت.

٣،٤، ٥،٦) نفس المصدر المتقدم ٤٠ – ٤٦١ – ٤٦٤ – ٤٦٢.

{٩٢}

للعرية، بل للمزابنة عند ابناء العامة، فقد ذكر قسم منهم كما ذكرت الروايات بأن العرية هي عبارة عن بيع الرطب على النخلة بتمر منها، ولكن ذكر الشافعي معنى اخر للعرية لانعلم ما هو دليله عليه، فقد ذكر ان معناها هو شراء الرطب الذي على النخلة بتمر على الارض.

وفيما نرى ان المزابنة هي الاصل في التحريم، ومعناها ما تقدم ذكره في الروايات، واما العرية فهي الاستثناء الذي حلل وهي مخصوصة بالنخلة او النخلتين او فيما دون خمسة اوسق كما ذكرت ذلك الروايات. وبعبارة اوضح ان التعارض الذي نشأ من تحريم بيع المزابنة وتحليل بيع العرايا مرفوع بنفس الفاظ الاحاديث حيث ان النهي عن بيع المزابنة عام يشمل كل رطب على النخلة اذا بيع بالتمر اما الجواز في العرايا فهو مخصوص ببيع الرطب على النخلة او النخلتين، اذا اراد من لامال له شراءه او اذا اراد الضعيف شراءه فقد جوز الشارع له الشراء فيما دون خمسة اوسق بتمر منها، فيكون العام مرادا به غير هذه الصورة، وهذا جمع عرفي، وبهذا نعرف ان المزابنة هو بيع الثمر على النخل بتمر منها١.

ويتبين مما تقدم ان جواز التفاضل بين الرطب والتمر في بيع العرايا انما هو للنص الذي ورد عندهم كالمتواتر لا للحاجة كما قال ابن القيم، فان الحاجة اذا قال بها نص اخذنا بها والا فلا، ولسنا بحاجة إلى دليل يدل على حرمة كثير من الحاجات عند الناس. على ان الحاجة التي قيل بها غير محدودة وغير معلومة. نعم اذا كانت الحاجة بمعنى الضرورة التي تبيح اكل الميتة وشرب الدم، فانها لاتختص في العرايا، بل تسري في جميع الافعال المحرمة، ولكننا نقطع بعدم ارادة الضرورة من الحاجة هنا، اذ يمكن ان تؤدي هذه الحاجة ببيع التمر بغير التمر والرطب، ثم يشتري بالثمن رطبا. وهذا وان كانت فيه كلفة كما في كل شيء يريد الانسان تحقيقة الا انه لم

______________________________

(١) وسيأتي تفصيل ذلك في البحث عن المزابنة والعرايا عند الامامية.

{٩٣}

يصل إلى مرحلة الضرورة التي تبيح المحظور.

كما اننا الان لسنا بصدد التحقيق في علة المنع من بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر منها، والا لاثبتنا ان العلة ليست هي الربا، وانما هي اتحاد الثمن والمثمن كما سيأتي تحقيقه عند بحث الربا عند الامامية.

٢ – بيع المصوغ:

وقد ذكر العامة ان الحاجة تدعو إلى اباحة التفاضل، فيجوز بيع الصياغة المباحة كخاتم الفضة، وحلية النساء بفضة او ذهب من مثلها متفاضلا، والفضل في نظير الصياغة. ويقول ابن القيم «ان كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما ابيع من حلية النساء وغيرها، فالعاقل لايبيع هذه بوزنها من جنسها، فانه سفه واضاعة للصنعة. والشارع احكم من ان يلزم الامة بذلك، فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس عليه، فلم يبق الا ان يقال لايجوز بيعها بجنسها البتة، بل بيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة»١.

وبعد ان ذكر السنهوري كلام ابن القيم في الجواز قال «وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، واين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه. فلم يبق الا جواز بيعه كما تباع السلع... »٢.

ولاندري لماذا لم يقل ابن القيم ان العاقل لايبيع الحنطة الرديئة بالحنطة الجيدة من دون تفاضل، فانة سفه واضاعة للجودة. والشارع احكم من ان يلزم الامة بذلك، فالشريعة لا تأتي به ولاتأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس اليه...

______________________________

(١) اعلام الموقفين ٢/١٤٠ – ١٤١.

(٢) مصادر الحق ٣/٢١٢.

{٩٤}

الخ، فان منهجه الذي سلكه يلزمه ان يقول هذا ايضا، ولايحدث أي شيء زائد على مافعله هنا، اذ كل ما فعله هنا مخالفة النص الصريح. فلتكن مخالفة النص في موردين، احدهما هنا والاخر في بيع الحنطة الرديئة بالحنطة الجيدة متفاضلا.

ثم اننا لانرى توجيها لهذا المسلك من اباحة بيع المصوغ بجنسه متفاضلا الا ان يقصد من الحاجة الضرورة التي تبيح المحظور، والا كيف يفتي بالجواز مع وجود نصوص صريحة في حرمة هذه المعاملة يرويها ابناء العامة انفسهم؟! فقد اخرج مسلم وغيره القصة التي وقعت بين عبادة ومعاوية عن ابي الاشعث انه قال «غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة فكان مما غنما آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في اعطيات الناس، فتنازع الناس في ذلك، فبلغ عبادة ابن الصامت ذلك فقام فقال: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبربالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح الا سواء بسواء عينا بعين ومن زاد او ازداد فقد اربى، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: الامابال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله احاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فاعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وان كره معاوية – او قال وان رغم – ما ابالي الا اصحبه في جنده في ليلة سوداء»١ قال حماد هذا او نحوه.

وعن عطا بن بشار: ان معاوية بن ابي سفيان باع سقاية من ذهب او ورق باكثر من وزنها، فقال ابو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن مثل

______________________________

(١) تفسير القرطبي ٣/٣٤٩ – ٣٥٠ ونظرية الربا المحرم ص١٠٢.

{٩٥}

هذا الامثلا بمثل، فقال له معاوية: ما ارى بمثل هذا بأسا. فقال ابو الدرداء من يعذرني عن معاوية؟ انا اخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخبرني عن رأيه لا اساكنك بأرض كنت بها، ثم قدم ابو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية ان لاتبع ذلك الا مثلا بمثل ووزنا بوزن»١.

ومن هذه المحاورات نفهم ان النهي الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وآله مطلق شامل لمنع بيع الذهب بالذهب مع التفاضل سواء كان احدهما عمله حلالا او حراما، فلا وجه للتفصيل الذي ذكره ابن القيم ٢ بين المصوغ اذا كان حلالا فيجوز بيعه بجنسه متفاضلا وبين المصوغ اذا كان حراما فلايجوز، والا لاحتج معاوية بهذا.

ثم بالنظر إلى هذه الروايات، فان كان المقصود من الحاجة التي تبيح هذه المعاملة هي الضرورة، فلا ضرورة هنا، اذ يمكنه ان يبيع المصوغ بشيء من غير جنسه، ثم يشتري بذلك الشيء ذهبا او فضة. نعم نحن لاننكر ان يكون في هذا العمل كلفة، الا انها لاتصل إلى مرحلة الضرورة التي تبيح المحرمات.

ومع غض النظر عن هذه الروايات المصرحة بعدم الجواز، فانه يكفينا عمومات النهي عن الربا للردع عن هذه المعاملة، اذ ان الاصل في المعاملات الربوية هو الحرمة، فاذا شككنا ان هذه المعاملة الربوية هل جوزها الشارع عند الحاجة؟ فالاصل هو التحريم.

وفيما ارى ان النهج الذي سلكه ابن القيم والسنهوري مع وجود هذه الروايات واعراضهم عنها هو امتداد للنهج الذي كان موجودا سابقا عند البعض واعرضوا

______________________________

(١) جامع الاصول ١/٤٦٨.

(٢) اعلام الموقعين ٢/١٤٠.

{٩٦}

عنه، وهو النهج القائل باخضاع الاحكام الشرعية إلى عقل الانسان، فما وافق العقل اخذبه وماخالفه طرح كما فعل ذلك ابليس حيث اخضع حكم الله بالسجود لادم إلى عقله فرآه مخالفا له حيث انه خلق من نار وان ادم خلق من طين، فكيف يسجد له؟.

وهذا هو احد معاني القياس التي نودي بها كحجة على الحكم الشرعي، ولذا جاء في الرواية ان اول من قاس برأيه ابليس، وان السنة اذا قيست محق الدين، فكأن ابن القيم والسنهوري اخضعا الراويات لعقلهما فرأيا انها مخالفة للعقل فطرحاها وقالا بحلية بيع المصوغ من الذهب بالذهب متفاضلا كما تقدم. ولكن ننبه إلى ان هذا المعنى من القياس اعرضوا عنه وقالوا بالقياس المتعارف عندهم اليوم كحجة على الحكم الشرعي١.

ولعل السنهوري يقصد الاستدلال به حيث يريد قياس حاجة بيع المصوغ على حاجة بيع العرايا، وهو انما يصار اليه – على مسلكهم – في صورة عدم وجود نص في المورد، بالاضافة إلى ان القياس الذي يريد الاستدلال به غير تام، اذ ان الاصل الذي يريد ان يسري الحكم منه إلى الفرع هو مورد الكلام، اذ من قال ان بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب حتى تكون الحاجة إلى بيع المصوغ مثلها حكما؟! ولكن الظاهر من كلام السنهوري انه يريد الاستدلال بقياس الاولوية حيث يقول «واين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق الاجواز بيعه كما تباع السلع...».

وهو لايتم ايضا على مسلك من لم يعمل بالعلة الا اذا كانت منصوصة من قبل الشارع، لان اباحة بيع «الرطب بالتمر» العرايا لم تذكر علته من قبل الشارع المقدس، واما فقهاء العامة الذين يكتفون بالعلة المستنبطة فيتم القياس

______________________________

(١) للتوسع يراجع كتاب الاصول العامة للفقه المقارن ص٣٠١ – ٣٠٧.

{٩٧}

عندهم، ولذا فقد ذكروا له عللا كدفع مشقة الانتظار إلى ان يصبح الرطب تمرا، او من اجل طعام الاولاد رطبا او غير ذلك» الا ان هذه العلل لاتخرج عن كونها محتملة فلايمكن الاعتماد عليها.

وحينئذ لايمكن اجراء قياس الاولوية لعدم احراز علة التجويز في بيع المصوغ على مسلكنا. هذا بالاضافة إلى امكان بيع المصوغ باكثر من قيمته، فيحصل على ثمن الهيئة التي بذل في مقابلها عمل ولكن لابالطريقة الربوية، وانما ببيع المصوغ بالتمر، ثم يشتري بالتمر الذهب الذي اراده في مقابل المصوغ فلا يصح حصر السنهوري «فلم يبق الاجواز بيعه كما تباع السلع». هذه هي اهم الاشكالات علىكلام السنهوري وقد اعرضنا عن اشكالات اخرى كفساد بعض المقدمات في كلامه.

٣ – بيع مادخلته الصنعة بوجه عام:

وقد اجيز هذا قياسا على جواز بيع المصوغ بجنسه متفاضلا متى اقامت الحاجة إلى ذلك. وملخص كلامهم هو ان الصنعة اذا دخلت على شيء تخرجه من جنسه كما عن ابي حنيفة، وقال الشافعي لاتخرجه عن جنسه (فالصنعة لها قيمة كما يقول ابن القيم، فلاتضيع على صاحبها)١.

ويرد على هذا الكلام ماتقدم من انهم يقولون بجاوزه عند الحاجة او قياسا أي انه ربا موضوعا الا انه لايشمله حكم الربا للحاجة مثلا، بينما نرى دليل ابي حنيفة يحاول اخراج هذه المعاملة عن الربا موضوعا. واما الشافعي فهو لايخرجه عن الربا موضوعا.

واما السنهوري فهو يقول شيئا لايلزم منه الحكم بالحلية والجواز، اذ يقول

______________________________

(١) مصادر الحق/ السنهوري٣/٢١٥.

{٩٨}

«ان الصنعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها» وهذا لايلزم منه الكم بحلية مادخلته الصنعة بجنسه متفاضلا، اذ يمكن قبول كلام السنهوري مع تحريم هذه المعاملة للنصوص الشرعية، وحينئذ نبيع ما دخلته الصنعة بغير جنسه، ثم نشتري بهذا الجنس الجديد مقدار الجنس الذي كنا نريده في مقابل الجنس الذي دخلته الصنعة، وبهذا نكون قد عملنا بالنصوص وبقولنا ان الصنعة لها قيمة فلاتفوت على صاحبها. هذا بالاضافة إلى عدم قبولنا الحكم في الاصل (وهو جواز بيع المصوغ) فعدم قبولنا له في الفرع بالاولوية.

٤ – بيع الدراهم والدنانير المسكوكة:

قال بعضهم ما ملخصه، انه يجوز ان يشتري التاجر الدراهم والدنانير المسكوكة بالورق مع التفاضل، والفاضل اجرة السكة، ولايكلف الانتظار إلى ان يسك له ورقة فيفوته السوق، وهذه حاجة قد قامت تبرر التفاضل في بيع الدراهم المسكوكة حتى لاتفوت مصلحة راجحة. وهذا ايضا كسابقيه، بالاضافة إلى ان النهي الوارد عن بيع الذهب بالذهب وعن الفضة بالفضة مطلق يشمل هذه المعاملة، خصوصا مع ادعاء العامة بانه ربا اجيز عند الحاجة، بخلا ما اذا قلنا انه خارج عن الربا موضوعا، فلا تشمله روايات النهي.

الخاتمة:

وبعد ان تكلمنا عن الربا عند العامة بفصوله الاربعة المتقدمة، ورأينا وجود تيار يحاول تحليل الربا، وتخصيصه حرمته بالربا الجاهلي فقط، كما رأينا ما يروى عن عمر «ان آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وان النبي صلى الله عليه وآله قبض قبل أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة» (لقد خفت ان نكون قد زدنا

{٩٩}

في الربا عشرة اضعافه بمخافته) او يقول «تركنا تسعة اعشار الحلال مخافة الربا»١.

ولاادري كيف يترك الرسول صلى الله عليه وآله امته في حيرة من امرها بالنسبة إلى احكام الله تعالى، ولم يبين لها حكم الربا؟! فان هذا امر لايستقيم لمثل الرسول صلى الله عليه وآله الا ان يكون قد عهد لفرد من افراد الامة بموجب نص الهي يبين الاحكام التي بقيت من دون بيان كما يقول عمر «وددت لو ان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد الينا فيهن عهدا ينتهي اليه، الجد والكلالة وابواب من الربا» وان لم يكن قد عهد«وهو المعصوم» فلايمكن ان يترك الربا من دون بيان احكامه كاملة. وبما ان الرسول صلى الله عليه وآله قد مات ولم يبين لنا احكام الربا وكذلك الجد والكلالة كما يقول عمر فلابد من عهد عهده صلى الله عليه وآله إلى فرد منصوص عليه من السماء لانه صلى الله عليه وآله «لاينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى». وهذا دليل اخر نضيفه إلى الادلة الكثيرة على النص الالهي للخلافة اذا قبلنا كلام عمر.

واذا لم نرتض هذا القول فمعنى ذلك ان الرسول صلى الله عليه وآله قد ترك امته من دون بيان لبعض احكامها، وهذا لايمكن ان ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله «الذي اكمل الدين ورضي الاسلام دينا للبشرية» فضلا عن صدوره منه. ولو قدمنا ما قدمه الله بالنص، واخرنا ما أخره الله لما اصبحنا كما يقول عمر «انا والله لاندري لعلنا نأمركم بامور لاتصلح لكم، ولعلنا ننهاكم عن امور تصلح لكم».

هذا، ولكن القول بأن اخر ما نزل من القرآن هو آية الربا، غير صحيح كما ذكر ذلك ابن ابي كعب وسعيد بن جبير والحسن وقتادة بأن آخر آية نزلت من القرآن ولم ينزل بعدها شيء هي آية (فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو

______________________________

(١) المحلى ٨/٤٧٧.

{١٠٠}

عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)١.

ثم اننا والعامة الذين يدعون رحيل النبي صلى الله عليه وآله من دون بيان احكام الربا كاملة، لابد لنا – طلبا للحق – ان نرجع إلى من يدعي بأن الرسول صلى الله عليه وآله قد عهد بالنص إلى من يخلفه لنرى تحديد الربا وحكمه عندهم، فان كان دليلهم يمكن الاعتماد عليه اخذنا به، والاّ فلا يمكننا الرجوع اليه ايضا.

والى هنا انتهى الحديث عن الربا عند العامة، وسوف نبحث الربا عند الامامية ان شاء الله تعالى.

______________________________

(١) التبيان/للشيخ الطوسي١/٨٦٩.

الباب الثاني : الربا عند الإمامية

وسوف نتكلم في هذا الباب عن فصول أربعة مع مقدمة تمهيدية، وهي:

الفصل الاول: يشتمل على الربا في المعاوضات، ونتعرض فيه الى الصرف بما يتصل بالمقام.

الفصل الثاني: نتكلم فيه عن الربا في القرض.

الفصل الثالث: نتكلم فيه عن الخروج الموضوعي والحكمي للربا.

الفصل الرابع: نتكلم فيه عن مسائل متفرقة مرتبطة بالبحث.

تمهيد

ولابأس لنا بذكر مقدمة تمهيدية قبل الدخول في بحث الربا المعاوضي والقرضي، لنكون على بينة من بعض الامور، وهي:

١) ان الآيات القرآنية التي تقدم ذكرها «في الفصل الاول من الربا عند العامة» هي تعتبر كقانون عام عرضه الشارع حول نظرته عن الربا: فبين تحريمه وقبحه، وهدد مرتكبيه باشد التهديد والوعيد، اذن كل ما صدق عليه عنوان الربا فهو حرام على نحو القضية الحقيقية. نعم تعرضت السنة النبوية والولوية للتوسع تارة وللتضييق اخرى، وحينئذ يكون المراد الجدي من الربا شاملا لما تكفلت السنة ببيانه، وتوضيح ذلك: ان الآيات القرآنية مطلقة في تحريم الربا١

______________________________

(١) قد يقال ان المراد من «أحل الله البيع وحرم الربا» هو الحلية الوضعية والحرمة التي هي حرمة تملك الزيادة التي هي ربا، فهي ناظرة الى ان تملك الزيادة فاسد كما في قوله تعالى (لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل).

واما الحرمة التكليفية لانشاء المعاملة الربوية فهي مستفادة من قوله تعالى (وذروا ما بقي من الربا ان

كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)اذ الاذن بالمحاربة مع الله والرسول يدل على ان غير المتجنب من الربا قد فعل فعلا حراما اوجب الاذن بالمحاربة، لافقط فساد تملك الزيادة. ولكن يرد عليه: اولا ان ظاهر التحريم هو التكليفي كما في قوله تعالى (قل لا اجد فيما اوحى الى محرما على طاعة يطعمه.. )، فان اسناد التحريم الى الفعل ظاهر في التكليف، نعم نسبة الحرمة الى الاعيان قيل انها مجملة كـ«حرمت عليكم امهاتكم».

واما قوله «لاتأكلوا» فهي ايضا تكليف وان كان يلزم منه الوضع والفساد ايضا، وعلى تقديم التسليم فلايقاس «لاتأكلوا» الذي هو نهي على مادة التحريم. وثانيا: لو كان «حرم الربا» ظاهرا في الفساد فمن اين اثبت ان الفساد في الزيادة لا في الاصل؟ بل ان هذا يتوقف على البحث في هذه الجهة. وثالثا: اذا الغينا ظهور «حرم الربا» في التكليف يلزم الا نأخذ بدلالة «ذروا» لانه محتمل الكراهة، والمحاربة ايضا لاتدل علىالحرمة الا بالاطلاق لقوله «فان لم تفلعوا» الشامل للمستحل ولغيره، ومع الاغماض عن الاطلاق لادافع لاحتمال أن يكون الربا محاربة مع قيد الاستحلال لا نفس العمل وحده. وعلى كل حال: فان الحرمة المستفادة من الآية القرآنية، وبقية الآيات مطلقة تشمل حتى انشاء المعاملة الربوية.

واما الروايات التي وردت في لعن آكل الربا وفاعله وكاتبه ومنشئه تدل على حرمة الانشاء للمعاملة ايضا.

{١٠٣}

ونحن نأخذ باطلاقها وان كان مورد نزولها خاصا، لان المورد لايخصص الوارد، فهي تشمل كل ما كان ربا بالمعنى اللغوي، وتشمل ايضا ماحكم الشارع بأنه ربا فيكون حراما، وبذلك يكون الربا شاملا لما بينته السنة باعتبار انها تحقق العنوان فينطبق الحكم عليه قهرا.

ولانرى حاجة لان نسلك ماسلكه ابناء العامة من البحث عن الربا في القرآن والبحث عن الربا في السنة منفصلا كلا على حدة، مادام الامامية يعتبرون القرآن

{١٠٤}

والسنة كلاهما مصدرا للتشريع، والفقيه يبحث عن الحكم الشرعي١ سواء كان مصدر تشريعه القرآن او السنة.

٢) قد ذكرت جملة من الروايات ان الربا من الكبائر٢ وحرمتها واضحة ضرورية، فاذا ضممنا الى آية الربا القائلة (وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)٣ الآية القائلة (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم)٤ ينتظم لنا دليل منطقي يحكم بقتل آكل الربا في الجملة في بعض الاحوال، هذا بالاضافة الى الروايات الصريحة في الباب، ويمكن وضع الدليل المنطقي المستخرج من الايتين بهذا الشكل:

فان لم تذراو ما بقي من الربا فأذنوا بحرب من الله ورسوله.

الذين يحاربون الله ورسوله ... ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم ... الخ فالنتيجة هي: فان لم تذراو ما بقي من الربا فأذنوا بالقتل او الصلب او تقطيع الايدي والارجل. وهذا الاستدلال المنطقي انما يكون صحيحا لو قلنا ان الاذن بمحارب الله والرسول هي نفس محاربة الله والرسول، ولم نقل بخصوصية شهر السلاح لاخافة الناس والسعي في الارض فسادا في آية (الذين يحاربون

______________________________

(١) ويبحث ايضا عن بعض الموضوعات المستنبطة كالصعيد والكنز والمفازة والوطن وماشابه ذلك.

(٢) وسائل الشيعة ج١١ حديث١و٢ من باب ٤٦ من ابواب جهاد النفس ص٢٥٢.

(٣) سورة البقرة: ٢٧٨ و٢٧٩.

(٤) سورة المائدة: ٣٣.

{١٠٥}

الله ورسوله) وفي كلا الامرين توقف، اذن يبقى عندنا الروايات التي تدل على قتل آكل الربا وسوف يأتي البحث في دلالتها على ذلك.

٣) انما يؤخذ بالروايات الواردة عن اهل البيت عليهم السلام اذا كان سندها معتبرا وصحيحا وهي انما تكون حجة عند الامامية لما يرونه من عصمة الائمة (ع) كالنبي صلى الله عليه وآله مع فرق بينهما من ناحية نزول الوحي على النبي دون الامام. واما من لم يعتقد عصمتهم من ابناء العامة، فأيضا يلزمهم الاخذ بها اذا كان رجال السند ثقات، حيث ثبت عن الائمة(ع) قولهم ان ما نقوله هو عن آبائنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرائيل عن الله عز وجل، فاذا صحت هذه الروايات فيجب الاخذ بأقوالهم.

ونحن اختصارا عن ذكر كل سند الرواية الى الامام (ع) نذكر الراوي عن الامام فقط ورأينا في الرواية، ونذكر المصدر الذي نقلنا عنه الرواية، فمن اراد ان يعرف ويحقق السند من مجتهدي ابناء العامة او غيرهم فما عليهم الا الرجوع الى المصدر لمعرفة رجال السند١.

٤) ثم ان هذه الروايات اكدت القانون العام الذي ذكره القرآن الكريم، وهي على طوائف قد وردت من الجانبين: منها ما عمل عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: درهم ربا اعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات

______________________________

(١) ننبه الى ان اكثر الروايات الموجودة في المصادر التي نذكرها لم يذكر فيها جميع سلسله السند، وانما تروى الرواية من قبل الشيخ الطوسي عن شخص، ولكن بينهما اشخاصا ذكرهم في كتاب آخر، فينبغي لمن اراد ان يعرف صحة السند من البحث عن الاشخاص الذين هم بين الراوي الاول كالشيخ الطوسي والكليني والصدوق مثلا وبين الرجال الموجودين في كتاب الوسائل مثلا.

{١٠٦}

محرم في بيت الله الحرم١. ولاحاجة لعرضها اذ هي متواترة معنى على الاقل٢.

ومع هذا قد يدعى ان التهديد قد جاء على سبيل المبالغة والمجاز، ويستدل له بعدم تشريع الحد على المرابي والرابي، بينما شرع الحد على الزاني والزانية في الشريعة، وباختلاف الروايات في بيان اشديته من الزنا.

ولكن يمكن ان يجاب: بأن الروايات تدل على ثبوت قتل آكل الربا في الجملة في بعض الاحوال (كما اذا كان مستحلا له على تفصيل يأتي ان شاء الله تعالى) وقد افتى بذلك من القدماء الشيخ المفيد وابن ادريس ومن المتأخرين جمع كثير من العلماء كما سيأتي. اذن لم يثبت ان الربا بجميع اقسامه ليس عليه حد، ولكن يمكن القول بأن قتل آكل الربا هو لاستحلاله، أي لانكاره ضرورة من ضرورات الاسلام ولا ربط له بالتحريم والاشدية، وحينئذ يكون الحد لا لاكل الربا وانما لانكاره الضروري.

نعم لم يدل على وجود ملازمة بين اشدية الجرم وبين تشريع حد عليه، بل لعل العكس هو الصحيح في بعض الموارد كما هو الظاهر من الآية القرآنية الكريمة (يا ايها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وانتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة او كفارة طعام مساكين او عدل ذلك صياما ليذوق وبال امره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم والله منه الله عزيز ذو انتقام)٣ فهي متكفلة لثبوت الكفارة.

وبما ان الكفارة والحد جزاء على المكلف لردعه عن المخالفة فلايفرق الامر من هذه الناحية، ولذا نجد كثيرا من الاحكام المتفق على اشديتها لم يشرع

______________________________

(١،٢) وسائل الشيعةج١٢/ باب (١و٢) من ابواب الربا، حديث١: ص٤٢٢ – ٤٢٨.

(٣) سورة المائدة: ٩٥.

{١٠٧}

الحد عليها (كترك الصلاة) ومعنى هذا ان الحد على شيء يعني ان الجرم قابل للتخفيف بالحد او بالكفارة، وما لم يذكر له حد او كفارة، فمعناه انه جرم غير قابل للتخفيف. وليس هذا الكلام قاعدة عامة وانما المقصود منه عدم وجود ملازمة بين اشدية الذنب ووضع كفارة او حد عليه، على ان العقوبة قد تكون على اساس نكات موضوعية اجتماعية.

واما اختلاف الروايات فهو طبيعي باعتبار اختلاف اقسام الربا واشخاصه وازمانه والاصرار عليه، واستحلاله وعدمه، وما الى ذلك من خصوصيات كثيرة تجعل الربا يختلف عقابه باختلافها.

٥) ثم ان الاجماع قد انعقد علىحرمة الربا في الجملة، وقد حكى الشيخ الطوسي اجماع المؤمنين، بل المسلمين على الحرمة. نعم خالف بعض الصحابة في بعض اقسامه، منهم ابن عباس، ولكنهم رجعوا عن قولهم «لا ربا الا في النسيئة» – كما تقدم – ومنهم معاوية الذي لايعتنى بقوله وروايته، فقد كان يقول ان التحريم عن النبي صلى الله عليه وآله في الدينار المضروب والدرهم المضروب لافي التبر من الذهب والفضة ولا في المصوغ بالمضروب.

وعلى هذا فيمكن ان يدعى الاجماع من جميع الامة الاسلامية على الحرمة في الجملة، اذ هي معلومة عند جميع المسلمين كمعلومية وجوب الصلاة والصيام بل عند غير المسلمين ايضا، وحينئذ ليس من الجزاف اعتبار حرمة الربا من الضروريات التي يكون لمنكرها الكفر والقتل كما صرحت بذلك الروايات.

٦) ثم لايخفى ان التحريم الوارد في الربا ارشاد الى بطلان المعاملة ايضا، والوجه في ذلك قوله تعالى (احل الله البيع وحرم الرب)فانه يرشدنا الى بطلان المعاملة المستفاد من مقابلته لصحة البيع، اذ ان احل الله البيع معناه تجويزه

{١٠٨}

تكليفا ووضعا١، فالحرمة التي تكون في مقابله معناها منعه تكليفا ووضعا، وهذا هو المستظهر عرفا من المقابلة في الاية الكريمة. ثم ان الاخبار الكثيرة الواردة في ان الربا اعظم من الزنا وان الاخذ للربا والمعطي والشهود كلهم في النار تدل على الحرمة التكليفية ايضا. وقد ذكر الشيخ الانصاري (قده) ان الربا هو الجامع بين أكل المال بالباطل وبين ارتكاب الموبقة، وهذا هو المستفاد من الروايات كما تقدم.

٧
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

هل المعاملة الربوية فاسدة مطلقا او يفسد منها خصوص الزيادة؟

وبعد ان قلنا ان المعاملة الربوية محرمة وباطلة، ولكن هل البطلان للمعاملة كلها او لخصوص الزيادة؟ وانما يأتي هذا التساؤل لان الحرمة للمعاملة لاتستبطن ابطالها، وحينئذ البطلان الذي استفدناه من مقابلة الحرمة للحل ما هو حده؟.

وللجواب على هذا التساؤل يجب علينا النظر الى الروايات التي تقول «لعن الله بائعه ومشتريه» او الى الرواية التي يسأل فيها الامام عليه السلام عن معاملة ليست بربوية فيقول لا بأس، ومعناه وجود البأس في المعاملة الربوية. ومن هذه النصوص يفهم العرف ان اصل المعاملة باطلة حيث ان البأس او اللعن قد توجه الى نفس المعاملة.

ويرد على هذا ان لعن البائع لايدل على كون المحرم هو البيع، وكذلك البأس فانه من غير الواضح انه راجع الى نفس المعاملة، اذن لابدلنا من التحقيق في معرفة معنى الربا الذي توجه البأس له لنرى ما هو معناه؟ والجواب: عند استعراض الايات القرآنية والروايات الواردة في الباب يعلم ان المراد من الربا

______________________________

(١) حتى لو جعلنا الحكم الوضعي منتزعا عن الحكم التكليفي، فيدل على التكليف ثم الوضع.

{١٠٩}

المحرم هو معناه اللغوي الذي هو مطلق الزيادة المأخوذة بلا مقابل ضمن شروط وقيود خاصة في المعاملة وفي القرض، ورواية الصدوق١ باسناده عن محمد ابن سنان ان علي بن موسى الرضا (ع) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله «... لان الانسان اذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الاخر باطلا، فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال...» تدل على ان مراد الشارع من حرمة الربا حرمة الزيادة.

وبعد ان عرفنا ذلك فان الزيادة مرة تدخل المعاملة على نحو الجزء ومرة تدخلها على نحو الشرط.

فعلى الاول: كما اذا باع منا من الحنطة بمنين منها، فالزيادة هنا ليست متميزة عن رأس المال حيث ان كل حبة مقابل حبتين فتبطل المعاملة من اساسها. بل يمكن استناد الفساد – كما عن الجواهر – الى قاعدة تبعية العقود للقصود، ضرورة ان البائع والمشتري انما بذل المثل في مقابلة المثلين، فان لم يتم له بطل العقد، وليس هذا كبيع الشاة والخنزير التي يبطل من الثمن ماقابله، فيبقى الاخر بما قابله منه، لان البطلان في الزيادة هنا بلا مقابل (اي وصف الجودة وغيرها لايقابل عرفا بالمال١، وانما يوجب زيادةفي القيمة) وهو امر غير مقصود للمتعاملين، فلو صح العقد وقع ما لم يقصد وما قصد لم يقع كما هو واضح٢.

وعلى الثاني: وهو ما اذا كانت الزيادة بنحو الشرط، فيمكننا ان نقول بفساد المعاملة ايضا اذا كان يتحقق منه عنوان الزيادة في الربويين فيكون حاله حال الجزء، ولذلك فأن اشتراط الاجل في احد المتماثلين ربا. وبعبارة اخرى: ان الشرط الفاسد اذا كان وجوده مخلا لشرائط صحة المعاملة فهو فاسد ويفسد العقد ايضا

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ رواية (١١) ص٤٢٥.

(٢) جواهر الكلام ٢٣/٣٣٥.

{١١٠}

بلا خلاف لعدم شموله باطلاقات صحة البيع، واما اذا كان دخوله غير مخل بشرائط الصحة فهو يفسد فقط وتشمل العقد اطلاقات صحته١.

ومن نافلة القول بأن كل الشروط التي نشترطها (غير مامثلنا به الذي لايخل بشرائط الصحة) في الربا يخل بشرائط الصحة حيث ان صحة المعاملة هو التماثل ولايحصل بالشرط، اذن تكون اصل المعاملة باطلة٢.

ولايمكننا الالتزام بان المثل في مقابلة المثل والشرط الزائد يبطل فقط، وذلك لان الشرط الزائد اذا كان وجوده مخلا بشرائط الصحة للمعاملة – كما هو الفرض – فعدم الصحة متوجه الى كل المعاملة، بالاضافة الى ان البأس انما توجه الى المعاملة الربوية وهي مباينة لمعاملة المثل بالمثل بحيث اذا وجدت الاولى لم توجد الثانية، وكذلك اذا وجدت الثانية لم توجد الاولى، اذ بوجود معاملة المثل بالمثلين يأتي عنوان الحرمة، لا انه شيء اجتمع فيه المحلل والمحرم.

واما آية (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم) فبالاضافة الى اختصاصها بصورة الجهل فهي منزلة على التقاص حيث ان مقابله عند الطرف الاخر، فهي لاتدل على الصحة. ودعوى ان المثل في مقابلة المثل والزيادة تكون في مقابلة الجودة او الوصف او الاجل، مدفوعة بعدم تقابل الاوصاف بالاعواض، بل الاوصاف هي

______________________________

(١) مثلا اذا باعه شيئا بشرط ان يخيط له ثوبا غير معين والمدة غير معينة، فهذا شرط فاسد الا ان اصل العقد غير منهى عنه، فتشمله اطلاقات صحة البيع، واما اذا باعه شيئا معينا بشرط الا يسلمه المبيع الى مدة غير معينة فهذا يوجد غررا في البيع فيكون باطلا فلا تشمله اطلاقات صحة البيع.

(٢) نعم هناك خلاف بين الفقهاء في ان الشرط الفاسد هل يفسد المعاملة ام لا؟ وهذا الخلاف هو في غير صورة ما اذاكان الشرط الفاسد قد ازال ركنا من اركان صحة المعاملة وان كان الصحيح ايضا في هذا الخلاف هو عدم سريان الفساد الى اصل المعاملة.

{١١١}

سبب الزيادة، فتكون كل حبة من الحنطة مقابلة بحبتين، فتبطل كل المعاملة. وخلاصة الكلام ان الادلة هنا تنهى وتضع البأس في المعاملة الربوية، فتكون اصل المعاملة باطلة، واذا قلنا ان الزيادة ترجع لصاحبها فقط فليس من باب ان المعاملة صحيحة والزيادة باطلة، بل من باب المقاصة في المثل.

وقد ذهب بعض اساتذتنا الى ان المعاوضة الربوية حرام، ولكنها في بعض الموارد محكومة بالفساد وهي الموارد التي فيها زيادة مالية، بخلاف الموارد التي فيها الزيادة عبارة عن شرط العمل، فالشرط يكون باطلا ولكن المعاملة صحيحة. ودليل ذلك هو: ان من شرائط صحة المعاملة في العوضين اللذين من جنس واحد هو المماثلة، ودليله هو الروايات، فمنها صحيحة عبد الرحمن ابن ابي عبد الله٢ قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: لايجوز الا مثل بمثل. ثم قال ان الشعير من الحنطة» اذن بيع من من الحنطة بمن ونصف٢ ليس انشاؤه مثلا بمثل – والذي امضاه الشارع هو المثل بالمثل – فتكون المعاملة فاسدة.

وما بيع من من الحنطة بمن بشرط خياطة الثوب، فهنا العمل المشروط في باب المعاملات ليس كالعمل المشروط في باب الاجارة، اذ الاجارة على العمل اذا وقعت فالمؤجر يملك العمل في ذمة الاجير، واما العمل المشروط في باب المعاملات فهو ليس تمليكا للعمل وانما هو التزام المشروط عليه بالعمل، ولهذا فيكون التمليك في المثال المتقدم هو بين المتماثلين، غاية الامر احدهما ملتزم بالخياطة فهو زيادة فيكون داخلا تحت عنوان الربا فيكون حراما انشاؤه

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ رواية (٢) ص٤٣٨.

(٢) وكذلك بيع من من الحنطة بمن وحق السرقفلية.

{١١٢}

وفاسدا شرط. ولكن فساد الشرط لايسري الى فساد المشروط، لتحقق شرط البيع في المتجانسين وهو المماثلة٢.

ونحن بامكاننا ان نقول: لماذا حكم ببطلان المعاملة فيما اذا باع منا من الحنطة بمن بشرط ان يدفع احدهما كيلوين منها، اذ بناء على ما تقدم يكون الشرط فاسدا وهو لايفسد العقد.

وقد يجاب: بان الفهم العرفي الارتكازي في الشرط اذا كان مالا، هو عدم المماثلة في المعاملة.، وحينئذ هنا نقول ان مناسبة الحكم وهو الربا والموضوع وهو عدم التماثل تقتضي توسيع الموضوع وهو عدم المماثلة لماذا اذا كان الشرط عملا وان كان الدليل الدال على الحرمة هو لايشمل الزيادة العملية، فتكون المعاملة باطلة.

اللهم الا ان يقال: ان العرف والمرتكز العرفي يفرق بين الشرط بزيادة كيلوين والشرط اذا كان عملا فيرى عدم التماثل في الاول دون الثاني.

_____________________________

(١) هذا التفصيل للشيخ الاستاذ آية الله الميرزا جواد التبريزي تعرض له في بحثه مستطردا.

وجه لعدم فساد المعاملة الربوية المعاوضية

قد يقال ٢: ان مبغوض الشارع اذا كن مسببا عن المعاملة مثل بيع السلاح لاعداء الدين في حرب المسلمين، فحينئذلاتكون المبغوضية في الانشاء وانما في ملكية السلاح لاعداء الدين باي طريق كان كالهبة او المصالحة. واما اذا كان النهي عن المعاملة بالمعنى المسببي غير مبغوض للشارع، فالنهي لايوجب فساد المعاملة كما التزم به الشيخ النائيني (قده) في الاصول، وحينئذ نقول: ان

______________________________

(٢) ذكر هذا الاستدلال الشيخ الوحيد الخراساني في بحثه الاصولي مستطردا.

{١١٣}

النهي الذي توجه الى بيع عشرة كيلوات من الحنطة بتسعة منها لايجعل المبغوض ملكية المشتري للعشرة بأي طريق كان، اذ لو وهبه عشرة كيلوات لم يكن هذا مبغوضا، وحينئذ نستكشف ان المبغوض هو ملكية المشتري العشرة بالتسعة بالبيع فيكون النهي غير مقتضي للفساد لان المسبب غير مبغوض.

ولا ارى حاجة للرد على هذا الاستدلال بعد البيان المتقدم خصوصا اذا التفتنا الى ان ادلة صحة المعاملة في الربويات مشروطة بالتساوي في القدر، وهو غير موجود هنا فلايكون هذا مشمولا لادلة صحة البيع فيكون باطلا١.

هذا كله بالنسبة للربا في المعاملة.

واما الربا في القرض:

فقد يقال بحرمة اصل القرض ايضا. وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله «كل قرض يجر منفعة فهو حرام» «كل قرض يجر منفعة فهو فاسد» اذ الحرمة والفساد لاصل القرض ولكن هاتين الروايتين نقلهما العامة عن علي(ع) ولكن قالوا بان السند ساقط وسوار الذي روى الرواية متروك الحديث. وقد نقلهما الامامية عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يرويا من طرقنا، بل يظهر من بعض الاخبار ردهما اذ يسأل الامام (ع) «ان من عندنا يروون كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، قال (ع) او ليس خير القرض ماجر نفعا؟»٢.

نعم الروايات التي وردت عن الامامية التي تقول بجواز اخذ الزيادة في القرض مالم يكن شرطا وامثالها٣، نفهم منها ان الزيادة اذا كانت في عقد

______________________________

(١) ولا نرى حاجة للتعرض هنا لرد مبنى الاستدلال لان البحث فقهي.

(٢) الوسائل١٣/باب (١٩) من ابواب الدين القرض/حديث(٤) ص١٠٣.

(٣) نفس المصدر/ حديث(٣).

{١١٤}

القرض بواسطة الشرط في العقد فهو الذي فيه بأس، وحينئذ نرجع الى كلامنا السابق لنرى ان الشرط في هذا العقد هل يخل بشرائط الصحة ام لا؟ فنقول: ان الشرط للزيادة في عقد القرض هو شرط فاسد للنهي عنه الا انه لايخل بشرائط العقد، ولذا لايفسد العقد القرضي.

وتوضيح ذلك: ان القرض هو تمليك مال على وجه الضمان، والضمان في القرض عبارة عن انتقال نفس العين الى العهدة بالغاء خصوصياتها الشخصية، ولذا لايحتاج في القرض الى تعيين عوض، لانه ليس الا تمليكا مع التضمين لما ملكه، اذن ليس في القرض اعتبار المبادلة بين المالين كما في البيع، ولذا فان شرائط صحة القرض متوفرة حتى مع وجود الشرط الفاسد، فان الغي الشرط الفاسد يبقى العقد صحيحا، ولهذا فرقنا بين بطلان المعاملة الربوية وصحتها في القرض مع بطلان الشرط فقط.

ومما يمكن ان يكون دليلا على صحة العقد القرضي مع بطلان الشرط للزيادة فقط هو ما رواه الصدوق١ باسناده عن ابان عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام في الرجل يكون عليه دين الى اجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا واضع لك بقيته او يقول انقدني بعضا وأمد لك في الاجل فيما بقي، فقال: لاارى به بأسا مالم يزد على رأس ماله شيئا يقول الله عزوجل (فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولاتظلمون). فالامام يقول لا أرى به بأسا مالم يزد على رأس ماله شيئا، فكأن، الزيادة على رأس المال هي التي فيها بأس، فيكون القرض الذي هو تمليك في مقابل الضمان على حاله.

______________________________

(١) الوسائل ج١٣/باب(٣٢) من أبواب الدين ص١٢٠. والظاهر ان ابان هنا هو أبان بن عثمان لان ابان بن عثمان يروى عن محمد بن مسلك كما في جامع الرواة فتكون الرواية معتبرة (صحيحة).

{١١٥}

٧) اسقاط حقوق المرابي:

قد ذكرت الروايات ايضا اسقاط الحقوق التي منحت لكل فرد عن المرابي فحرمته من تولي المناصب القضائية ومنصب الافتاء والامامة والشهادة، وكذلك اسقاط حقوق المعاونين للمرابي من الآخذ والكاتب والشاهدين بالاضافة الى لعنهم، وذلك لما رواه محمد بن علي بن الحسين عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي اوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا اولربا وعقوق الوالدين، والفرارمن الزحف وغير ذلك...»١.

وهذه الصحيحة عامة لكل من لاتكون عنده عدالة، ومن جملتهم المرابي، وحينئذ من كل شيء من الحقوق التي يعتبر فيها العدالة، من شهادة او امامة او منصب افتاء وقضاء وكذلك المعاون للمرابي والشاهد والآخذ والمعطي حيث شملهم اللعن٢ وانهم مع المرابي سواء في الوزر، فهم فساق يحرمون من هذه الحقوق.

تنبيه: ان هذه الادلة المتقدمة انما ذكرناها – كما تقدم – لبيان حرمة الربا كقانون عام عرضته الشريعة الاسلامية عن الربا وفساد المعاملة الربوية المعاوضية، فهي تكون حجة للكل قسم من اقسام الربا التي نعرضها فيما بعد التي هي ربا حقيقة او ربا بحكم الشارع كما في ربا المعاوضة كما سيأتي. ويفيدنا هذا القانون العام كعموم فوقاني نرجع اليه عند العلم بأن الموضوع ربوي،

______________________________

(١) الوسائل ج١٨/ باب(٤١) من ابواب الشهادات حديث(١) ص٢٨٨.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب (٤) من ابواب الربا ص٤٢٩ – ٤٣٠.

{١١٦}

ولكن نشك في استثنائه من الحرمة لدليل قاصر، فهو يكون مرجعنا عند الشك في هذه الصورة.

كما اننا نرجح ذكر عام آخر اكبر من هذا العام مثل «اوفوا بالعقود» او غيره من عمومات الحل، ونجعله عموما فوقانيا نرجع اليه عند الشك في اندراج موضوع تحت تحديدات الربا التي ذكرتها السنة اذا كانت الشبهة مفهومية لامصداقية.

وانما جعلنا القانون العام هو عموم حرمة الربا لنرجع اليه عند الشك في استثناء فرد من الحرمة لان العمومات القرآنية التي تقدمت وكذلك الروايات تحرم موضوعا واحدا وهو الربا، وهو عبارة عن مطلق الزيادة المأخوذة بلا مقابل شرعا او حقيقة سواء كانت في البيع او في القرض، وهذا بخلاف البيع الذي فيه اخذ الزيادة الا ان العرف يرى ان هذه الزيادة لها مقابل.

نعم العرف يرى ان الزيادة قد تكون في مقابل الوصف او الجودة، ولكن الشارع لايرى مقابلتها بالمال، وقد يرى العرف ان الزيادة في مقابل الاجل، ولكن الشارع منع ذلك. والخلاصة. ان الموضوع المحرم في الايات والروايات هو الزيادة بلا مقابل شرعا في البيع والقرض، لهذا سوف نتكلم عن البيع في فصل كما نتكلم عن القرض في فصل آخر مستقل لمعرفة التفصيلات التي ذكرها الشارع في البيع وفي القرض اضافة الى العنوان المشترك بينهما المشمول لادلة التحريم.

الفصل الاول : ربا المعاوضة

ونتكلم في ان الربا يثبت في مطلق المعاوضات والمبادلة بين المالين حتى

{١١٧}

الصلح، كما نتعرض للقول بثبوت الربا في الهبة المعوضة وعدم ثبوته كما في الوفاء والغرامة والقسمة، ثم نتعرض للاركان الثلاثة التي لابد منها لتحقق الربا ونحقق الحال فيها مفصلا، ثم نتعرض الى بيع الصرف بما يتصل بالمقام مع ذكر شروطه وجملة مايتعلق ببيع الذهب والفضة من مسائل.

ونحن نطلق على هذا الربا عنوان الربا المجازي، حيث ان بيع الحنطة الجيدة بالحنطة الرديئة مع التفاضل شيء عقلائي، الا ان الشارع وسع موضوع الربا الى هذه المعاملات فأصبحت موضوعا للحرمة. ولابد لنا من استعراض الروايات الواردة في الباب لتحديد الربا في المعاوضات. والروايات على طوائف:

١) صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله(ع) في حديث انه قال: يا عمر قد احل الله البيع وحرم الربا، بع واربح ولاتربه، قلت: وما الربا؟ فقال: دراهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل. وروى الصدوق باسناده عن عمر بن يزيد نحوه. ومثل هذه الرواية روايات كثيرة تدل باطلاق سؤال السائل واطلاق الجواب على شمول الربا لكل مثلين بمثل سواء كانا في بيع او في معاوضة غير بيعية، وهذا الاطلاق مستفاد من حرف الباء، اذ هو للمعاوضة فدل على معنى المعاوضة بمدلوله الحرفي، ولا حاجة للنظر في سند هذه الروايات لانها في اعلىمراتب الصحة.

٢) صحيحة الحلبي (التي لها ثلاثة اسانيد) جميعا عن ابي عبد الله (ع) قال: ما كان من طعام مختلف او متاع او شيء من الاشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلايصلح»٢ وهناك روايات اخرى ذكرت لفظ

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (٦) من ابواب الربا حديث (٢) ص٤٣٤.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب (١٣) من ابواب الربا حديث(٢) ص٤٤٢.

{١١٨}

البيع. ولا يخفى ان ذكر لفظ البيع لايجعل الربا مختصا به لعدم افادة الحصر منه، وذكره انما جاء لغلبة افراد البيع في ذلك الوقت. ولاحاجة ايضا للتنبيه على سند الروايات فانها في اعلى مراتب الصحة.

٣) صحيحة الحلبي الثانية عن ابي عبد الله (ع) في حديث قال: الكيل يجري مجرى واحد، قال: ويكره قفيز لوز بقفيزين... ولكن صاع حنطة بصاعين تمر، وصاع تمر بصاعين زبيب اذا اختلف هذا، والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحد، وقال: لابأس بمعاوضة المتاع مالم يكن كيلا او وزنا «كيل او وزن خ ل»١.

وتوجد روايات اخرى سندها تام ايضا ذكر فيها لفظ المعاوضة. وهذه الروايات ذكرت المعاوضة بمعناها الاسمي، وهي ايضا مطلقة لكل معاوضة سواء كانت بيعية او غير بيعية.

٤) صحيحة سيف التمار قال قلت لابي بصير: احب ان تسأل ابا عبد الله (ع) عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق، قال: فسأله ابو بصير عن ذلك فقال: هذا مكروه، فقال ابو بصير: ولم يكره؟ فقال: ان علي بن ابي طالب (ع) كان يكره ان يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ولم يكن علي (ع) يكره الحلال٢، ورواها الكليني باضافة جملة زائدة وهي «لان تمر المدينة أدونهما ولم يكن علي (ع) يكره الحلال».

وتوجد روايات اخرى ذكر فيها لفظ المبادلة ايضا وسندها معتبر. وهذه الروايات ذكرت الاستبدال الذي هو معنى المعاوضة الاسمي، وهو مطلق لكل استبدال سواء كان في بيع او في غير بيع، فان كان الاستبدال في غير البيع فهو

______________________________

(١) نفس المصدر/الحديث الثالث.

(٢) الوسائل ج١١٢ باب (١٥) من ابواب الربا حديث(١) ص٤٤٧.

{١١٩}

الذي يكون ظاهرا عقدا مستقلا، قد نصطلح عليه «عقد المبادلة «ويشمله» اوفوا بالعقود او تجارة عن تراض» وهو عبارة عن وقع كل من المالين بدل الاخر وهو الذي كان سائدا قبل ظهور النقود الذي يسمى بعقد المقايضة الذي لايتميز فيه البائع عن المشتري ولا الثمن عن المثمن، ولذا لايكون هذا النوع من العقود بيعا. ثم اننا عبرنا بالرواية انها صحيحة لان سيف التمار هو ابن سليمان التمار الكوفي الثقة، وسند الشيخ الى ابن محبوب صحيح.

وبعد عرض هذه الادلة الواردة في ربا المعاوضة - التي كانت الطائفة الاولى مطلقة، وكانت الثانية قد ذكرت لفظ البيع، والثالثة قد ذكرت لفظ المعاوضة والرابعة قد ذكرت الاستبدال، وكلها ذكرت المتجانسين اذا كانا مما يكال او يوزن، فاشترطت المساواة - نقول:

ان الادلة المتقدمة نستفيد منها حرمة الربا لمطلق المعاوضة والمبادلة بين المالين وما ذكر من ان الانصراف انما يكون الى البيع والتبادر ايضا كذلك مردود بأنه انما نشأ من كثرة افراد البيع لا من كثرة الاستعمال بحيث نقل المعنى العام للمعاوضة الى البيع. وعلى هذا فلا وجه لاختصاص الربا في البيع كما فعل العلامة الحلي١.

وقد ذكر في دليلهم ان المتبادر من اطلاق الراويات هو البيع والقرض «اما غيرهما فلايعلم جريانها فيه فيبقى على اصل الاباحة المؤيد بظواهر الايات والاخبار الدالة على حصول الاباحة بالتراضي، وعلى حصر المحرمات، وليس هذا منها، وان الناس مسلطون على اموالهم، خرج البيع والقرض وبقي الباقي»٢ وذلك: لعدم التمكن من التمسك بالتبادر مع تصريح الروايات بأن

______________________________

(١) وكذلك العامة كما تقدم ذلك.

(٢) مفتاح الكرامة للعاملي ٤/٥٠٣.

{١٢٠}

الربا يقع في المعاوضة والمبادلة واطلاقهما يشمل غير البيع، والانصراف يرد عليه ما تقدم.

وبهذا نعرف ايضا الوجه لتعريف الربا بأنه «بيع احد المتماثلين المقدرين بالكيل او الوزن في عهد صاحب الشرع(ع) او في العادة...» كما فعل صاحب المسالك، كما لاوجه ايضا لما ذكر في منهاج السيد الحكيم (قده) في تعريف ربا المعاملة بأنه «بيع احد المتماثلين بالاخر مع زيادة عينية...»١ لما تقدم من اطلاق الروايات التي عرضنا قسما منها.

واما ما ذكر كدليل على شمول الربا لكل معاوضة من التمسك بمعنى الربا اللغوي الذي هو الزيادة «فيخرج ما هو حلال بالاجماع ويبقى الباقي تحت التحريم»٢ فهو لاينسجم مع ماتقدم من العموم الفوقاني «أوفوا بالعقود» الذي ذكرنا الرجوع اليه عند الشك في دخول معاملة ماتحت موضوع الربا، حيث اننا نعلم بان المعنى اللغوي للربا وهو مطلق الزيادة من غير عوض مراد من الربا الشرعي - كما تقدم - مع ملاحظة حدود توسيع الشارع لموضوع الربا، وما دمنا قد شككنا في دخول المعاوضات غير البيع - كما هو المفروض من المستدل - يتحتم علينا الرجوع الى العموم الفوقاني الذي تقدم ذكره فتحل المعاملة.

اذن الدليل الصحيح كما استدل به المشهور وهو الاقوى، فيجرى الربا في مطلق المعاوضات كالصلح٣ والمبادلة والمعاوضة للاطلاق. بل يمكن ان

______________________________

(١) منهاج الصالحين٢/٤٠.

(٢) مفتاح الكرامة ٤/٥٠٣.

(٣) فان الصلح وان كان قوامه بالطرفين لابالمالين الا ان متعلقه قد يكون المال، فيصدق عنوان المقابلة بين المالين والمبادلة بينهما ايضا.

{١٢١}

يقال بجريان الربا «في الهبة المعوضة» كما اختاره المحقق في الشرائع وصاحب الجواهر (قده) «ولانها وان كانت هبة في مقابل هبة الا انها في اللب مبادلة بين الموهوبين»١ وكذلك يجري الربا في الابراء بشرط الابراء، وقد ذكر بعض الفقهاء انصراف الاخبار عن الهبة والابراء فان تم الانصراف فهو والا فيجري فيهما الربا.

ولنا ان نقول ان الهبة المعوضة تتصور على نحوين:

الاول: ما هو المعروف من ان يهب شخص شيئا ويشترط على المتهب شيئا فالهبة هنا عبارة عن تمليك شيء مجانا، واما اشتراط شيء على المتهب فهو لايخرج الهبة عن كونها مجانية، ولذا لو تخلق المتهب لم تقع الهبة باطلة، اذن ليس مقتضى عقد الهبة هنا تقابل بين المالين فلا يتحقق موضوع الربا.

الثاني: ان يهب شيئا مقابل هبة الاخر، فتكون الهبة مقابل الهبة، وقد استشكل في صحة هذه المعاملة بعض المحققين ومنهم السيد الخوئي (حفظه الله) حيث ناقش في صحة المعاملة المذكورة: بأن المبادلة لابد ان تكون بين مالين موجودين، اما خارجا واما اعتبارا في الذمة، واما ما كان موجودا في زمان وانعدم فلا معنى لتبديلة. والمقام من هذا القبيل، حيث ان تمليك الاول ينتهي امده بقول الشخص (ملكت) فاذا جاء الشخص الثاني وقال (ملكت) فيكون تمليكه هذا بأزاء تمليك غير موجود فعلا، فيكون العوض معدوما حين ذكر العوض، ولايكون المعدوم المطلق معوضا. ولذلك لو اراد الشارع ان يمضي هذه المعاملة فيستلزم امضاء المعدوم و هو غير صحيح. نعم يمكن ان يقع العقد على شيء موجود فعلا او يمكن ان يتحقق في المستقبل٢.

______________________________

(١) العروة الوثقى ٣/٩ - ١٠.

(٢) مصباح الفقاهة ٢/٦٦ - ٦٧.

{١٢٢}

وهذا الكلام مستند الى ان معنى الهبة هو المعاوضة بين الفعلين لانفس العينين.

ويمكن ان يناقش بأن يقال: حتى لو قلنا بان الهبة بين الفعلين، ولكن المراد من الفعلين هو المسبب الحاصل من الايحاب والقبول، فيكون المراد من الفعل التمليك وهو موجود وليس بمنعدم، وحينئذ تكون المعاملة صحيحة، والهبة تبقى على معناها الحقيقي، واما اذا قلنا ان الهبة المعوضة هي في اللب مقابلة بين المالين فيكون المال الموهوب من الاول موجودا حين هبة الثاني، فتكون المعاملة ايضا صحيحة. ولكن هل يجري فيها الربا؟ والجواب: هو اذا اخترنا ان الهبة المعوضة هي التقابل بين التمليكين فلايحصل الربا، وان اخترنا ان معناها اللبي هو التقابل بين المالين فيحصل الربا مع الزيادة واتحاد الجنس، لان المعاملة تكون صورتها صورة هبة.

وهنا نوع من التعاوض لا بعنوان المعاوضة كوفاء الديون، كما اذا كان المدين الذي عليه ثمانية قد اعطى عشرة، فان المعطى الى الدائن عوض عما في ذمة المدين، وحينئذ اذا قصد المدين الوفاء بالعشرة في مقابل الثمانية - لا أنه اعطى الثمانية عوضا عما في ذمته ووهب الزائد - فهل هذا ربا تشمله ادلة الحرمة؟.

وللجواب على ذلك: لابد من مراجعة الادلة التي دلت على تحديد الربا في المعاوضات، وقد قلنا سابقا انها دلت على حرمة الزيادة في المعاوضة او المابدلة في المتماثلين، وهنا اذا كان اعطاء العشرة بعنوان الوفاء فلا يتحقق موضوع الحرمة. هذا والمسالة يمكن ان تطرح في باب القرض، اذ هذا قد يكون من القرض الذي جرى نفعا، فان لم يكن بشرط فهو جائز.

والحق إن ايفاء ما في الذمة اذا لم يكن بعنوان الصلح، بل كان بعنوان الوفاء فهو لايمكن ان يحقق موضع الحرمة، اذ لاتبادل ولاتعاوض حيث

{١٢٣}

أن الدائن ملك المال الى المدين على وجه الضمان، والان المدين يريد ان يفي بما في ذمته لانه ضامن للمال فهو وفاء، فقهرا يطبق الكلي على الفرد ويكون الزائد هبة اومالا قد اعرض عنه صاحبه، وحتى لو قلنا انه معاوضة في الحقيقة، فان الاخبار الدالة على الحرمة منصرفة عنها لانها ناظرة الى المعاوضات التي تحصل عند الناس ابتداءا، اما ما لايمكن معاوضة ابتدائية وانما يسمى معاوضة بعد الانتهاء فتنصرف عنه الادلة المحرمة، بل تشمله روايات «خير القرض ماجر نفعا» اذ لم يكن بشرط.

ونفس الكلام نقوله عن الغرامة والقسمة، كما اذا اتلف زيد منا من الحنطة الجيدة وبعد ذلك دفع الى المالك منا ونصف من الرديئة، فهنا لاتعاوض ابتدائي وانما هناك اتلاف وغرامة، وبعد تحقق الغرامة١ يقال حصلت المعاوضة فهي معاوضة مجازية بعد تمامية عنوان الغرامة، فلايكون موضوعا للحرمة، أي لاتكون اخبار الحرمة شاملة لها. وكذلك القسمة، اذ هي تمييز بين الحقين فلو كانت الشركة بالمناصفة واقتسما بالثلث والثلثين من الجيد او الرديء فهو ليس بربا لان القسمة تمييز الحق، وان حصل عنوان التعاوض بعد التمييز.

ثم انه قد ادعي بأن ظاهر بعض الاخبار المنع من الغرامة في المثل مع الزيادة كما في صحيح الحلبي قال «وسئل عن الرجل يشتري الحنطة ولايجد عند صاحبها الا شعيرا ايصلح ان يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، انما اصلهما واحد» وكذلك صحيح هشام «عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكرار، فلايكون عنده مايتم له ماباعه فيقول خذ مني مكان قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي مانقص من الكيل. قال (ع) لايصلح لان اصل الشعير من الحنطة...»١ وكذلك ما في قرب الاسناد عن رجل اشترى سمنا ففضل له فضل أيحل له ان يأخذ مكانه

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (٨) راوية (١،٤) ص٤٣٨

{١٢٤}

رطلا او رطلين زيت؟ قال: اذا اختلفا وتراضيا فلا بأس١. ولكن كل هذه الروايات ظاهرة في المبادلة لا الوفاء، لان الوفاء لابد ان يكون بتطبيق الكلي على فرده٢، اما اذا اعطى من غير جنسه فهو معاوضة واذا صارت كذلك فيقع الربا فيه. ولذا لايحتاج الوفاء الى رضا صاحب المال اذا اعطي من مصاديق ما في الذمة بينما اذا اعطينا صاحب المال من غير مصاديق ما في ذمتنا فيحتاج الى رضاه، وهذا هو معنى المعاوضة، اذ لامعنى لانطباق ما في الذمة على غير فرده الا بافتراض تحقق المعاوضة.

وقد يؤيد هذا الكلام بتعبير الروايات فقد ذكر لفظ الوفاء في العطاء من نفس الجنس٣ «عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يبعث بمال الى ارض، فقال للذي يريد ان يبعث به: اقرضنيه وانا اوفيك اذا قدمت الارض قال: لابأس» ووردت لفظة الاستيفاء في اعطاء الشعير بدل الحنطة كما في صحيحة هشام بن سالم٤ عن ابي عبد الله (ع) فقال الراوي «خذمني مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي مانقص من الكيل. قال: لايصلح..» فالخلاصة: هي ان الربا لايجري في الوفاء اذا كان من نفس الجنس، واما الوفاء من غير الجنس الذي لايكون الا بتوسط المعاوضة فيجري فيه الربا مع الزيادة.

وبعد هذا العرض المتقدم يمكننا القول بان ربا المعاوضة كما ذكره المشهور

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/باب(١٣) رواية (١١) ص٤٤٥ وهي ضعيفة بعبد الله بن الحسن فانه مجهول.

(٢) الوفاء لغة هو «اعطاء حقه كاملا» وليس معناه ابراء ذمة النفس حتى يكون بغير الجنس ايضا. المنجد ص٩١١.

(٣) الوسائل ج١٢/ باب (١٤) من ابواب الصرف/ حديث(٢) ص٤٨٠.

(٤) الوسائل ج١٢/باب (٨) من ابواب الربا/ حديث(١) ص٤٣٨.

{١٢٥}

هو: «مبادلة او معاوضة المتماثلين اذا قدرا بالكيل او الوزن وزاد احدهما على الاخر» والزيادة الحقيقية النقدية في المكيل والموزون مع المثلية في البدلين هي ما يسمى بربا الفضل او ربا الزيادة، مثل بيع من من الحنطة بمنين منها، او مبادلة درهم بدرهمين او دينار بدينارين. اما الزيادة المعنوية في المكيل والموزون مع المثلية في البدلين - كما لو كان احدهما نقدا والاخر نسيئة مثل مبادلة من من الحنطة نقدا بمن من الحنطة نسيئة - فهو المسمى بربا النسيئة، ولايتوهم بوجود تناقض من قبل الشارع حيث ألغى ان يكون للاجل قسطا من الثمن في الربا القرضي فكيف هنا جعل للاجل قسطا من الثمن؟ اذ يقال ان الاجل له قسط من الثمن هو القاعدة العامة، ولكن الشارع الغى هذه القاعدة في بعض الموارد (كالقرض).

ثم ان هذا التقسيم ذكر في كتب العامة - كما تقدم - وهو تقسيم صحيح ناشىء من اختلاف الزيادة الى عينية وحكمية. ثم ان ربا الفضل لايقدم عليه العقلاء، الا اذا كان الطرف الناقص مشتملا على وصف يقع في مقابل المقدار الزائد في الطرف الاخر، وحينئذ يكون البائع قد تعلق غرضه بتحصيل كمية اكثر، والمشتري تعلق غرضه بتحصيل كيفية خاصة، ولذلك يرضى بهذه المعاملة ويقدم عليها، ولذا قد يقال بعدم معرفة حكمة لتحريمه كما في ربا النسيئة فتكون حرمته تعبدية.

وقد يقال في حكمته على وجه الاحتمال ماملخصه: ان تحريم ربا الفضل لاجل ترويج النقد وتوسيطه في المبادلة، وعدم اكتنازه عند الناس، وبهذا يصبح النقد مقياسا للمالية، وهو امر يسهل الكثير من المصاعب التي كانت موجودة في بيع الامتعة بالامتعة.

واما ربا النسيئة فهو هنا ماتقع الزيادة فيه في مقابل التأجيل والامهال سواء

{١٢٦}

كان التأجيل استقلاليا كما في الربا الجاهلي الذي تقدم «كان الرجل منهم اذا حل دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له زدني في الاجل وازيدك في المال فيتراضيان عليه...» او كان التأجيل ضمنيا كما في القرض والبيع المثلي نسيئة. وربا النسيئة هو الربا الواضحة حكمته من انه يخرب البيوت ويسبب المفاسد الاجتماعية والاختلال الاقتصادي وتقسيم المجتمع الى طبقتين وما الى ذلك من المفاسد.

وبما ان بحثنا الان في الربا المعاوضي نتعرض لما قاله مشهور الفقهاء من ان الاموال التي يدخل فيها الربا المعاوضي هي ما اجتمعت فيها هذه الامور الثلاثة معا وهي:

١) - المثلية في البدلين.

٢) - الكيل او الوزن.

٣) - الزيادة سواء كانت حقيقية او معنوية.

وكل هذه الامور الثلاثة دلت عليها الاخبار.

اما المثلية في البدلين: فهو واضح من المثلية الى تواردت في الاخبار الكثيرة، ومعها تحرم الزيادة وتجب المساواة، وباختلاف المثلية لابأس بالتفاضل، ولاحاجة لذكرها هنا بالخصوص.

واما الكيل او الوزن: فقد صرح باعتباره في روايات كثيرة ايضا، منها: الموثقة التي رواها عبيد بن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: لايكون الربا الا فيما يكال او يوزن١. وهناك طائفة من الروايات تنفي البأس عن التفاضل اذا لم يكن مكيلا او موزونا٢.

وقد اكتفى الامامية بهذه الروايات التي تشخص موضوع الربا المعاملي

______________________________

(١،٢) الوسائل ج١٢ باب (٦) من ابواب الربا حديث(٣) وغيره ص٤٣٤ - ٤٣٥.

٨
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{١٢٧}

على وجه العموم في كل متماثلين اذا كان من المكيل والموزون عن البحث حول العلة التي بموجبها حرم التفاضل في الاصناف الستة عند العامة، ولو اطلع السنهوري وابناء العامة على هذه التصريحات في الراوية لتحديد الموضوع العام للربا وعرفوا ان ماقاله الائمة (ع) هو مستند الى النبي صلى الله عليه وآله عن الله تعالى لما قالوا بترجيح حجة الشافعية في معرفة العلة على الحنفية لو انتهجوا منهج الحق من الاخذ بالنص.

واما الزيادة: فقد صرحت الروايات ايضا بحرمتها في المكيل والموزون اذا كانا متماثلين، فمنها صحيحة ابي بصير وغيره عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الحنطة والشعير رأسا برأس لايزاد واحد منهما على الاخر١.

وهناك روايات ذكرت عدم الباس من كونهما. سواء بسواء ومعنى ذلك بمفهوم المخالفة هو وجود البأس اذا لم يكونا كذلك، منها موثقة سماعة قال: سألته عن الحنطة والشعير فقال: اذا كانا سواء فلا بأس... الخ٢ ولايضر اضمارها لانه ناشىء من تقطيع الروايات (على يد من جمع الحديث وبوبه) للامانة في النقل. وهذه الروايات وان كانت بصدد بيان ان الحنطة والشعير اصلها واحد، الا انها ايضا تبين البأس في الزيادة.

هذا، ويمكن الاستدلال على عدم صحة الزيادة بالروايات الكثيرة التي ذكرت المثلية، حيث ان المثلية كما يجب ان تكون باتحاد نوع البدلين، يجب ان تكون باتحاد القدر ايضا، فان زاد احدهما على الاخر لم تحرز المثلية فيكون ربا.

ثم انهم ذكروا من اطلاق الزيادة الواردة في الروايات يفهم المنع في

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (٨) ن ابواب الربا حديث(٣) ص٤٣٨.

(٢) نفس المصدر حديث(٦) ص٤٣٩.

{١٢٨}

الزيادة العينية (الحقيقية) والزيادة الحكمية (المعنوية) أي كلما تحقق عنوان الزيادة بأي شكل كان فهو ربا، والزيادة لها اشكال:

الشكل الاول: اذا كانت الزيادة عينية على وجه الجزئية من مثل العوضين او غيره. وهنا عدم تحقق المثلية المشترط في الروايات مفهوما ومنطوقا واضحا.

الشكل الثاني: اذا كانت الزيادة عينية على وجه الاشتراط بحيث لم تكن الزيادة في مقابل شيء، فأيضا هنا لم تتحقق المثلية في العوضين المتماثلين.

الشكل الثالث: اذا كانت الزيادة غير عينية وكانت مالا كاشتراط سكنى دار او خياطة ثوب، فأيضا لم تتحقق المثلية ولم تكن سواء بسواء.

الشكل الرابع: اذا كانت الزيادة حكمية كما اذاباع منا من الحنطة بمن الى شهر. ولكن بعض الفقهاء ذكر: ان القدر المتيقن من الزيادة هي العينية او ما بمنزلتها١، واما اذا كانت الزيادة حكمية فمقتضى عمومات الحل الجواز.

ولكن يمكن ان يستدل لكون الزيادة الحكمية ربا بصحيحة محمد بن قيس٢ قال: «قال امير المؤمنين عليه السلام: لاتبع الحنطة بالشعير الا يدا بيد لاتبع قفيزا من حنطة بقفيزين من شعير» فنحن اذا علمنا ان الحنطة والشعير هما مثلان في باب الربا، فعدم جواز البيع نسيئة يكون لاجل الاجل الذي له قسط من الثمن، فتحصل الزيادة الحكمية المحرمة.

ولكن قد يقال بأن المنع الوارد في هذه الرواية ليس منباب الربا، لان المثلية هنا متحققة عرفا فيحتمل ان يكون النهي حكما خاصا في «الحنطة والشعير»٣

______________________________

(١) العروة الوثقى ٣/٥.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب (٨) من ابواب الربا حديث(٨) ص٤٣٩.

(٣) كالحكم في بيع الصرف، ويؤيده الخبر العامي «بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب، والبر بالشعر والشعر بالبر كيف شئتم يدا بيد».

{١٢٩}

وبهذا لاتكون الرواية دليلا علىحرمة بيع كل متماثلين نسيئة. وعلى هذا فتكون الزيادة الحكمية في بيع المتماثلين غير منهي عنها في الروايات فلاتكون محرمة خصوصا اذا لم يصدق عليها عنوان الزيادة المحرمة. ولعله لاجل هذا ذكر صاحب الجواهر (قده) «اذا كانت الزيادة حكمية، كالاجل فلا خلاف محقق معتد به في عدم الجواز»١ وذكر صاحب الشرائع (قده) «لايجوز اسلاف احدهما (المتماثلان) في الاخر على الاظهر»٢.

ثم انه حتى اذا نظرنا الى الروايات الواردة في القرض التي تقول «انما جاء الربا من الشروط» وسلمنا ان البيع نسيئة للمتساويين شرط، وان بيع المثل بمثله نسيئة هو قرض خصوصا في النقود، فمع ذلك لايفيد في التحريم وذلك لان الشرط الذي يأتي منه التحريم هو الشرط للمقرض، واما هنا فالشرط هو للمقترض فلا تحريم.

ولكن الحق: ان بيع المثل بمثله نسيئة ليس هو قرضا لان القرض هو التمليك مع الضمان الى مدة والمفروض انه انشأ البيع وقصد معناه حقيقة وهو مبادلة مال بمال نسيئة، وحينئذ يكون الاجل زيادة في احد العوضين عرفا وعقلائيا - كما تقدم - فتشمله ادلة الحرمة لعدم وجود التماثل، لان في احدهما منا من الحنطة وفي الاخر منا مع الاجل، وبما ان الاجل، له قسط من الثمن فحصل الربا٣.

______________________________

(١،٢) الجواهر ٢٣/ ٣٤٠.

(٣) قد يقال ان بيع المثل بمثله نقدا ليس قرضا، ولكن بيع المثل بمثله نسيئة هو قرض، حيث ان المدين اذا ابقى عند الشيء الذي استدانه الى نهاية الاجل واعطاه الى الدائن فقد برأت وهذا معناه ان بيع المثل بمثله نسيئة هو عبارة عن قرض لانه حقيقة هو تمليك مع الضمان، وعلى هذا فيكون مثال الربا الحكمي في صورة قرض فلان شيئا الى سنة مع شرط تأجيل الدين الذي علي - ستة اشهر او في صورة بيع شيء مثله بمثله نسيئة مع شرط تأجيل الدين الذي علي الى سنة.

{١٣٠}

ثم ان بعض الشروط التي تذكر في بيع المتماثلين قد لايصدق عليها عنوان الزيادة عرفا كاشتراط كنس المسجد او اعطاء شيء للقفير او اتيان الصلاة في اول الوقت او المواظبة على صلاة الليل وامثال ذلك. اذن ليس كل شرط في احد العوضين يتحقق به الربا.

ثم انه لاجل ان نكون على معرفة اكثر بهذه الاركان الثلاثة للربا، نرى من الجدير بالامر تحديدها بصورة اوضحة، فنرجع الى الادلة المعتبرة لمعرفة ضابط كل واحد من هذه الاركان.

١ - ضابط المثلية في البدلين:

اننا اذا نظرنا الى الروايات في الباب نراها قد ذكرت لتحديد المثلية عناوين مختلفة وامثلة كثيرة، فمنها ماذكر بالتصريح اتحاد النوع١، وقسم منها دل بمفهومه على اتحاد الجنس٢، وقسم آخر دل بمنطوقه على اتحاد الجنس٣ وقسم منها ذكر اتحاد الصنفين بالمفهوم٤، واكثر الروايات ذكرت التماثل بين العوضين، بينما ذكرت روايات اخرى كون احدهما اصلا للاخر٥ او فرعين لاصل واحد٦

وقد ذكر الفقهاء التعبير باتحاد الجنس كشرط لتحقق الربا في المعاملة، او كون أحدهما اصلا للاخر، او كونهما فرعين من جنس واحد، مع تصريحهم

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (١٣) من ابواب الربا حديث(٥) ص٤٤٣.

(٢) المستدرك ٨/٤٨٠.

(٣) الوسائل ج١٢/ باب (١٦) من ابواب الربا حديث(٣) ص٤٤٨.

(٤) نفس المصدر/حديث (٧) ص٤٤٩.

(٥،٦) الوسائل ج١٢/ باب (٨) من ابواب الربا حديث(١،٤) ص٤٣٨.

{١٣١}

بأن المراد من الجنس هنا هو معناه اللغوي العرفي وهو الذي يسمىبالنوع عند المناطقة الذي يختلف بالفصل المقوم.

ولكن لما ذكر في الجواهر من ان الوصول الى معرفة الذاتيات - حتى يعرف النوع، ويفرق بينه وبين الجنس والصنف - متعسر، لانرى لزاما علينا ان نعبر بالجنس خصوصا اذا نظرنا الى اكثر الروايات التي عبرت بالمثلين والشيئين. ومن الامثلة التي ذكرت لها نعرف ان المراد هو الاتحاد بين شيئين بالعنوان الخاص الذي لايكون عنوانا اخص منه، نعم قد يختلف هذان الشيئان بالاوصاف ولكنهما متحدان عنوانا.

وبهذا نعرف ان الروايات التي ذكرنا اختلافها انما تشير الى اتحاد العنوانين كحنطة جيدة بحنطة رديئة، او حنطة حمراء بحنطة صفراء، او تمر زهدي بتمر عمراني او حنطة بدقيق، او دقيق بسويق فان كل هذه الافراد متحدة بالعنوان ان كانت مختلفة بالصفات، وحتى الروايات التي ذكرت اتحاد الصنفين لايراد منها الصنفين المنطقيين، وانما المراد ماذكرناه بقرينة الامثلة التي ذكرت له. وهذا الاتحاد في العنوان والتماثل انما يكون معتبرا اذا كان عند العرف كذلك، فيكون الميزان في المثلية هو اتحاد العناوين بحسب الفهم العرفي، خصوصا اذا لحظنا ان الشارع يخاطب الناس، ولايخاطب قسما منهم، ولعل الاتحاد بالعنوان عرفا يكشف عن الاتحاد في الحقيقة النوعية.

واما اختلاف العنوان (كالحنطة والشعير) فيجري فيه الربا لما ذكرته الروايات من ان الشعير من الحنطة وانها هي أصله١، وقد قالت الروايات بأن الربا يثبت بين الاصل والفرع، كما ذكرت الروايات ايضا جريان الربا بين فرعين

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (٨) من ابواب الربا.

{١٣٢}

لاصل واحد وان كانا مختلفي العنوان كاللبن والزبد، او كالسويق والدقيق١.

وقد نقول باستثناء الاخيرين من عمومات الحل حيث حكم الشارع بربوبيتها من باب توسيع موضوع الربا الى ما يشمل الاختلاف بالعنوان بهذا المقدار (اي بتغير الصورة) فتكون ادلتها حاكمة على ادلة الربا في موضوعه.

نقول: ان مسألة الحنطة والشعير لاينبغي الاشكال في حكمها من حيث توفر الادلة ووضوحها في هذا لمورد، فمن الروايات صحيحة٢ هشام بن سالم عن ابي عبد الله (ع) قال «سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكرار فلا يكون عنده مايتم له ماباعه، فيقول له خذمني يمكن كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي مانقص من الكيل قال: لايصلح لان اصل الشعير من الحنطة ولكن يرد عليه الدراهم بحساب ما نقص من الكيل». وصحيحة ابي بصير٣ عن ابي عبد الله (ع) قال: «الحنطة والشعير رأسا برأس لايزاد واحد منها على الاخر».

وصحيحة الحلبي٣ عن ابي عبد الله (ع) قال «لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولايباع الا مثل بمثل والتمر (الثمن خ ل) مثل ذلك، قال وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها الا شعيرا أيصلح له ان يأخذ اثنين بواحد، قال انما اصلهما واحد وكان علي (ع) يعد الشعير بالحنطة».

ومع هذا فقد حصل الاختلاف بين ابناء العامة انفسهم، وبين الامامية ايضا، فذهب قسم الى اتحاد الحنطة والشعير في المثلية والعنوانية، بينما ذهب قسم

______________________________

(١) الدقيق هو الطحين، والسويق هو دقيق مقلو من الحنطة او الشعير كما في مجمع البحرين٥/١٨٩.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب (٨) من ابواب الربا حديث(١) ص٤٣٨.

(٣) نفس المصدر/ الراوية الثالثة.

(٤) نلفس المصدر/ الرواية الرابعة.

{١٣٣}

آخر الى أنهما مختلفان في العنوانية والمثلية١ ولعل توجيه الاختلاف في هذه النقطة راجع الى قوله (ع) (لان اصل الشعير من الحنطة) او (وان اصل الشعير من الحنطة) او (وان اصلهما واحد)، فما هو المراد من هذا الكلام، وهل يمكن ان يستفاد منه قاعدة كلية في المقام فتكون الاشياء من اصل واحد نوعا واحدا يحرم الربا فيها؟.

وقد ذكر البعض احتمال ان يكون المراد من (أن اصلهما واحد) انهما كانا في بداية الامر بذرا من نوع واحد، ثم نتيجة للتحولات - والتطورات واختلاف المناخ واختلاط هذا البذر مع بذور اخرى - تعدد هذا البذر لهذين النوعين وهذا واضح اذا لاحظنا ان حبة واحدة ربما تختلف ثمارها باختلاف الارض والماء والهواء وتربيتها وتركيبها، فيحتمل ان يكون الشعير مثلا في الاصل متشعبا عن الحنطة.

وهذا وان كان كلاما عاما حيث ان جميع الاشياءالممكنة في العالم اصلها واحد كما يذكر ذلك الفلاسفة، فيكون حينئذ ان جميع الاشياء متشعب بعضها من بعض او أصلها واحد، الا ان التحريم الوارد في المقام انما هو راجع إلى

______________________________

(١) وقد ذهب الاختلاف بين ابناء العامة، بين مدرسة أهل الحديث واهل الرأي، فالاولى كان مركزها في المدينة وعلى رأسها مالك بن أنس وهو قد تعرض لهذه المسألة في الموطأ وذهب الى اتحاد الحنطة والشعير في الجنس واعتمد في ذلك على اجماع فقهاء المدينة، بينما الثانية التي مقرها الكوفة وعلى رأسها ابو حنيفة ذهب الى ان الحنطة والشعير شيئان. واما فقهاء الخاصة: فابن الجنيد وابن عقيل وابن ادريس ذهبوا الى التعدد باعتبار اختلاف الحنطة والشعير لغة وحسا وصورة ولونا وطعما وادراكا، وهذا حسب مسلكهم في الاصول من عدم حجية خبر الواحد الذي افاد الوحدة بينهما، بينما ذهب الغالب من علماء الخاصة الى الوحدة بينهما باعتبار حجية خبر الواحد الذي يصرح بالوحدة بينهما.

{١٣٤}

العناوين، وبما ان الحنطة عنوان غير الشعير خارجا فلايفيد هذا الكلام في ربويتها، وعلى فرض هذا الاحتمال، فهل جملة (ان اصلهما واحد) وامثالهما قاعدة كلية؟ بحيث تكون الاشياء التي اصلها واحد نوعا واحدا؟.

نقول: ان هذا اللسان هو لسان حكمة لاعلة، لعدم امكان الاطلاع عادة على اصل الاشياء خصوصا عند الفقهاء والمكلفين، فكيف تجعل هذه كبرى مع عدم تمكن المكلفين من تطبيقها في مواردها؟ ولهذا نقول ان هذا اقرب مايكون الى حكمة الحكم قد ذكرها الشارع لتحريمه مبادلة الحنطة بالشعير مع التفاضل.

هذا وقد نسب الى المشهور في مسألة (التفاضل بين الاصل والفرع، وبين نفس الفروع) عدم الجواز، كالحليب نجعل منه لبنا وجبنا وزبدا، والحنطة نجعلها دقيقا وسويقا، واستدل على رأي المشهور بروايات الحنطة والشعير (وانهما من اصل واحد) واستنتاج قاعدة كلية، منها. نقول اما مسألة الاصل مع الفرع فمستند المشهور هو الراويات في المقام وهي:

١ - صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال«الحنطة بالدقيق مثلا بمثل والسويق بالسويق مثلا بمثل، والشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به»١ وكذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) وغيرها. وقد ذكر في الجواهر عدم وجود القول بالفصل بين هذه الموارد وبين غيرها فيتم الاستدلال بها على الموضوع، وذكر مؤيدا لهذا الاستدلال وهو «عدم العثور على خلاف في شيء من هذه القاعدة الا ماعن الاردبيلي (قده) من التأمل في ذلك وأنه غير منضبط على القوانين من حيث عدم صدق الاسم الخاص على الجميع وعدم الاتحاد في الحقيقة، وبهذا لو حلف الا يأكل احدهما لم يحنث بأكل الاخر، فيحتمل كونهما

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب (٩) من ابواب الربا حديث (٢و٤) ص٤٤٠.

{١٣٥}

جنسين يجوز التفاضل فيهما»١.

وقد أجاب شيخ الطائفة صاحب الجواهر (قده) عن تأمل الاردبيلي (قده) بأن القاعدة الاولية هي دوران الاحكام مدار الاسماء والعناوين الا ان المورد الذي نحن فيه مستثنى من تلك القاعدة للادلة الكثيرة التي ذكرناها، فيكون موردنا هذا دائرا مدار الحقيقة الاصلية وان اختلفت اسماء افرادها.

وهذه المناقشة صحيحة في كل اصل مع فرعه، او بين الفروع اذا كانت الحقيقة موجودة فيهما، وحينئذ يكون الامر اخص مما ذهب اليه المشهور من ان كل اصل مع فروعه وكل الفروع يجب البيع فيها متساويا سواء كانت الحقيقة موجودة فيها ام لا.

وهنا نقول: ان التحولات الفرعية على اقسام:

١ - قد يكون التفريع بواسطة التجزئة والاشتقاق والتحليل كالنفط الذي تتكون منه بعض المشتقات، او السكر من بعض الفواكه والخضروات.

٢ - قد يكون التفريع بواسطة التركيب كما في بعض الفواكه المتفرعة من التركيب.

٣ - قد يكون التفريع بواسطة تغيير صوري في الاصل كما في الدقيق بالنسبة الى الحنطة، فان الحنطة اذا فرقت اجزاؤها صارت دقيقا.

٤ - قد يكون التفريع بواسطة التحولات الطبيعية او بالوسائل.

٥ - قد يكون التفريع بواسطة الاستحالة وغير ذلك.

ولايمكن الالتزام بما ذكره المشهور من الربا في كل اصل مع فرعه، وبين الفروع، اذ لازم هذا هو عدم جواز التفاضل بين السكر والشونذر، وبين الخل المتخذ من التمر مع التمر، وغير ذلك من العناوين التي صرحت الروايات

______________________________

(١) ٢٣/٣٥٠ -- ٣٥١.

{١٣٦}

بجواز التفاضل فيها اذا اختلف الشيئان.

والتحقيق: فنح اذا رجعنا الى الراويات التي ذكرت عدم جواز التفاضل بين الاصل مع الفرع او بين الفروع نجدها لاتتجاوز هذه الامثلة «الدقيق بالحنطة البر بالسويق، السويق بالدقيق» فنلتزم بعدم جاز التفاضل في هذه الامور وامثالها التي تحفظ معه ماهية الاصل ظاهرا عند العرف، واما في غيرها فنلتزم بأدلة جواز التفاضل هذا اختلف الشيئان.

وقد يستدل للمشهور بروايات الحنطة والشعير من (ان اصلهما واحد) ولكن قد ذكرنا ان هذه الروايات لايستخرج منها قاعدة كلية، وانما هو امر تعبدي وتوسيع من دائرة حرمة الربا، وماذكر من ان اصلهما واحد هو حكمة للحكم لاعلة.

وبعبارة اوضح: ان الامام (ع) عنما يجيب بعدم جواز التفاضل بين الحنطة والشعير يحصل اشكال وتساؤل عند السائل، وهذا التساؤل ناشيء من اختلافهما عنوانا فكيف يحصل فيه الربا، ولذلك يكون الامام (ع) قد اجاب على سؤال مقدر فقال ان اصلهما واحد او ان اصل الشعير من الحنطة، وهذا الجواب عن السؤال المقدر لايمكن ان يكون قاعدة كلية في كل اصل مع فرعه مع اختلافهما عنوانا وعند العرف، لانه جواب عن خصوص ماحكم به الشارع من الربا في الحنطة والشعير، فيكون الشارع قد وسع من دائرة الربا فشملت الحنطة والشعير، واما غيرهما فيكون على القاعدة من ان الاختلاف في الاشياء يجوز التفاضل.

تحقيق الاصل في المقام:

ثم اننا لو شككنا في شيئين هل انهما متماثلان او مختلفان فما هي القاعدة؟

{١٣٧}

فقد يقال: ان احراز اتحاد العنوان او التماثل هو الاساس في الحرمة، فمالم نحرز ذلك يكون الشك في شرط الاتحاد والتماثل، وحينئذ يكون الشك في الشرط شكا في المشروط، فنتمسك بالعموم الفوقاني للحل بعد احراز عنوان البيع كام هو الفرض.

ولكن قد يشكل فيقال: ان الحرمة مشروطة بالاتحاد والمائل، وكذلك الحلية، فانها مشروطة بالاختلاف وعدم التماثل، لقوله «اذا اختلف الشيئان فبيعوا كيف شئتم» فاذا لم نحرز شرط الحرمة كذلك لم نحرز شرط الحل، وفي هذه الحالة وان كان يمكننا التمسك بالاصل الذي هو عدم الحرمة ولكن لايفيدنا في صحة ترتب الاثر، لاننا نشك في سبب النقل والانتقال فيبقى اصل عدم ترتب الاثر على حاله، وهو معنى اصالة الفساد في المعاملات كما ذكر المشهور.

والحق ان يقال: بامكان التمسك بالحل في المشتبه بالتماثل وذلك للشك في ربوبيته وحرمته، والاصل العملي هو عدم كونه ربويا وحراما، وبهذا يتنقح موضوع التمسك بالعموم الفوقاني لاوفوا بالعقود وامثالها. واما اشتراط الحل في الاختلاف فهو لايمكن الالتزام به هنا لان الاختلاف غير محرز ايضا، ولااصل عملي ينقح لنا موضوع التمسك بالحرمة، فلايجوز الرجوع الى عمومات التحريم. ولعله لهذا ذكر في الجواهر اقتصار الاصحاب الشرطية في المحرم دون غيره١.

وقد يقال: بأن الاصل العملي هنا هو عدم الانتقال (لاعدم كونه ربويا) اذا شككنا في الانتقال وعدمه فالاصل عدم النقل والانتقال، فلايتنقح موضوع التمسك بالعموم الفوقاني لاوفوا بالعقود. والجواب: ان هذا الاصل مسببي، لانه مسبب عن ان هذا العقد الذي حصل بين الشيئين الذي نشك في تماثلهما

______________________________

(١) الجواهر ٢٣/٣٤٠.

{١٣٨}

هل هو عقد ربوي او غير ربوي١ فان كان الاصل في السبب يقول لم يكن العقد ربويا ولو قبل التشريع، فلاشك في الانتقال وعدمه، وحينئذ يتنقح موضوع «اوفوا بالعقود»٢ ولولا هذا الاصل اللفظي لكان المورد موردا لاصالة الفساد،

______________________________

(١) أي نشك في وجود شرط في هذا العقد ام لا؟ فالاصل عدم الشرطية الزائدة أي عدم كونه ربويا.

(٢) زيادة توضيح: ان الموارد التي يقع البيع عليها وتشك انها متماثله او مختلفة راجعة الى الشك في شرطية الاختلاف في هذا البيع، فان اجرينا اصالة عدم الشرط الزائد في هذا البيع يكون المورد حينئذ من موارد التمسك بـ «اوفوا بالعقود».

وتوضيح ذلك، اننا اذا شككنا في بيع قد وقع هل يشترط في صحته الاختلاف اذا بيع متفاضلا ام لا؟ فاذا اجرينا اصالة عدم اعتبار الشرط الزائد تنقح موضوع «اوفوا بالعقود» و«احل الله البيع».

فان قيل: ماذا تقولون فيما يقوله المشهور من اصالة الفساد في المعاملات؟.

قلنا: للغلب على ذلك يوجد حلان:

(الحل الاول) ان اصالة الفساد في المعاملات محكومة بأصل عدم اعتبار الشرط الزائد بمعنى ان اصل عدم اعتبار الشرط الزائد (الاختلاف) ينقح موضوع اطلاقات صحة المعاملة كأوفوا بالعقود واحل الله البيع ومع وجود الاصل اللفظي لاينتهي الدور الى اصالة الفساد. نعم غاية الامر الحكومة متوقفة على امرين، الاول: ان يكون اصل عدم اعتبار الشرط الزائد في رتبة الموضوع لاصالة الفساد، وان يكون منشأ الشك في الموضوع لاصالة الفساد مسببا شرعيا عن الشك في اصالة عدم اعتبار الشرط الزائد. الثاني: ان يكون له اثر شرعي.

اما الامر الاول فحاصل لان الشك في الفساد مسبب عن الشك في اعتبار الشرط الزائد، الا ان التسبب ليس شرعيا «كما في محكومية استصحاب نجاسة اليد المغسولة بماء مستصحب الطهارة» بل ان التسبيب عقلي لان العقل يحكم بعدما جعل الشارع الاختلاف شرطا للعقد المؤثر في البيع مع التفاضل بأن الشرط اذا انتفى انتفى المشروط، واذا وجد الشرط وجد المشروط.

واما الامر الثاني فقد يقال بعدمه لان مجرد عدم الشرط الزائد لايثبت مؤثرية الاجزاء الاخرى الا بالاصل المثبت كما ان اصل عدم جزئية السورة مثلا لايثبت ان المطلوب هو الاجزاء

{١٣٩}

لان عدم الشرطية الزائد مع الاغماض عن وجود دليل لفظي لايكفي لاثبات الصحة، بل الاصل عدم الانتقال. اذن لابأس بالتفاضل بين السلت والشعير وبين العلس والحنطة، لعدم معرفة ان العلس من جنس الحنطة وان السلت من جنس الشعير.

اذا اختلف الشيئان فبيعوا كيف شئتم:

أي في ربا النسيئة لايعتبر المثلية في البدلين، ومورد الكلام هنا ما اذا كان العوضان من العروض وكانا مما يكال او يوزن. اما اذا كان العوضان كلاهما نقدين، فيدخل في بيع الصرف ولايجوز النسيئة فيه، واذا كان احد العوضين من النقود والاخر من العروض، فان كان الاجل للثمن فهو نسيئة، وان كان الاجل للمثمن فهو بيع سلم، وهذا الاشكال فيه.

ومما تقدم في ضبط معرفة المثلية في العضوين التي هي ركن في تحقق الربا، يفهم انه لاربا في صورة اختلاف العضوين في المثلية او العنوانية، ومعنى

______________________________

(١) الاخرى، ولذلك فلابد من حل لهذه المشكلة، ولهذا احتجنا الى الحل الثاني وهو العمدة (الحل الثاني) ان العقد الفاقد للشرط المشكوك (الاختلاف) مادمنا لانشك في صدق (البيع) عليه عرفا فهو مشمول لاطلاقات صحة المعاملة (كأوفوا بالعقود) واما احتمال اعتبار الشرط الزائد فهو ملغى باطلاق الدليل الذي هو نفي احتمال القيود المشكوكة والشروط المشكوكة.

نعم يبقى موارد لاصالة الفساد في المعاملة وهي موارد الشك في الصدق العرفي، كما اذا كان الشرط المشكوك ركنا يخل بالصدق العرفي للمعاملة، وحينئذ لايمكن التمسك بالاطلاق فينتهي الدور الى الاصل العملي وهو اصالة الفساد، ولاتكون اصالة الفساد محكومة لاصالة عدم اعتبار الشرط الزائد، لان هذا الاصل لو كان راجعا الى اطلاق ادلة صحه العقد فالمفروض عدم احراز شمول الاطلاق للمقام، ولو كان اصلا مستقلا مثلا فهو لايفيد لانه لايثبت صحة العقد.

{١٤٠}

ذلك جواز البيع متفاضلا ومتساويا نقدا ونسيئة كما ذهب الى ذلك المشهور. ولكن مع ذلك وردت الروايات الكثيرة التي تجوز التفاضل في هذه الصورة ولكن تقيده بالنقد (يدا بيد) فمن ذلك صحيحة الحلبي١ عن ابي عبد الله (ع) قال: ما كان من طعام مختلف او متاع او شيء من الاشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلايصلح، وامثالها كصحيحة محمد بن مسلم قال «اذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد».

وقد حمل البعض لفظ «لايصلح» على الكراهة بدعوى انها تفيد عدم الصلاح، ويمكن تقريب هذا الاستدلال اكثر بدعوى ان الشيء قد يكون موصوفا بأحد اوصاف ثلاثة، اما الصلاح واما الفساد واما عدمهما، فالرواية التي تقول ليس فيه صلاح اولا يصلح لاتثبت وجود الفساد فيه، اذ قد يكون موصوفا بعدم الصلاح والفساد ايضا. وبهذا تكون لفظة لايصلح دالة على المبغوضية بالمعنى الاعم الى تشكل الكراهة٢.

ولكن الصحيح - كما ذهب اليه النراقي في عوائده٣ - ان الصلاح خلاف ونقيض الفساد عند العرف، فنفي الصلاح اثبات الفساد كماذكر ذلك ايضا عن اللغويين كالجوهري والطريحي٤، فان ذكرت الروايات كلمة لايصلح فمعنى ذلك انه فاسد ولايجوز، وهذا هو المتبادر من قول الطبيب لمريضه لايصلح لك الغذاء الفلاني، فان المريض يفهم فساد الغذاء له، ونفس هذا التبادر موجود

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب (١٣) من ابواب الصرف، حديث(١و٢)/ص٤٤٢.

(٢) اختلف الاصحاب في ان مفاد «لايصلح» هل هو الكراهة او الفساد او الحرمة؟ .

(٣) عوائد الايام/ص٨١.

(٤) مجمع البحرين٢/٣٨٧ باب صلح «يقال صلح الشيء من باب قعد وصلح بالضم لغه خلاف فسد».

{١٤١}

في زمن المعصوم (ع) كما نجد ذلك في رواية عبد الرحمن بن الحجاج١ «اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فاشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها اليس هي ذكية فيقول بلى، هل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية؟ فقال لا ولكن لابأس ان تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية، قلت وما افسد ذلك قال استحلال اهل العراق للميتة» فالراوي فهم من قول الامام لايصلح الفساد واستفسر عن سببه. واذا ثبت الفساد في الربا المعاوضي جاءت الحرمة لوجود ادلتها الخاصة هنا.

واما المفهوم من الصحيحتين فهو وجود البأس اذا كان البيع على نحو النسيئة والبأس ظاهر في الحرمة٢ لان عدم البأس قد قيدته الصحيحة على ان يكون يدا بيد، فاذا انتفى هذا القيد فقد انتفت الاباحة وهو معنى الحرمة.

نعم على تقدير ان كلمة لايصلح ظاهرة في الكراهة، الا انها هنا تدل على الحرمة وذلك: لان لايصلح قد جعلته الرواية في مقابل «فلا بأس يدا بيد» وحينئذ الذي يكون في مقابل فلا بأس وهو البأس وهو ظاهر في الحرمة قطعا.

ولايخفى على من راجع الروايات الواردة في الباب ظهور وضوح استعمال لايصلح في عدم الجواز، فان الاستعمال وان كان اعم من الحقيقة الا ان تصريح اللغويين لكون الصلاح نقيض الفساد يوضح لنا ان لايصلح المستعملة في عدم الجواز مستعملة استعمالا حقيقيا في معناها الذي هو الفساد.

فالخلاصة: ان لايصلح (نهي) فان وردت في المعاملات فهي ظاهرة في

______________________________

(١) الوسائل/ج٢/ باب (٦١) من ابواب النجاسات، حديث(٤) / ص١٠٨١.

ولاجاحة الى اعتبار الرواية هنا، لان فهم الراوي هو الشاهد فيها.

(٢) ذكر السيد اليزدي (قده) ان جملة من الاخبار في المقام مشتملة على قوله عليه السلام «لايصلح او يكره» ولكننا لم نجد في مقامنا دليلا بلفظ الكراهة ملحقات العروة ٣/٢٤.

{١٤٢}

الفساد لظهور النهي بوجود مانع من الامضاء، وان وردت في الافعال الخارجية فهي ظاهرة في الحرمة لظهور النهي بوجود مفسدة في المنهي عنه، وحينئذ ففي موردنا المعاملة فاسدة محرمة.

ثم انه يوجد ايضا في بعض الاخبار «لاينبغي اسلاف السمن بالزيت» ونحن مادما لانقبل ماذهب اليه السيد الخوئي (حفظه الله) من دلالتها على الحرمة مستدلا بالاية الكريمة، على لسان سليمان (ع)(وهب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي)١ أي لايمكن ان يكون لاحد من بعدي، اذ ان لاينبغي في هذه الجملة تدل على عدم الامكان بالقرائن المحفوفة بالكلام مثل «لاحد من بعدي».

نقول: انها صالحة للدلالة على الحرمة والكراهة ولكن مع القرينة، اذ نقل ان لفظ «لاينبغي» في اللغة بمعنى «لايتيسر»، وبما ان عدم التيسر في التشريعات مساوق للحرمة فتكون دالة عليها، ولكن حكى في مجمع البحرين٢ عن المصباح انه حكى عن الكسائي انه سمع من العرب «وما ينبغي ان يكون كذا أي ما يستقيم وما يحسن»، وهذا مناسب للكراهة الاصطلاحية، وهذان النقلان يؤيدان ما ذهبنا اليه من ان «لاينبغي» تدل على الحرمة وعلى الكراهة الاصطلاحية ولكن بالقرينة، والقرينة هنا موجودة، وهي تجويز بعض الاخبار لبيع الطعام بالطعام متفاضلا نسيئة كما في بيع السلف، وهذه الاخبار هي التي تدلنا بصورة واضحة على كراهة بيع المتماثلين متفاضلا نسيئة، اذ ما ذكرناه من الكراهة هو مقتضى الجمع بين الروايات المانعة والروايات المجوزة، ومن تلك الروايات المجوزة اولا: ما هو مطلق يشمل النقد والنسيئة:

أ - كرواية سماعة (موثقة) قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب، فقال:

______________________________

(١) سورة ص:٣٤.

(٢) ١/٥٥ مادة بغا.

{١٤٣}

لايصلح شيء منه اثنان بواحد، الا ان يصرفه نوعا الى نوع آخر، فاذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد واكثر «من ذلك يه»١.

ب - ورواية قرب الاسناد«عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن رجل اشترى سمنا ففضل له فضل ايحل له أن يأخذ مكانه رطلا او رطلين زيت؟ قال: اذا اختلفا وتراضيا فلابأس»٢. وهذه الرواية ضعيفة بعبد الله بن الحسن لجهالته كما تقدم، فتبقى الرواية الاولى وهي وان كانت مطلقة الا انه يمكن تقييدها بروايات «يدا بيد»، ولذا نحتاج الى ذكر روايات بيع الطعام بالطعام سلفا.

ثانيا: روايات بيع الطعام بالطعام وهي:

أ - كرواية وهب عن جعفر عن ابيه عن علي (ع) قال: لابأس بالسلف مايوزن فيما يكال ومايكال فيما يوزن ٣.

ب - ورواية محمد الحلبي قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن السلم في الطعام بكيل معلوم الى اجل معلوم قال لابأس به٤. وهي مطلقة لما اذا كان الثمن ذهبا او فضة او طعاما. نعم رواية وهب صريحة في المورد الا انها ضعيفة بوهب الذي هو من اكذب البرية، فتبقى رواية الحلبي، وهي صحيحة او حسنة فهي معتبرة، الا انها ليست صريحة في المورد وانما مطلقة.

والحق ان نقول: اننا لم نجد رواية صريحة ومعتبرة في جاوز بيع الطعام بالطعام نسيئة، نعم هناك اطلاقات تدل على ذلك، ولكن الروايات التي تقول

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب (١٣) من ابواب الربا/ حديث«٥»/ ص٤٤٣.

(٢) نفس المصدر/حديث«١١» ص٤٤٥.

(٣) الوسائل/ج١٣/ باب «٧» من السلف/حديث«١»/ص٦٣.

(٤) نفس المصدر/ باب «٦» من السلف/ حديث«١»/ص٦٢.

{١٤٤}

بواسطة المفهوم «بوجود البأس في بيع الطعام بالطعام نسيئة وتقول بعدم الصلاح» تقيد هذه الاطلاقات، وهذه الروايات فيها الصحيح التي تصرح بالجواز يدا بيد فتقول «وسئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يدا بيد لابأس به»١ ومعناه وجود البأس في النسيئة.

ولاداعي لحمل هذه الاخبار على التقية لان مورده التعارض، ولاتعارض هنا لوجود الجمع الدلالي بتقييد المطلقات بغير النسيئة.

ولكن قد يقال: ان التسالم بين علماء الشيعة المؤيد بالاطلاقات يدل على الاعراض عن الروايات المانعة من بيع الطعام بالطعام نسيئة، وحينئذ يكون الاعراض موهنا لها، فان تم هذا فهو والا فالرأي ماذكرناه. اذن يكفي في تحقق الربا في بيع النسيئة كون العوضين من المكيل والموزون ولو كانا مختلفين. واما في تحقق ربا الفضل فلابد من كون العوضين مكيلين او موزونين وكونهما متماثلين مع الزيادة. هذا كله في صورة بيع المتخالفين مع الزيادة نسيئة، واما بيع المتخالفين مع التساوي نسيئة فلا توجد روايات تمنع منه، فيكون جائزا.

المتماثلان واصنافهما:

ذكر الفقهاء ان التمر باصنافه كلها يعد متماثلا (جنسا واحدا) من غير فرق بين الجيد والردىء، فلايجوز بيع بعضها ببعض الا متساويا، والدليل على ذلك اطلاقات الاخبار الواردة في المقام، وخصوص الاخبار الواردة في المنع من بيع التمر الجيد بالتمر الرديء الا متساويا، فمنها صحيحة عبد الله بن سنان٢ «قال

______________________________

(١) الوسائل/ ج١٢/ باب «١٣» من ابواب الربا/ حديث «٤» ص٤٤٣، والرواية صحيحة وغيرها ايضا يدل على هذا.

(٢) الوسائل/ج١٢/ باب «١٥» من ابواب الربا/ رواية «٢و٤»/ص٤٤٧.

{١٤٥}

سمعت ابا عبد الله (ع) يقول كان علي (ع) يكره ان يستبدل وسقا من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة، لان تمر خيبر اجودهما» اذا ضممنا لهذا المعتبرة القائلة ان عليا لايكره الحلال. وكذلك موثقة محمد بن قيس عن ابي جعفر (ع) ويمكن ان يستدل ايضا بمفهوم روايات «اذا اختلف الشيئان فلا باس به مثلين بمثل».

وكذلك اللحوم فانها تابعة للحيوانات، فلحم الغنم متماثل من غير فرق بين الضأن والمعز، ولحم البقر والجاموس متماثل، فلايجوز البيع متفاضلا بينهما وذلك لاتحاد العنوان، فتشمله اطلاقات الاخبارالمانعة من بيع المتماثلن الا متساويا.

اما الالبان: فهي تابعة للحيوان، فيجوز التفاضل بين لبن البقر ولبن الغنم، ولايجوز بين لبن البقر ولبن الجاموس، وكذلك الكلام في الادهان والخل، اذ ان الدهن تابع لما يستخرج منه، والخل تابع لما يصنع منه، فخل العسل يختلف عن خل التمر ولكن خل العنب والزبيب واحد، كل هذا لاتحادعنوان التمائل وعدم اتحاده عرفا فيتبعه الحكم، كما قررنا ذلك سابقا في بحث المثلية في البدلين، اذ قلنا بعدم جواز التفاضل في الفروع وفي الاصل والفرع الذي تحفظ معه الماهية ظاهرا وعند العرف، واما الفروع او الاصل والفرع الذي لم تحفظ معه الماهية ظاهرا وعند العرف فنلتزم بجواز التفاضل لصدق اختلاف الشيئين.

بيع اللحم بالحيوان

ذكر الفقهاء عدم جواز بيع اللحم بالحيوان، ونقل على ذلك الاجماع: ولم يخالف الا ابن ادريس ووافقه بعض من تأخر عنه، وقد خص بعض الفقهاء

{١٤٦}

المنع فيما اذا كان اللحم من جنس ذلك الحيوان، ولكن بعضهم اطلق المنع. ودليل المنع هو موثقة غياث بن ابراهيم١ عن جعفر بن محمد عن ابيه (ع) «أن عليا (ع) يكره بيع اللحم بالحيوان» فاذا ضممنا اليها المعتبرة القائلة ان عليا لايكره الحلال يتم دلالتها على المطلوب، وهي ظاهرة في بيع اللحم بالحيوان الحي كما ان اطلاقها يشمل مااذا كان اللحم من غير جنس ذلك الحيوان، وعلى هذا نقول: ان الحيوان الحي في ذلك الزمان ليس مكيلا ولاموزونا، وحينئذ يجوز بيع اللحم به متفاضلا لعدم وجود الربا، ثم ان الحيوان الحي قد يكون لحرمة اقل من اللحم المقابل، وبما انه مشتمل على الكبد والجلد والراس فيخرج عن الربا المحرم، اذن من هنا نستكشف ان النهي الوارد في الموثقة ليس لاجل وجود الربا، وانما هو نهي تعبدي شامل لصورة المساواة والزيادة.

ويؤيد الموثقة النبوي «نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع اللحم بالحيوان» واما الاجماع فهو وان كان متحققا لان خلاف ابن ادريس محدث فلا يخدش بالاجماع، الا ان الأجماع ليس تعبديا حتى يعتبر دليلا، وليس هو بحساب الاحتمال يثبت القطع بالحكم الشرعي، وذلك لوجود مدرك له.

ثم لاحاجة الى التنبيه بان هذا الحكم لايشمل بيع «السمك بالسمك» الحي اذا كان دليلنا هو الموثقة. والى هنا تم الكلام عن ضابط المثلية في البدلين ومايتعلق بها من ابحاث.

٢- ضابط الكيل والوزن:

وتفصيل الكلام عن مناط كون الشيء مكيلا او موزونا بذكر ما ذهب اليه المشهور اولا، وذكر دليلهم والمناقشة في ذلك قبل ذكر الاصل في المقام.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١١» من ابواب الربا/حديث«١»/ ص٤٤١.

٩
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{١٤٧}

فنقول: ذكر المشهور ان المناط هو اعتبار الكيل والوزن فيما بيع بهما في زمن الشارع، واذا كان الشيء مما لاتعرف كيفية بيعه في زمانه صلى الله عليه وآله ، فان كانت البلاد الاسلامية متفقة على تقدير معين اخذ به، وان كانت مختلفة فيما بينها فلكل بلد حكم نفسه، فان كان مقدرا يثبت فيه الربا والافلا.

ومستند المشهور: هو التمسك بوجوب حمل اللفظ١ في لسان الدليل على المتعارف عند الشارع، واذا لم تعلم عبادة الشرع فالتمسك بوجوب حمل اللفظ على العادة المتعارفة في البلدان، واذا لم يوجد عرف عام فالمرجع الى العرف الخاص القائم مقامه عند انتفائه٢.

وقد ادعي الاجماع على دعوى المشهور المتقدمة، وقد يتعارض مع هذا (قاعدة ان الاحكام معلقة على العناوين) فاذا لم يكن الشيء مكيلا او موزونا ثم صار كذلك فيلزمه ان نحكم بربوبيته وان لم يكن كذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله .

ويمكن ان يحل التعارض بأن نقول: ان الحكم لم يتعلق على وصف المكيل والموزون، بل على العوضين والمتماثلين او على المكيل والموزون اذا كانا في عصره صلى الله عليه وآله . ولكن حل التعارض غير صحيح اذا صرحت الروايات بتعليق الحكم على مايكال او يوزن، بل حصرت الربا فيه، وكذلك لم نجد في الروايات مايدل على تقييد المكيل والموزون في عصره.

بل غاية ما يمكن ان يستدل لهم هو حمل اللفظ في لسان الدليل على المتعارف عند الشارع كما تقدم.

______________________________

(١) واللفظ هنا هوا لدليل الذي دل على عدم جواز بيع المكيل بمثله الا متساويا، وعدم جواز بيع المكيل جزافا كما في صحيحة الحلبي التي تذكر فيما بعد «ما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لايصلح مجازفة» فقد حمل لفظ الكيل على عادة الشارع، فان لم تعلم فعلى عادة العرف العام، فاذا لم توجد فعلى العرف الخاص، أي لكل بلد حكمه.

(٢) المكاسب١/١٩٣.

{١٤٨}

ويرد عليه: ان كلمة المكيل في الادلة مطلقة ولاوجه لحصرها في فرد خاص بالاضافة الى وجود صحيحة الحلبي «في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم، وان صاحبه قال للمشتري ابتع مني من هذا العدل الآخر بغير كيل، فان فيه مثل مافي الاخر الذي ابتعته، قال لايصلح الا بكيل، وقال وما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لايصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام»١ وهذه الرواية ظاهرة في اعتبار المكيال عند المخاطب وفي عرفه وان لم يكن كذلك في عرف الشارع٢.

وقد اورد على الصحيحة بانها مجملة من ناحية «سميت فيه كيلا» فيحتمل انه سمىكل قسم بكيل ولم يكله ويحتمل انها كناية عن كيله وكونه مكيلا. الا ان الظاهر من الجملة هو كونه مكيلا في العادة فلااجمال. وكذلك اورد عليها من ناحية اشتمالها على خلاف المشهور من عدم تصديق البائع، ولكن هذا محمول على شراء المشتري من البائع العدل الثاني سواء زاد او نقص، خصوصا اذا لم يطمئن بصدق المخبر وهو البائع، لا ان المشتري يشتري العدل على انه القدر المعين الذي اخبر به البائع، فان هذا لايصدق عليه الجزاف.

واما ذكر الكراهة الى هذا البيع، فانها ليست ظاهرة في المعنى المصطلح (جواز الفعل) حتى تعارض ظهور لايصلح، ولايصح في الفساد. واما اذا تنزلنا وقلنا ان الكراهة اصطلاحية، فلايبعد ان يكون «لايصلح» استعمل في المبغوضية الناقصة وهي الكراهة، اما كلمة «لايصلح» فلم يثبت انها لسان رواية اخرى او انها لايصلح قد سقط منها اللام. اذن دلالة الرواية كافية على

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «٤» من ابواب عقد البيع/ حديث«٢»/ ص٢٥٤.

(٢) ذكر في المكاسب بان صاحب الحدائق ساق هذه الصحيحة كدليل للعرف العام. ولكن كما قلنا ان الصحيحة هي دليل للعرف الخاص لا العام. المكاسب١/١٩٣.

{١٤٩}

اعتبار المكيل عند المخاطب وفي عرفه، ومثلم الموزون اذ لافرق بينها من ناحية التقدير.

ولكن يمكن ان يقال: انه لم يعلم ان ما تعارف كيله او وزنه في عرف الائمة (ع) واصحابهم - الذين هم المستند في هذه الرواية - كان غير مقدر في زمان الشارع حتى تتحقق المنافاة، اذ ربما كان الكيل في زمان الائمة (ع) واصحابهم هو نفس الكيل في زمان النبي صلى الله عليه وآله ، او ان يقال١ ان مفهوم المكيل والموزون في الاخبار لايراد بهما كل شيء صار مكيلا او موزونا، وانما هما كالعنوان المشير الى موضوعه (اي المراد بهما المصداق الفعلي المعنون بهما في زمان المتكلم) وهذه الافراد التي صارت فيما بعد مكيلة مثلا لايعلم عدم كونها مكيلة او موزونة في زمان النبي صلى الله عليه وآله .

الا اننا نقول: ان هذا مخالف لظاهر عنوان مايكال ويوزن حيث ان ظاهر العناوين ان لها موضوعية فيراد بهما كل ما فرض صيرورته كذلك حتى تعم ما علم كونه غير مقدر في زمن الشارع اذا كيل او وزن فيمابعد، وتوضيح ذلك: ان الروايات الواردة في اعتبار الكيل والوزن اكثرها صدرت من قبل الامامين الباقر والصادق (ع) ونحن نعلم ان الفارق الزمني بينهما وبين زمان النبي صلى الله عليه وآله قرن ونصف، قد حدثت فيه تحولات اجتماعية كثيرة نتيجة للتلاقح الحضاري كما ينقل ان كثيرا من الاشياء المكيلة في مجلس للمنصور كان فيه مالك بن انس قد بدلت الى الموزونة.

ومن الملاحظ ان الكر والصاع والمد والرطل كانت اسامي لمكاييل خاصة في عصر النبي صلى الله عليه وآله وتبدلت الى الاوزان بعد ذلك، وعلى كل حال فلو كان عنوان المكيل والموزون الوارد في الروايات النبوية، مشيرا إلى

______________________________

(١) في رد الاطلاق وهو الدليل الاول.

{١٥٠}

انواع خاصة كانت مكيلة او موزونة في عصر النبي صلى الله عليه وآله لكان على الائمة (ع) - وهم في مقام البيان - ان ينبهوا الى هذه الظاهرة، فعدم التنبيه وهو اطلاق مقامي يقتضي الحمل على المكيل والموزون بما هما كذلك، لابماهما معرفان لما كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله . هذا كله بالاضافة الى القاعدة العامة - فيما لودار الامر في عنوان بين موضوعيته ومعرفيته - من حمله على الموضوعية، وهو مقتضى التطابق بين مقام الاثبات (الظهور) ومقام الثبوت (الواقع والارادة الجدية) وهذا هو اساس اصالة الظهور.

والخلاصة: ليس الكلام في مفهوم المكيل والموزون، لوضوحهما، اذ المكيل مايوضع في المكيال (اي ما من شأنه ان يوضع في المكيال) والموزون مايوضع في الميزان، بل الكلام في افراد هذا المفهوم١ فاما ان يراد منهما ما كان في عرف المتكلم او العرف العام او في عرف كل مكلف؟ فلاوجه لقول المشهور من حمل اللفظ في الرواية على ما كان في زمان الشارع ثم على العادة المتعارفة في البلدان، اذ لايمكن استفادة هذا الترتيب من الرواية، اذ لاتدل على اعتبار الكيل فيما لوشك في كونه مقدرا في زمان الشارع مع تعارف التقدير فيه في الزمان الاخر، ولاتدل ايضا على اعطاء كل بلد حكم نفسه مع اختلاف البلدان، اذن دلالة الرواية على ماتعارف تقديره عند المتبايعين، فيكون المكيل والموزون الذي هو شرط في تحقق الربا ما كان كذلك متعارفا عندهما.

وبعبارة اخرى: اذا كان الظاهر من المكيل والموزون هو الموضوعية لاكونه مشيرا الى افراد معينة، فحينئذ يدخل المكيل والموزون تحت ضابطة المشتق

______________________________

(١) فلاوجه لما ذكره في الحدائق من تمسكه بأن المرجع في الالفاظ عرف الشارع فالمكيل ما كان في زمان الشارع، وكذا الموزون والمعدود. اذ لااشكال في معنى اللفظ كما هو واضح. المكاسب١/١٩٣.

{١٥١}

من أنه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ، وهذا التلبس بالمبدأ لايراد منه الفعلية، وانما المراد منه الشأنية والملكة، أي يراد منه ما كان مكيلا وموزونا ومن شأنه ذلك عند المتبايعين. ويؤيده مضمر علي بن ابراهيم١«ولاينظر فيما يكال او يوزن الا الى العامة، ولايؤخذ فيه بالخاصة فان كان قوم يكيلون اللحم ويكيلون الجوز فلايعتبر بهم، لان اصل اللحم ان يوزن واصل الجوز ان يعد» فالميزان في هذه الرواية هو الشأنية والملكة لما يكال او يوزن. وبما ان العرف العام فيه هذه الشأنية ولم توجد عند الخاصة، فجعل الميزان هو العرف العام لا الخاص.

ولكن يبقى شيء واحد ينافي هذا القول الذي دل عليه الدليل، وهو ثبوت بعض الاشياء بأنها ربوبية كالحنطة والتمر والزبيب وغيرها مما ذكرته الروايات وان لم يكن مقدرا في يوم ما. ويمكن حل المنافاة: بأن نلتزم بأنها اعواض وامثال ربوية لوجود الاحكام المشهورة باجماع منقول تعضده الشهرة، فيكون الحكم بربويتها تعبدا من الشارع، وان لم تكن ربوية موضوعا، حيث لايمكن ان نلتزم بانها ربوية موضوعا وهي لاتقدر في ذلك الزمان، ونخلف الدليل الذي دل على تعارف تقديره عند المتبايعين، لان صحيحة الحلبي لايمكن مخالفتها عند الجميع.

كما يمكنها ان نقول: بأن ربوية هذه الاشياء ثابتة عند الشارع في ذلك الوقت، لان ملاك ربويتها تحقق في ذلك الوقت وهو كونها مقدرة، وهذا لاينافي عدم كونها ربوية اذا تعارف عدم تقديرها في زمان ما، فنلتزم بانها ليست بربوية لعدم وجود التقدير، وهذا هو الاقوى.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «٦» من ابواب الربا/حديث«٦»/ ص٤٣٥.

{١٥٢}

واما ما ذكروه من ان البلاد الاسلامية اذا كانت متفقة على الكيل او الوزن اخذ به اذا لم تعرف حالة الشرع، حملا للفظ على ماتعارف عند الناس من عاداتهم، فانه فرع كون الحكم معلقا على الوزن والكيل من دون تقييد، ولكنهم لايمكنهم قبول هذا التفريع لانهم اما ينكرون كون الحرمة معلقة على الكيل او الوزن او يعترفون بها ولكنها مقيدة بزمان الشارع صلى الله عليه وآله فلاوجه لما ذكروه.

وكذلك لاوجه لما ذكر من ان لكل بلد عرفه الخاص اذا لم يوجد عرف عام لما تقدم.

ثم انه اذا انتهينا الى ان الرواية تدل على ما تعارف تقديره عند المتبايعين من الكيل او الوزن، فربما يتسائل عن معرفة كون الشيء مكيلا او موزونا؟.

وبما تقدم يعرف الجواب عن هذا السؤال «وهو ما يكون من شأنه ان يوضع في الكيل او الوزن» ويمكن معرفة ذلك ايضا بالسؤال عن ماليته من اهل الخبرة كما اذا سئل التاجر كم من الرمان تملك؟ فيقول مثلا املك خمسين وزنة، واذا سئل كم من الجص تملك؟ فيقول املك خمسين كيلة خاصة، واذا سئل كم من البيض تملك؟ فيقول املك مائة بيضة، فيعرف مثلا ان الرمان موزون والجص مكيل والبيض معدود، وهذا كاشف عن ان مالية الاول عند العقلاء تعرف بالوزن، والثاني بالكيل والثالث بالعد.

بيع المكيل بالوزن وبالعكس:

بعد ان بينا المراد من الكيل والوزن، فهل يصح بيع المكيل بواسطة الوزن متساويا؟ وهل يصح بيع الموزون بواسطة الكيل متساويا؟ فمثلا اذا كان الجنسان مما تعارف فيهما الوزن ولكن وقعت عليهما المعاملة بالكيل وكانا متساويين من ناحية الكيل، ولكنهما من ناحية الوزن يختلفان او لم يحرز تساويهما

{١٥٣}

فهل يلزم الربا ام لا؟.

وننبه اولا الى ان هذه المسألة فيها اشكالان: الاول من ناحية الربا اذا كان العوضان متماثلين، والثاني من ناحية الغرر والجهالة في البيع. وقد يجاب بجواز ذلك اذا كان الكيل امارة على الوزن او بالعكس كما اذا كان الشيء موزونا عند العقلاء بأن تعرف ماليته بالثقل كالذهب والفضة ولكن لاجل السهولة جعل الكيل امارة للوزن الخاص، فهنا لااشكال في صحته لعدم الجهالة وعدم التفاوت. واما اذا كان الموزون يباع بالكيل من غير ان يكون الكيل امارة على الوزن وبالعكلس فهل يصح هذا البيع؟.

وقد ذكر في ملحقات العروة١ جواز بيع المكيل بالوزن، دون العكس، واستدل:

١) بأضبطية الوزن من الكيل فلو استعملنا الاضبط فهو اولى.

٢) بأن الوزن اصلا في الكيل واسبق زمانه منه، والرجوع الى الاصل اولى.

وقد نوقش الدليل الاول بأن الازمان السابقة تختلف فيها الاوزان عند مختلف البائعين وليس للاوزان حد واحد عند الجميع، وربما كان هنا كبعض المكاييل اضبط من الاوزان كاللتر، ولكن الحق ان الاوزان بصورة عامة وان لم تكن متحدة عند جميع البائعين الا انها اضبط من المكاييل في ذلك الزمان عند جميع البائعين، وصاحب العروة (قده) لايدعي ان الموازين ليس فيها اختلاف واختلال وانما يدعي اضبطتيها من الكيل وهو صحيح.

نعم يرد على الدليل الاول ان الاضبطية في الوزن لاترفع الغرر ولاتوجب التماثل، لان الغرض العقلائي لمالية الشيء اذا كن هو الكيل (معرفة الحجم) وبه تعرف المماثلة للشيء فمجىء الاضبط اذا كان لايكشف عن المماثلة العقلائية

______________________________

(١) ٣/٣٧ - ٣٨.

{١٥٤}

ولايرتفع به الغرر فلا فائدة فيه. وربما يكون اتحاد الوزن فيما يكال موجبا لاختلاف القيمة عند العقلاء، فمثلا اذا كان شيئا يباع بالكيل واردنا بيعه بالوزن فلاتعرف القيمةحينئذ، حيث ان الخفة قد تكون هي ميزان القيمة عند العقلاء مع الحجم، فاذا اردنا ان نجعل الثقل وهو الوزن اساس القيمة فلا يكون هذا معروفا عند العقلاء.

وقد يناقش الدليل الثاني بعدم وجود دليل عليه، اذ لعل الكيل هو الاصل وهو قريب مع ملاحظة المجتمعات البدائية، فان تعيين حجم الاشياء مثل الحنطة وغيرها بالكيل يكون اخف واسهل من معرفتها بالوزن، والانسان في بداية امره يتوسل بالاشياء السهلة كالكيل ثم يتعمق ويصل الى الاشياء الدقيقة، بالاضافة الىان الوزن لاتنفعنا اسبقيته من الكيل، اذ الذي ينفع في المقام هو رفع الجهالة في البيع وحصول التساوي في مبادلة المتماثلين، واذا فرضنا ان العقلاء تعلق غرضهم بالحجم وبه ترتفع الجهالة ويحصل التساوي، فحينئذ استعمال الوزن لاترتفع به الجهالة عند العقلاء ولايحصل به التساوي.

اذن الصحيح هو يجب بيع المكيل بالمكيل والموزون بالوزن وذلك: لان المقاييس عند البشر مختلفة، فان تعلق الغرض العقلائي بالوزن فمعنى ذلك ان هذا الشيء عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف ثقله، وان تعلق الغرض العقلائي بالكيل. فمعنى ذلك ان هذا الشيء عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف حجمه، وان تعلق الغرض العقلائي بالمساحة فمعنى ذلك ان القماش مثلا عند العقلاء تختلف ماليته باختلاف الأمتار، اذن كل مقياس اذا استعمل في الغرض العقلائي عند البشر فقد ارتفعت الجهالة فيصح البيع، او حصلت المماثلة العرفية العقلائية فيصح مبادلة المتماثلين. فمثلا الحنطة والشعير لابد من بيعهما مثلا بمثل وهما موزونان عند العقلاء فلابد من المماثلة بالوزن لان قيمتهما بالثقل، فلو استعملنا

{١٥٥}

معها الكيل فربما لايكون بينهما تماثل بالوزن وان كان التماثل بالكيل، فيتحقق الربا لعدم حصول المائلة الخاصة التي اعتبرها العقلاء في الحنطة والشعير التي هي ميزان التماثل، وكذلك في البطيخ والرقي وامثالهما، حيث ان المعتبر فيها عند العقلاء اذا كان هو الوزن، ونحن اردنا نبيعها بمثلها كيلا، وكذلك الشيء الذي يباع بالامتثار كالفرش، فاذا اردنا بيعه بالوزن فلا تعرف قيمته عند العقلاء ويحصل به الغرر.

وبهذا يظهر ضعف القول الذي ذكره في الدروس من كفاية كل من الوزن والكيل عن الاخر مطلقا، واستدلاله بخبر وهب وهو قوله (ع) «لا بأس بسلف مايوزن فيما يكال ومايكال فيما يوزن»١ غير صحيح اذ المراد من الخبر اسلاف الموزن فيما يكال وبالعكس لاعمال احدهما في موضع الاخر، بالاضافة الى ان الرواية ضعيفة باكذب البرية.

تحقيق الاصل في المقام:

اذا شككنا في شيء انه يباع موزونا او مكيلا و بغيرهما؟.

فان قلنا بمقالة المشهور من ان المعتبر هو ما كان مكيلا او موزونا في زمن الشارع المقدس، فمالم يعلم انه كذلك فالاصل اللفظي هو حلية البيع، حيث ان الربا محرم الا فيما اذا لم يكن مكيلا او موزونا، وعدم كونه مكيلا او موزونا نحرزه بالاصل العملي لانهما حادثان والاصل عدمهما، وبهذا الاصل العملي يتنقح موضوع حلية البيع، فلا وجه لما ذكره في العروة٢ من ان التمسك بالعمومات نقول به اذا قلنا بالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، حيث ان

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣/ باب «٧» من ابواب بيع السلف/حديث«١»/ص٦٣.

(٢) العروة الوثقى٣/٣٣.

{١٥٦}

التمسك بالعام في الشبهة المصداقية انما يكون فيما اذا لم ينقح موضوع العلم بالاصل العملي كما اذا قال اكرم العالم ولا ادري ان زيدا عالم ام لا؟ فاتمسك بالعموم اما هنا فليس كذلك كما تقدم١.

وأما اذا قلنا بان المدار يكون بالكيل والوزن في عرف المتبايعين، وشككنا ان هذا الشيء مكيل او موزون؟ فأيضا يكون الاصل اللفظي هو حلية البيع بنفس التقريب المتقدم موضوع الحلية بالاصل العملي والتمسك بالعام.

واما الاصل العملي فقد تقدم وهو لايفيدنا لان الاثر لايترتب به بل بسببه وهو التمسك بالعموم.

وفي تفاضل المتماثلين اذا لم يكونا مكيلين او موزونين: أي اذا كانا معدودين».

وبناءا على ما تقدم من حدود موضوع الربا نقول بالجواز هنا، لان الربا كما تقدم في المتماثلين اذا كانا مما يكال او يوزن وهنا لاكيل ولاوزن، فيبقى داخلا تحت العموم الفوقاني من حلية العقود والامر بالوفاء بها، مضافا الى اطلاق الاخبار المستفيضة النافية للبأس عن البيضة بالبيضتين والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين والثوب بالثوبين، بناء على كونه معدودا. وطريق الجمع بين رواية المنع وعدم البأس هو حمل المنع على ارادة الكراهة الاصطلاحية.

والروايات كثيرة منها:

١ - موثق منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن البيضة بالبيضتين قال لابأس به، والثوب بالثوبين، قال: لا بأس به، والفرس بالفرسين فقال: لابأس به، ثم قال: كل شيء يكال او يوزن فلايصلح مثلين بمثل اذا كان

______________________________

(١) وهذا لاينافى ما عليه المشهور من اصالة الفساد في المعاملات، لان اصالة الفساد محكومة بأصالة «عدم الشرطية».

{١٥٧}

من جنس واحد، فاذا كان لايكال ولايوزن فلابأس به اثنين بواحد»١ وغيرها كثير.

واما الرواية المانعة: فهي صحيحة محمد بن مسلم قال٢: «سألت ابا عبد الله (ع) عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين. فقال: كره ذلك علي عليه السلام، فنحن نكرهه الا ان يختلف الصنفان... الخ» وطريق الجمع بين هذه وماتقدم ماتقدم.

وهذا الذي ذكر هو المشهور الذي ادعي عليه الاجماع بأنه لاربا في المعدود سواء كان البيع نقدا و نسيئة، ولكن قد يقال بان المستفاد من الروايات هو المنع من بيع النسيئة في المتماثلين حتى اذا كانا من المعدود، وحينئذ تقيد اطلاقات روايات «لاربا الا فيما يكال او يوزن» بغير النسيئة كما انه مقيد بغير الربا القرضي حتما، وكذلك تقيد الروايات المتقدمة الدالة على جواز بيع المعدود بأكثر منه مطلقا بغير النسيئة. والروايات المقيدة هي:

١ - صحيحة زرارة٢ عن ابي جعفر (ع) قال: «البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس» فان التقيد بقوله «يدا بيد» ظاهر في ان مطلق البيع ليس موضوعا لعدم البأس، بل الحصة الخاصة منه وهي البيع النقدي هو الذي لابأس به.

٢ - صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله ٤ قال «سألت ابا عبد الله (ع) عن العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم . قال: لابأس بالحيوان كله يدا بيد» بناء

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٦» من ابواب الربا/ حديث«٣»/ ص٤٤٨.

(٢) نفس المصدر/ حديث«٧»/ ص٤٤٩ ومثلها في المعنى صحيحة ابن مسكان عن الصادق «ع».

(٣) نفس المصدر باب«١٧» حديث«١»/ ص٤٤.
(٤) نفس المصدر حديث«٦»/ص٤٥٠.

{١٥٨}

على ما رواه في الكافي ولفقيه والتهذهب، نعم في الاستبصار زيادة قوله «ونسيئة» ولكن هذه الزيادة ليست في جميع نسخ الاستبصار، اذ في طبعة الهند في الجزء الثاني١ ذكرت الرواية بدون كلمة «ونسيئة»، هذا وقد راجعت النسخة الخطية لهذه الطبعة لاحتمال الخطأ في الطبع، ولكن ظهر ان النسخة الخطية هي ايضالاتوجد فيها كلمة «ونسيئة»٢ كما وتوجد نسخة خطية اخرى٣ قرئت على المجلسي رحمه الله ولم يكن في الرواية ايضا كلمة «ونسيئة». اذن الترجيح للرواية الخالية من كلمة «ونسيئة».

ولكن هناك رواية خاصة استدل بها على تجويز النسيئة وهي:

١ - صحيح زرارة السابق عن الباقر عليه السلام «البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس. وقال: لابأس بالثوب بالثوبين يدا بيد ونسيئة هذا وصفتهما». والاحتجاج بها واسقاطها من الادلة المقيدة للجواز بغير النسيئة في المعدودات مع التفاضل متوقف على ان يكون سند الذيل هو سند الصدر، وهو غير ظاهر لجواز كونه رواية مستقلة مرسلة عن الصدوق، اذ نص الصدوق هو: (وروى جميل بن دراج عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس وقال: لابأس بالثوب بالثوبين يدا بيد ونسيئة اذا وصفتهما) ويؤيد عدم كون الذيل من الراوية نقل الكافي للرواية عن زرارة عن

______________________________

(١) ص٥٦.

(٢) الاستبصار «نسخة خطية» ص٤٨٢ تحت رقم «٣٥٥١» في مكتبة السيد النجفي المرعشي بقم.

(٣) الاستبصار «نسخة خطية» الكتاب غير مرقم/تحت رقم «٣٥٩٠» في مكتبة السيد المرعشي بقم.

{١٥٩}

أبي جعفر (ع) ولم يذكر ذيلها، وقد ذكر الشيخ في التهذيب نقل الرواية باسناده عن الحسين بن سعيد بدون ذكر الذيل٢، بالاضافة الى ان صدرها دليل على ضعف قول المشهور.

٢ - رواية سعيد بن يسار «قال سألت ابا عبد الله (ع) عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة. فقال: نعم لابأس اذا سميت الاسنان جذعين او ثنبين، ثم امرني فخططت على النسيئة لان الناس يقولون لا فانما فعل ذلك للتقية»٣ ورويت في الكافي الى قوله فخططت على النسيئة٤ وكذلك في التهذيب٥ من دون ذكر اذا سميت الاسنان جذعين او ثنيين. وحينئذ يكون قوله «لان الناس يقولون لا...» الخ من كلام الصدوق.

ومع قطع النظر عن هذا فان الرواية يحتمل فيها اثبات النسيئة، وعدم الخط عليها للتقية، ثم بعد ارتفاع سبب التقية امره بالخط عليها، ويحتمل العكس كما ادعاه الصدوق. اذن الدليل على الربا في المتماثلين نسيئة موجود وان لم يكال او يوزن ولم يكن له معارض. هذا بالاضافة الى ان رواية سعيد بن يسار في سندها عثمان ابن عيسى وهو واقفي لم يوثق، ولكنه ممدوح، فعلى مسلك من لايعمل

______________________________

(١) الكافي/ج٥ باب المعاوضة في الحيوان والثياب وغير ذلك/ص١٩٠ حديث«١».

(٢) التهيب/ج٧/ باب بيع الواحد بالاثنين واكثر من ذلك/ ص١١٧ حديث«١١٧».

(٣) الوسائل/ج١٢/ باب «١٧» من ابواب الربا/حديث«٧»/ص٤٥١.

(٤) الكافي/ج٥/ باب المعاوضة في الحيوان والثياب وغير ذلك/حديث«٤» ص١٩١.

(٥) التهذيب/ج٧/ باب بيع الواحد بالاثنين واكثر من ذلك/حديث«١١٦» ص١١٧ - ١١٨.

{١٦٠}

بالحسن لاتكون هذه الرواية معارضة للصحاح كما هو الصحيح.

وبهذا التقريب اصبحت عندنا صورة اخرى للربا في غير المكيل والموزون فنخص ادلة «لاربا الا في الكيل والوزن» بغير النسيئة في المعدود.

هذا كله اذا كان بيع المعدود بمثله مع الزيادة، فان الروايات ذكرت لابدية ان يكون نقدا، اما نسيئة فلايجوز، واما اذا بعنا المعدود١ بمثله من دون زيادة نسيئة فهنا لايوجد منع من قبل الروايات وتشمله الادلة العامة «اوفوا بالعقود». ولايقال ان الزيادة هنا حكمية لان للاجل قسطا من الثمن، لاننا نقول ان الزيادة الحكمية «كالاجل» توجب ربوية المعاملة لان الدليل في المكيل والموزون اشترط التماثل، ومع وجود الزيادة الحكمية لاتماثل فيحصل الربا. اما هنا «في المعدود» فلم يشترط الدليل التماثل وانما اشترط في صورة التفاضل كون البيع يدا بيد، اما كون البيع متفاضلا مع النسيئة فلا، وحينئذ تبقى صورة بيع المعدود متساويا نسيئة خارجة عن مدلول الروايات فنشك في ربويتها فيشملها «اوفوا بالعقود» و«احل الله البيع»، على ان الاصل العملي ايضا عدم الحرمة. والى هنا تم الكلام عن ضابط الكيل و الوزن.

٣ - ضابط الزيادة المحرمة:

وقد تقدم الكلام عليها، ولكن المساواة التي هي شرط البيع هل يراد منها المساواة وقت الابتياع ام حالته وبعده؟.

والجواب: ان الظاهر من النصوص التي تشترط المساواة لصحة البيع هي المساواة حال العقد، فيجوز بيع كل ماله حالتا رطوبة وجفاف بعضه ببعض

______________________________

(١) هذا على مبنى من لم يقل ان بيع المعدود بمثله نسية هو قرض والا فلا اشكال في الجواز اصلا.

{١٦١}

(اي يجوز بيع الرطب بالرطب حتى اذا اختلفت نسبة الرطوبة، واليابس باليابس حتى اذا اختلفت نسبة اليبوسة، والرطب باليابس) اذا كانا متساويين وقت الابتياع.

ولكن النصوص التي تمنع من بيع الرطب باليابس المعللة لعدم الجواز بنقصان الرطب اذا جف عن مثله الجاف، تقتضي الحرمة لعدم المساواة المتأخرة عن وقت الابتياع، فتكون شرطا في الجواز، والشك في المسواة المتاخرة عن وقت الابتياع شك في الجواز.

والاخبار كثيرة منها: «صحيحة الحلبي١ عن ابي عبد الله (ع) قال: لايصلح التمر اليابس بالرطب من اجل ان التمر يابس والرطب رطب، فاذا يبس نقص». وغيرها من الروايات التي تعبر بعدم الصلاح (لايصلح)، ولاوجه لحملها على الكراهة كما فعل البعض لانها تفيدنا فائدة اخرى غير التي ذكرتها الروايات من المسواة وقت العقد، والفائدة هي المساواة بعد العقد، ولايعارضها شيء حتى تحمل على الكراهة.

وبما ان العلة التي ذكرها صحيح الحلبي عامة (وهي نقصان الرطب اذا جف) نتمكن من القول بعدم صحة بيع الرطب بالرطب متساويا اذا كان احدهما اكثر رطوبة بحيث ينقص اذا جف، وكذلك اذا بيع اليابس باليابس متساويا اذا كان احدهما اكثر جفافا، للعلة الموجودة هنا.

وكذلك نتمكن من القول بشمول العلة للرطوبة العرفية كالحنطة المبلولة باليابسة. ويمكن منعها من ناحية اخرى حيث انها عبارة عن بيع من الحنطة بمن وزيادة، والزيادة كانت في مقابل الماء فلامساواة حال الابتياع.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٤» من ابواب الربا/ حديث«١»/ ص٤٤٥. وقد روى مثل ذلك ابناءالعامه عن النبي «ص».

{١٦٢}

والخلاصة: اننا نستفيد من الادلة المتقدمة اشتراط التساوي حالة البيع وفيما بعد البيع في خصوص ماله رطوبة وجفاف، وكل دل عليه دليله الخاص، ولا منافاة بينهما، فنعمل بهما معا، ولذا لوزاد في الرطب زيادة بحيث لوجف فنقص فانه يساوي التمر، فالربا موجود لعدم التساوي حالة الابتياع.

الزيادة بعد العقد:

ثم اننا لو فرضنا زيادة احد العوضين بعد الابتياع على حال الابتياع، كما لو باع رطبا في اول اوانه بتمر متساويا، ثم بعد مدة زاد الرطب لزيادة رطوبته الناشئة من رواجه، فما هو الحكم هنا؟.

والجواب: اننا لو نظرنا الى العلة التي ابطلت العقد نراها هي النقصان عند الجفاف وهي غير موجودة هنا، فلانحكم بالبطلان، بالاضافة الى اطلاقات الحل.

ولكن يمكن ان يقال: ان العلة التي ذكرت في بطلان هذه المعاملة وهي النقصان عند الجفاف انما هي اشارة الى عدم المساواة التي هي شرط فيما بعد البيع كما تقدم، وحينئذ اذا زاد احد العوضين على حال الابتياع، فلم يتحقق شرط المساواة فيحكم بالبطلان، وهذا هو مقتضى عدم الجمود على حاق اللفظ، فان الشارع اراد ببيان العلة ان يفهم الطرف المقابل بأن الجفاف في اكثر الاحيان يوجد نقيصة احد الطرفين، فلم تحرز المساواة التي هي شرط فالمنع هو المتجه.

ولازم هذا هو عدم جواز بيع الحليب بالجبن او الاقط متساويا حيث ينقص الحليب اذا جعل جبنا او اقطا، وكذا بيع التمر بدبسه والعنب بدبسه لنفس العلة، وكذا بيع الحنطة والشعير بالسويق، ولكن القائل بهذا المسلك لايلتزم بذلك ولانعلم السبب في ذلك مع عموم العلة.

وقد نقول لعل السبب احد أمرين:

{١٦٣}

١) ان الرطب والعنب وماشابههما بنفسه يجف ولاننقص نحن منه شيئا بخلاف اللبن الذي نصنعه جبنا، اذ نأخذ منه شيئا وهو الذي يكون جبنا ويبقى الباقي، وهذا نظير ما اذا اخذنا ربع كيلو من التمر فصار ثلاثة ارباع الكيلو في مقابل الكيلو.

٢) يمكن ان يدعى في المقام ظهور الاخبار في العوضين الذي يكون اكثر الانتفاع بهما في حالة جفافه، كالرطب والزبيب، اما العوضان اللذان اكثر ماينتفع بهما حالة عدم الجفاف فلاتنظر اليها الاخبار ولاتشترط التساوي بعد العقد.

هذا وقد ذهب البعض الى كراهة بيع الرطب بالتمر متساويا حالة الابتياع للعلة التي ذكرت وهي نقصان الرطب اذا جف، ووجه الكراهة ليس هو عدم ظهور الادلة في المنع، والتعبير بالصحيحة المتقدمة بأنه لايصلح او في غيرها بكراهة امير المؤمنين (ع) كما في العروة انه ظاهر في الكراهة المصطلحة، اذ ان التعبير بلا يصلح والكراهة اذا ضممنا اليه ماورد في المعتبرة، من ان عليا (ع) لايكره الحلال يكون ظاهرا في الحرمة، خصوصا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان السائل يريد الحكم الشرعي من الجواز او الحرمة وقد وردت لفظة «لايصلح في الحرامة»١، بالاضافة الى ان نفس الكراهة في زمن الرواية ظاهرة في المبغوضية الشديدة فلا يمكن ان يراد منها ما اصطلح عليه القوم بعد ذلك.

وانما الوجه في الذهاب الى الكراهة هو وجود نصوص تصرح بالجواز، وحينئذ تكون هذه النصوص قرينة على ارادة الكراهة الاصطلاحية من كراهة علي عليه السلام ومن كلمة «لايصلح»، فمن تلك الروايات رواية ابن أبي الربيع٢ قال «قلت لابي عبد الله (ع) ماترى في التمر بالبسر الاحمر مثلا بمثل،

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٦» من ابواب الربا/ حديث«٣»/ص٤٤٨.

(٢) الوسائل/ج١٢/ باب «١٤» من ابواب الربا/ حديث«٥»/ص٤٤٦.

{١٦٤}

قال: لابأس، قلت: فالبختج١ والعنب مثلا بمثل، قال: لابأس». ولكن الرواية ضعيفة بابن أبي الربيع وجهالة غيره.

ومنها موثقة سماعة قال«سئل ابو عبد الله(ع) عن العنب بالزبيب. قال لايصلح الا مثلا بمثل. قال: التمر والرطب بالرطب مثلا بمثل» وهذه الرواية تفيد الجواز اذا بيع الرطب بالجفاف متساويا، فتكون قرينة على ارادة الكراهة من روايات المنع، وهذا هو طريق الجمع بين الروايات المعتبرة. وبهذا تكون النتيجة هي اشتراط المساواة بين العوضين حال البيع فقط.

وبهذا نعرف ضعف بقية الاقوال أيضا، كالقول «بالمنع في خصوص بيع الرطب بالتمر والجواز في غيرهما»٢ وكالقول «بالتفصيل فيما عدا الرطب والتمر بين كون الرطوبة ذاتية فيجوز كبيع العنب بالزبيب، وعرضية كالحنطة المبلولة بالجافة فلايجوز لان الرطوبة في مثل العنب من اجزائه فيصدق كونه مثلا بمثل بخلاف العرضية فانها خارجة فلاتصدق المماثلة بين العوضين»٣.

والى هنا تم الكلام عن ضابط الزيادة المحرمة.

بيع الصرف:

وبما ان بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، من بيع الصرف، فيه احكام زائدة على بقية الربويات من بيع التمر بالتمر والحنطة بالحنطة، رأينا ان نفرد له بحثا مستقلا لمعرفة حقيقته فنقول: يشترط فيه زائدا على الربويات التقابض في المجلس كما دلت عليه الروايات الكثيرة الصحيحة٤ ولانرى حاجة للاستدلال

______________________________

(١) البختج: العصير المطبوخ «والمجهول هو خالد».

(٢،٣) الوثقى ٣/٤١.

(٤) الوسائل/ج١٢/ باب «٢» من ابواب الصرف/ص٤٥٨ - ٤٥٩.

{١٦٥}

على انه من الربويات بعد التصريح في الروايات واشتراط المساواة عند البيع١. حيث أنها موزونة، وحتى المسكوك منها كذلك، وبعد معرفتنا ايضا بأن العد في بعض الازمنة او الاحوال اما يكون اعتمادا على معلومية وزنها قبل ذلك.

ثم ان اشتراط التقابض في المجلس في بيع الصرف فهو المشهور شهرة عظيمة، بل ادعي عليه الاجماع. نعم هناك روايات وفيها المعتبر تجوز بيع الدنانير بالدراهم نسيئة، الا ان الاصل فيها عمار الساباطي٢.

ومقتضى الصنعة ان يكون عدم التقابض في المجلس مكروها للجمع بينهما، كما توجد في الروايات اشارة لهذا الجمع «ما احب ان يفارقه حتى يأخذ الدنانير» «وما أحب أن أترك منه شيئا حتى أخذه جميعا فلا تفعله»٣.

ولكن الفقهاء اعرضوا عن روايات عمار وقالوا بأنها لاتعارض الاخبار الكثيرة السابقة. وبعضهم حملها على التقية. نعم هناك رواية ضعيفة٤ تجوز بيع الدنانير بالدراهم نسيئة فهي غير صالحة للقرينية كروايات عمار المعرض عنها.

والتحقيق: انه لو تم اجماع على مانحن فيه فهو وان كان المخالف ابن بابويه والا فالمتجه هو ماتقتضيه الصناعة لعدم المعارضة حيث ان الروايات التي تمنع من عدم التقابض في المجلس لصحة المعاملة، تنهي عن عدم التقابض اذ فيها «لايبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد، ولايبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد»، «فلا تفعله»٥، وحينئذ لو كانت هناك روايات تجوز بيع الصرف نسيئة فيكون النهي

______________________________

(١) تراجع روايات لاربا الا في المكيل والموزون، وروايات لايباع المتماثلان الا سواء بسواء.

(٢) الوسائل/ج١٢/ باب «٢» من ابواب الصرف/حديث«١٠، ١١،١٢، ١٤» ص٤٦٠ - ٤٦١.

(٣ و٤) نفس المصدر/حديث«١و٩» «ص١٣ و١٥».

(٥) نفس المصدر السابق/ حديث«٣و٩».

{١٦٦}

الذي ليس نصا في الحرمة، محمولا على الكراهة.

نعم، لو كان المانع من عدم التقابض في المجلس في بيع الصرف بلسان «يشترط» او «لايصلح» او ما هو بمعناهما، فيتحكم التعارض ونرجع الى اعمال قوانينه.

وبناء على المشهور يكون القبض في المجلس شرط الملك، فاذا لم يقبض لم يحصل الملك لانتفاء الشرط. ولكن عند مراجعة الروايات نراها تشترط التقابض في المجلس في بيع الذهب بالفضةاو العكس، واما في صورة بيع الذهب بالذهب او الفضة بالفضة الذي هو محل كلامنا فلم نجد رواية تدل على شرط التقابض في المجلس. وايضا لم يأت شرط التقابض في عنوان بيع الصرف حتى نتمكن من القول بأن الاطلاق كاف في اعتباره في بيع الذهب والفضة بمثلهما، فيمكن التشكيك في شرطيته هنا، وحينئذ لم يكن لهما مزية على بقية الاجناس الربوية١.

ومما يؤيد هذا الاحتمال هو عدم الاختلاف والتنازع فيما لوزادت قيمة الذهب او نقصت اذ القيمة تزداد او تنقص في كلا العوضين لذهبيتهما، اما لوباع الذهب بالفضة ولم يقبض في المجلس، فربما تزداد قيمة احدهما او تنقص فيوجب الاختلاف والنزاع، فأراد الشارع قطع النزاع باشتراط القبض في المجلس وانهاء المعاملة نهائيا، بينما هذا غير موجود في بيع الذهب بمثله والفضة بمثلها. واما الاجماع على التقابض اذا تم فهو دليل لبي يقتصر فيه على القدر

______________________________

(١) هذا وقد كنا في ريب من ابداء عدم شرطية التقابض في بيع الذهب بمثله، لكن زال هذا الريب عندما شاهدنا استاذنا الشهيد الصدر «رضوان الله عليه» يذكر في كتابه البنك اللاربوي الذهاب اليه، وقد افتى السيد الشهيد على وفق هذا المبنى في تعليقته على منهاج الصالحين٢/٧٦ التعليقة رقم«١٦٦».

{١٦٧}

المتيقن.

ولكن يمكن ان يقال بوجود تعبير في الروايات يمكن ان يكون دليلا على التقابض في بيع الذهب بمثله والفضة بمثلها وهو الفضة بالفضة وزنا بوزن والذهب بالذهب وزنا بوزن» فاذا اضفنا اليها عدم احتمال ان يباع الذهب او الفضة بغير وزن فيكون هذا اشارة او كناية الى وجوب التقابض في المجلس باعتبار ان اللازم العرفي للوزن هو القبض والاقباض. وربما يؤيد هذا ايضا بأننا لم نجد التعبير «وزنا بوزن» الا في الذهب بالذهب، وفي غيرهما يعبر «مثلا بمثل» او «سواء بسواء».

والخلاصة: فان كان هذا الدليل اضافة الى المشهور من اشتراط التقابض كافيا للاشتراط فهو والا فالشك في صحة بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متساويا من دون اقباض في المجلس يقتضي عدم الشرطية لانها حادثة، وبهذا يتنقح موضوع التمسك بالعمومات المحللة.

وعلى كل حال، فان اشترطنا التقابض وهو الاحوط في المقام فهو، والا فما ذهب اليه الشهيد الصدر (رحمه الله) مورد القبول. ولكن العجب من نقل الشيخ صاحب الجواهر (رحمه الله) ماحكاه الشهيد في الحواشي عن البشرى قولا بالتفصيل بين بيع الجنس بجنسه فيشترط التقابض وبين بيع احدهما بالاخر فلايشترط١، ولاندري ماهو الدليل الذي دل على اشتراط التقابض في بيع الجنس بجنسه؟!!.

ثم اننا اذا لم نقل باشتراط التقابض في المجلس في بيع الصرف مطلقا فلا تثبت مزيه «لبيع الذهب والفضة بمثلهما» على غيرهما من الربويات. نعم اذا قلنا باشتراط التقابض كما هو الموافق للاجماع ان تم وللاحتياط ثبتت مزية

______________________________

(١) جواهر الكلام٢٤/٦.

{١٦٨}

لهما على غيرهما١.

_____________________________

(١) ذهب بعض الفقهاء الى عدم اختصاص هذا البحث بالنقدين احتياطا، فسراه الى النقود المتعارفة اليوم من الدينار والتومان والدولار وما الىذلك اذا بيع احدهما بالاخر.

منهاج الصالحين٢/٧٧ تعليقة السيد الشهيد الصدر.

١٠
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

لماذا اشترط التقابض في الصرف وقبض الثمن في السلم على رأي المشهور؟

لقد اشترط في عقد الصرف التقابض من الطرفين، واشترط في عقد السلم، دفع الثمن مقدما. وهنا يمكن ان يتساءل الانسان عن سر هذا، فقد يجاب بأن الشارع اشترط ذلك لاجل ان لايقع المتعاملان في الربا، او ببيع الدين بالدين المحرم أيضا، وتقريب ذلك:

اذا بعت مثقالا ونصف من الذهب بليرة ذهبية (وزنها مثقال ونصف) واشترطت لنفسي الخيار لمدة شهر واحد، فهنا لايجب على البائع دفع الثمن مادام في زمان الخيار، اما المشتري فيجب عليه ان يدفع الثمن لان العقد لازم من طرفه، وفي هذه المعاملة الصرفية لم يتم التقابض من الطرفين، فيحصل الربا، لان البائع قد باع مثقالا ونصف من الذهب بمثقال ونصف وزيادة وهي الاجل، وهي زيادة حكمية، فلاجل هذا اشترط الشارع التقابض في المجلس، ويمكن ان نقول بعدم دخول خيار الشرط في الصرف لنفس المحذور٢.

______________________________

(٢) اذا قلنا ان للاجل قسطا من الثمن وهي زيادة حكمية، فلماذا لايكون الربا متحققا في القرض الخالي من اشتراط الزيادة؟ والجواب: هو في صورة كون القرض مطلقا «غير مؤجل الى اجل» فيصح للمقرض المطالبة متى شاء ولو بعد الدين بساعة، وحينئذ يكون معنى الدين اشغال ذمة، ويصح للمقرض ان يتقدم او يتأخر في المطالبة فلا أجل حتى يستحق مقابلة ثمن. واما اذا كان الدين مؤجلا فلا يأتي هذا الجواب لعدم جواز المطالبة قبل حلول الاجل. ويمكن ان نجيب بجواب آخر سواء كان الدين مؤجلا او مطلقا بأن نقول: ان الدين دل على ان الزيادة في القرض للمقرض هي ربا، واما اذا كانت الزيادة للمقترض كما هنا فلا بأس بها. وهذا بخلاف المعاوضة فان الدليل دل على ان الزيادة العينية والحكمية اذا صاحبت أي جنس من الجنسين تحقق الربا سواء كان جنس البائع او جنس المشترى.

{١٦٩}

أما في السلم: فاذا اشتريت وزنة من الحنطة استحقها بعد ستة اشهر بعشرة دنانير كلية، واشترطت لي خيار الشرط الى شهر، فمادامت في خيار الشرط لي ان لا ادفع الثمن، وحينئذ صار البيع من قبيل بيع الدين بالدين (بيع الكلي بالكلي) وهو محرم.

ولكن هذه التعليلات يمكن ان ترد بتقريب: ان الصرف ليس مختصا ببيع الذهب بالذهب اذ يمكن ان يبيع الذهب بالفضة، ولاربا حتى مع الزيادة الحكمية لاختلاف الجنس، ومع هذا يجب التقابض في المجلس، اذ ان اشتراط التقابض في المجلس حكم شرعي دل عليه الدليل الشرعي ولاربط له بوجود الربا. نعم قد نشترط التقابض في المجلس في بعض البيوع للمنع من الربا، ولكن مطلق اشتراط التقابض ليس للمنع من الربا.

وأما اشتراط تسليم الثمن في بيع السلم فليس لاجل ان لايحصل بيع الدين بالدين المحرم، لانه يكون فيما اذا كان لزيد في ذمة عمرو دين وكان لعمرو في ذمة خالد دين، فبيع دين زيد الذي في ذمة عمرو بالدين الذي في ذمة خالد هو أي أن بيع الدين بالدين المحرم هو فيما اذا كان الدينان من قبل العقد، اما هنا فان الدين حصل بنفس العقد ولا بأس به كما اذا بعته وزنة من الحنطة مؤجلة بدينار مؤجلا ايضا فهنا لابأس بالبيع لان الدينين حصلا بالعقد، ولم يكونا موجودين قبله حتى يصدق عليه بيع الدين بالدين المحرم١. اذن اشتراط

______________________________

(١) يوجد خلاف في معنى بيع الدين بالدين الذي ورد فيه النهي، والمسلم منه ما قلناه، وقد عبر عنه العامة بأنه «بيع الكالى بالكالى»، وقد عمل به الاصحاب.

{١٧٠}

التقابض دل عليه الدليل الشرعي ولم يكن لاجل الربا او لاجل بيع الدين بالدين. وكذلك اشتراط الخيار في بيع الصرف والسلم تابع لدليله، فاذا وجد دليل على عدم دخول خيار الشرط فيه فهو المتبع، والا فخيار الشرط يدخل فيهما لعموم «المؤمنون عند شروطهم»١ ولا علاقة لعدم دخول خيار الشرط فيهما من اجل الربا او بيع الدين بالدين. ثم انه قد ذكر الفقهاء بعض الفروع المتصلة بالصرف ولا بأس بالتعرض لها اتماما للفائدة، وهي:

بيع الذهب والفضة:

سواء كان مسكوكا على شكل دراهم ودنانير او غير مسكوك، ولها حالات مختلفة يختلف الحكم باختلافها، هي:

١ – اذا كان في الفضة والذهب غش غير متسامح فيه، ومجهول القدر:

فلا اشكال في جواز بيع احدهما بالاخر او بغير جنسهما نقدا، لعدم صدق الربا في الجنسين، واما بيع احدهما بالاخر نسيئة فلايجوز للاخبار الكثيرة الصحيحة على اعتبار البيع يدا بيد، وهو دال على النقد حتما، فمنها ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) لايبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد ولايبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد. وكذلك لايجوز بيع الذهب بالذهب نسيئة لاشتراط النقد، فقد روى الصدوق باسناده عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفضة بالفضة مثلا بمثل، والذهب بالذهلب مثلا

______________________________

(١) واذا صح الشرط هنا وقد حصلت الزيادة، فهي زيادة حصلت من قبل الشارع وحكمه كالزيادة الارشية وهي غير محرمة، وانما الزيادة، المحرمة هي التي تحصل من المتبايعين.

{١٧١}

بمثل ليس فيه زياده ولانظرة. والرواية صحيحة١.

وهذه الروايات لاموجب لحملها على الكراهة الا اذا عملنا بروايات عمار الساباطي الذي تقدمت الاشارة اليها، لان الروايات المانعة من النسيئة مع روايات تجويز النسيئة يؤدي الى حمل المنع على الكراهة كما هو مقتضى الصناعة١، الا ان روايات عمار معرض عنها، فان كان الاعراض محققا وهو موهن فهو والا فالكراهة سارية هنا ايضا.

نعم لقد ورد البيع نسيئة في غير هذه الصورة كما في صورة بيع السيف المحلى بالذهب او بالفضة٢ فالمنظور الى السيف لا الى حليته، ولذا يجوز فيه النسيئة، بشرط ان يكون الثمن اكثر من الفضة التي في السيف حتى لايحصل الربا.

ثم ان الروايات السابقة التي تقول اذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد، جمعنا بينها وبين روايات جواز بيع النقد بالطعام سلفا بحمل المنع في المفهوم على الكراهة، وكذلك نجمع بينها وبين روايات عمار (اذا عملنابها) التي تدل على بيع الدنانير بالدراهم نسيئة بحمل المفهوم على الكراهة في النقدين.

٢ – هل يجوز مبادلة الفضة المغشوشة المجهولة القدر بالفضة الخالصة؟

ذكر المحقق في الشرائع عدم الجواز، وذكر دليله لعدم العلم بمقدار مافي المغشوش من الفضة كي يتخلص من الربا الذي شرط عدمه في المتجانسين المساواة، فالشك فيها شك في الجواز٣. ولكن فيما نرى ان الحكم ليس

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١» من ابواب الصرف/حديث«١»/ ص٤٥٦.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب«١٥» من ابواب الصرف/ ص٤٨٤.

(٣) الجواهر ٢٤/١٤.

{١٧٢}

على اطلاقه حيث يجوز ان تباع الفضة المغشوشة المجهولة القدر بفضة خالصة نعم انها اكثر من المغشوشة علما اجماليا، لان الفضة المجهولة القدر يقابلها من الفضة الخالصة مقدارها، والغش الذي هو اما رصاص او معدن آخر يكون في مقابل الفضة الخالصة الزائدة، وهذا على القاعدة بالاضافة الى روايات فيه١ وحينئذ يكون المنع في صورة كون الفضة الخالصة بقدر وزن الفضة التي معها الغش او أقل، فلا تحصل المساواة. ولعل كلام صاحب الشرائع في هذه الصورة فقط فيكون صحيحا، وعليها تحمل هذه الرواية التي رواها ابن سنان قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن شراء الفضة فيها الرصاص والنحاس بالورق واذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمين او ثلاثة. فقال: لايصلح الا بالذهب٢ وسندها صحيح.

٣ – بيع الفضة المغشوشة بالفضة المغشوشة حتى اذا لم يعلم قدر الغش:

وقد ذكروا عدم الخلاف في صحته (لانصراف كل جنس الى مايخالفه) حسب تعبيرهم، ونحن اذ نقبل صحة هذا البيع لوجود روايات فيه، ولكن التعليل الذي ذكر من قبل الفقهاء قد شكك في قبوله صاحب مفتاح الكرامة فقال «انا لانجد دليلا على لزوم صرف كل الى جنس ماخالفه، اذ النص مطلق...»٣ ولكننا يمكن ان نجد دليلا تعبديا لصرف كل جنس الى مخالفه، وهو موثقة سماعة «قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب. فقال: لايصلح شيء منه اثنان بواحد، الا ان يصرفه نوعا الى نوع آخر، فاذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد واكثر»٤.

ولكن صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام «قال: سألت ابا عبد الله ع

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٨» من ابواب الصرف/حديث«١و٣» /ص٤٨٦.

(٢) نفس المصدر/ باب «١١»/ حديث«١»/ ص٤٧٥.

(٣) مفتاح الكرامة ٤/٥٢٣.

(٤) الوسائل/ ج١٢/ باب «١٣» من ابواب الربا/حديث«٥»/ص٤٤٣.

{١٧٣}

عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق، وهي اذا اذيبت نقصت من كل عشرة درهمين او ثلاثة. فقال: لايصلح الا بالذهب. قال: وسألته عن شراء الذهب فيه الفضة والزئبق والتراب بالدنانير والورق، فقال: لاتصارفه الا بالورق»١ قد تنافي ماتقدم للحصر الذي ورد فيها بالبيع بالمخالف.

وحيئنذ اما ان نحمل هذه الرواية على الغالب من عدم بيع المغشوش بمثله من الخالص فضلا عما زاد، فلا تكون منافية لما تقدم، والا فهما متعارضتان في صورة بيع الذهب والفضة بمثلهما متفاضلا والحمل اولى من التعارض والتساقط.

تنبيه: لايرد على الفروع المتقدمة اشكال الغرر، لان المجموع من الفضة والغش معلوم ولكن لايعلم مقدار الفضة ومقدار الرصاص الذي فيها «وهذا كاف في عدم بطلان البيع للغرر، ولذلك يفتي الفقهاء في صورة وجود خليط مع الزيت بحيث لايوجد عيبا في المبيع ولكن يوجد نقصا في كم الزيت، بصحة البيع ولزومه، حيث ان المبيع هو الزيت، والزيت معلوم مقداره مع الخليط.

نعم، اذا اشترط كون كل ما في الظرف سمنا أو كان العقد مطلقا وقلنا أن اطلاق العقد بمنزلة الاشتراط، فهنا أيضا يصح البيع في المقدار المشترط ولكن يثبت الخيار (خيار تخلف الشرط) او (خيار تبعض الصفقة) اذا تبين النقص في الكم. اذن معرفة المجموع وعدم معرفة مقدار الفضة الخالصة وعدم معرفة الرصاص لايضر بالبيع من ناحية الغرر.

٤) لايباع تراب معدن الفضة بالفضة فقط ولا بترابها ايضا:

وهذا الحكم انما هو احتياطي حيث يقال بعدم الجواز لعدم العلم بالمساواة

______________________________

(١) نفس المصدر/ باب «١١» من ابواب الصرف/حديث«١»/ص٤٧٥.

{١٧٣}

بين الجنسين الربويين، ولكن لو قدرت الفضة في هذا التراب والفضة في ذاك وكانا متساويين لجاز، حيث ان العلم بالتساوي موجود تقديرا. وحينئذ يحكم بالصحة بعد تبين الحال، على اننا يمكننا القول بالجواز حتى مع عدم العلم بالتساوي اذا كان في تراب الفضة معادن اخرى وبيع بالفضة التي نعلم انها اكثر من الفضة الممزوجة مع ترابها، او بيع بتراب الفضة التي فيها معادن اخرى كما تقدمت الاشارةالى ذلك.

نعم، اذا علمنا زيادة في الفضة عما في ترابها ولم يكن في التراب معادن اخرى فلايصح البيع هنا، بناء على ان التراب لاقيمة له لتصلح في مقابلة الزائدة، وهذا بخلاف الفضة المغشوشة، حيث ان ما في الفضة من الغش له قيمة يمكن ان يكون في مقابل الفضة الزائدة.

٥ – اذا مزج تراب الذهب والفضة جاز بيعهما بالذهب والفضة معا:

وذلك للراويات التي دلت على ذلك: منها صحيحة١ عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب. قال: لايصلح الا بالدنانير والورق. وهذه الرواية محمولة على عدم معرفة كمية الذهب الذي مع الفضة حتى يباع بما يماثله مع الزيادة، فذكر الشارع كيفية التخلص من الوقوع في الربا فقال لايصلح الا بالدنانير والورق، ومعناه صحة البيع اذا بيع بالدنانير والورق لانصراف كل الى مخالفه كما تقدم ذلك.

ولكن قلنا فيما تقدم بصحة بيع تراب الذهب والفضة بالذهب اذا علمنا كمية الذهب في التراب ولو تقديرا، فيباع بأكثر منه ذهبا خالصا، ويكون الزائد في مقابلة تراب الفضة، كما يمكن بيعهما بغير ذلك.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢ باب «١١» من ابواب الصرف/ حديث«٣» ص٤٧٥.

{١٧٥}

٦ – في صياغة خاتم مع ابدال درهم بدرهم:

وفي باديء النظر نرى ان هذه المعاملة ربوية لعدم التساوي بينهما، ولكن معتبرة الكناني – وان كان في ابن عقيل اشتراك، الا ان المعروف ان الراوي عن أبي الصباح الكناني هو الجيد – دلت على الجواز. قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول للصائغ صغ لي هذا الخاتم وابدل لك درهما طازجيا بدرهم غلة٢ قال: لابأس. وقد عمل بهذه الرواية الشيخ في النهاية ومن تبعه فيكون هذا خروجا عن الربا حكما.

ولكن صاحب الجواهر (قده) لم يقبل الرواية لان الشرط هنا هو العمل (صياغتها خاتما) وهو زيادة ممنوعة في المتماثلين، وقد فرق رحمه الله بين هذه الصورة وصورة بيع الدرهم بفضة مصوغة خاتما لعدم اشتراط العمل هنا، فلم تكن زيادة عرفية، فيكون كمن باع درهما جيدا بدرهم رديء:

وقد يقال في جعل الرواية موافقة للقواعد بأن الصياغة وقعت من جانب درهم الغلة «وقد حكى عن بعض اهل اللغة وجماعة من الفقهاء انها المغشوش والطازج الخالص فيكون الغش حينئذ والصياغة في مقابلة مازاد عليه من الطازج. وهذا لامانع منه في البيع وغيره»٣.

وفيما نرى ان الخبر لادلالة فيه على ابدال درهم بدرهم مع صياغة خاتم او بشرط صياغته حتى يكون ربا، حيث ان الرواية عبرت بهذا التعبير «صغ

______________________________

(١) نفس المصدر/باب «١٣» حديث «١»/ ص٤٨٠.

(٢) الطازج: الطري معرب «تازه» وهو الصحيح الجيد المنقى.

الغلة: المغشوشة وفي اقرب الموارد الغل بالكسر: الغش والحقد. وكذا في المنجد.

(٣) الجواهر٢٤/٣٥.

{١٧٦}

لي هذا الخاتم وابدل لك درهما طازجيا بدرهم غلة» وهذه ليست فيها دلالة ولا اشارة الى زيادة في معاملة ربوية، اذ يقول له صغ لي هذا الخاتم، فاذا صغته لي فأنا ابدل لك درهما بدرهم مع السكوت عن ان الصياغة مجانية او مقابلها ثمن، فانها على أي حال لاربط لها بالعقد الذي يحصل بعد الصياغة، فانه ليس فيه زيادة، فيكون صحيحا، وحينئذ لاتكون هذه الرواية على خلاف القواعد، على انها لم يعمل بها المشهور على الوجه الذي ذكر.

٧ – الاواني المصوغة من الذهب والفضة:

وهي على صور:

أ – يجوز بيعها بغير جنسها لعدم تحقق موضوع الربا.

ب – كما يجوز بيعها بمجموع النقدين بحيث يكون المجموع في مقابل المجموع لاطلاق الرواية المعتبرة (الموثقة) التي يرويها عبد الله بن سنان١ عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب قال: لا يصلح الا بالدنانير والورق. وهذه لانعمل بالحصر الذي ورد فيها لانه ليس حصرا حقيقيا باعتبار جواز عدة صور للبيع هنا.

ثم ان هذه الرواية محمولة على عدم معرفة كمية الذهب والفضة، فلانعلم المساواة المخرجة عن موضوع الربا، لانه تقدم منا وسيأتي جواز بيعها بوزنها او بأزيد من احد النقدين اذا بيع بأحدهما.

ثم انه يكفينا للاستدلال على اصل المطلب من انصراف كل نوع الى مخالفه كما تقدم دليل ذلك ايضا. وهذا البحث يختلف عن البحث الذي تقدم عند العامة من بيع آنية ذهبية بالذهب متقاضلا، حيث ذهب العامة الى تجويزه باعتبار ان الانية الذهبية هي عبارة عن ذهب مع عمل فيجوز بيعها بأكثر من وزنها ذهبا، وقد تقدمت

______________________________

(١) الوسائل/ ج١٢/ باب «١١» من ابواب الصرف/حديث«٣»/ ص٤٧٥.

{١٧٧}

مناقشة ذلك.

ج – كما انه يجوز بيعها بوزنها او بأزيد من احد النقدين اذا بيع بأحدهما. وهذا ايضا لايحتاج الى دليل باعتبار ان الفضة يقابلها مثلها والزائد يكون في مقابل الذهب فلم يحصل بيع المثلين مع الزيادة.

نعم هناك رواية تقول بأن الانية المصوغة من الذهب الفضة اذا امكن تخليص احدهما من الاخر فلايجوز بيعها بأحدهما، وان لم يمكن ذلك جاز ذلك، وهي رواية حمزة عن ابراهيم بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جام فيه فضة وذهب أشتريه بذهب او فضة؟ فقال: ان كان يقدر على تخليصه فلا، وان لم يقدر على تخليصه فلا بأس.

ولكن هذه الرواية لايمكن الاعتماد على سندها حيث ان حمزة مجهول وكذلك ابراهيم بن هلال، مع مخالفتها للقواعد، حيث انها مطلقة تشمل حتى صورة العلم بقدر الفضة والذهب الذي فيها، فلاتجوز بيعه الا بعد التخليص، وتشمل التخليص الذي ينقص السلعة ويقلل من ثمنها. وكله محل تأمل، ولعلها تحمل على عدم العلم بالمساواة لو اشترى الممتزج، فيكون غير محرز للحلية فيكون حراما.

٨ – السلع المحلات بالذهب والفضة:

فانه يجوز بيعها بمثل الحلية التي فيها بشرط زيادة الثمن عما في الحلية ليكون الذهب في مقابل مثله مثلا والزائد في مقابل السلعة، كما انه يجوز بعيها بغير جنسها لعدم تحقق موضوع الربا، والطرق لبيعها كثيرة وانما المانع من بيعها بمثل مافيها من الحلية او بأقل تحقق الربا حيث يحصل بيع التماثلين

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٥» من ابواب الصرف/حديث«٥»/ ص٤٨٣.

{١٧٨}

الربويين مع الزيادة.

وقد ذكرت الروايات جواز بيع السلعة المحلاة بأحد النقدين بشرط زيادة الثمن على الذي فيها من حلية١. هذا اذا علمنا مقدار الحلية التي في السيف، اما مع الجهل فلايجوز بيعه بجنس الحلية لعدم العلم بحصول ماهو مخرج من الربا، بل يجب بيع السيف بغير جنس الحلية، او يبيعه بجنس الحلية مع حصول العلم بما هو مخرج عن الربا، او يجعل مع النقد عرضا او بغير ذلك مما يخرجه عن الربوية، كل ذلك للروايات المتقدمة. واما الظن فهو كالجهل لانه شك في المساواة ثم في الجواز، فنرجع الى عمومات الحرمة، الان الربا موجود ونشك في حصول المخرج له من الربوية، خلافا لما في اللمعة من كفاية الظن الغالب٢.

ويمكن ان يقال: بأن موضوع حرمة الربا ايضا غير محرز في صورة عدم العلم بكمية الحلية التي في السيف، فاذا شككنا في صحة هذه لمعاملة فالاصل العملي لاينفعنا هنا لانه انما ينفي الحرمة٣ وهو (اصالة الحلية)، ولكن الاصل اللفظي وهو التمسك بعمومات الحل واطلاق الوفاء بالعقد يدل على صحته.

والتحقيق: اننا نختار جريان الحرمة في صورة عدم العلم بحصول ماهو مخرج عن الربا اذا اخترنا في الاصول بأن العام المخصص بالمخصص المتصل يكون المرجع اليه عند الشك في الفرد المردد بين العام والمخصص، أي أن

______________________________

(١) نفس المصدر/حديث«٧،٨»/ص٤٨٣ – ٤٨٤ –– ولابأس بذكر رواية واحدة وهي صحيحة ابي بصير قال: سألت عن السيف المفضض يباع بالدراهم. فقال اذا كانت فضته اقل من النقد فلا بأس وان كانت اكثر فلا يصلح.

(٢) اللمعة الدمشقية٣/٣٨٤.

(٣) ولايقال هنا ان الاصل هو عدم الزيادة فيتنقح موضوع الحكمين التكليفي والوضعي ويكون حاكما على اصالة الحلية لانه اصل موضوعي، اذ يقال ان هذا معارض بأصالة عدم المساواة فيتساقطان، وتبقى اصالة الحل لوحدها.

{١٧٩}

المرجع هو العام مالم يثبت ان المورد من افراد المخصص، وهنا الاخبار الكثيرة التي قد يدعى تواترها تدل على عدم جواز بيع المتجانسين الا مثلا بمثل فمع عدم العلم باقلية الحلية من الثمن وما هو مخرج عن الربوية فلايجوز البيع.

واما اذا اخترنا في الاصول بأن المخصص سيما المتصل اذا وجد يصبح موضوع الحرمة مركبا من جزئين (ان يكون متجانسا، وان لايكون مثلابمثل) ففي مورد الشك لانحرز شمول العام له١، لان العام شرط تحققه أمران ومادام لم يثبت احراز كلا الامرين فلايمكننا التمسك بالعام – كما هو الحق – لانه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية لنفس العام، وحينئذ نرجع هنا الى العموم الفوقاتي وهو «احل الله البيع» وهذا هو الصحيح.

ومما يؤيد ماذهبنا اليه مضمرة عبد الرحمن بن الحجاج٢ قال: سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب الى اجل مسمى. فقال: ان الناس لم يختلفوا في النساء «النسيء خ ل» انه الربا، وانما اختلفوا في اليد باليد، فقلت له: فيبيعه بدرهم نقد؟ فقال: كان أبي يقول: يكون معه عرض احب الي، فقلت له: اذا كانت الدراهم التي تعطى اكثر من الفضة التي فيه؟ فقال: وكيف لهم بالاحتياط في ذلك؟ قلت: فانهم يزعمون انهم يعرفون ذلك. فقال: ان كانوا يعرفون ذلك فلا بأس والا فانهم يجعلون معه العرض أحب الي.

فقد ذكرت الرواية حكم مالو علموا بأن الدراهم التي تعطى اكثر من الفضة التي في السيف فيجوز ذلك البيع على هذه الصورة، واما اذا لم يعلموا فالمستحب هو ان يكون مع الدراهم عرض،. ولابعد في استحباب هذه الصورة دون غيرها

______________________________

(١) كمالا نحرز شمول الخاص ايضا لعدم احراز موضوعه (التجانس مع المثلية).

(٢) الوسائل/ ج١٢/ باب «١٥» من ابواب الصرف/حديث«١»/ص٤٨٢.

{١٨٠}

من الصور التي نخرج بها في البيع عن الربوية كالبيع بغير جنس الحلية او غيرها.

ومن البعيد ان تكون الضميمة التي ذكرتها الرواية راجعة الى السيف الذي فيه الحلية، اذ ان السيف مع الحلية هو ضميمة، فلاتنفع الضميمة معه شيئا ولايضر تأنيث الضمير، اذ يمكن ان يكون النظر راجعا الى ثمنية الدراهم او نقديتها، ولهذا فهم السائل هذا ايضا، اذ قال «اذا كانت الدراهم التي تعطى اكثر من الفضة التي فيه» وقد أجابه الامام عليه السلام انه لاسبيل الى معرفة ذلك غالبا، واما اذا علم فلا بأس.

هذا وقد يشكل على مختارنا من صحة بيع السيف مع الحلية بنقد اذا علمنا ان ما في السيف من الحلية اقل من النقد كما صرحت به الروايات، فيقال: ان هذه الروايات مطلقة لما اذا علمنا مقدار الحلية التي هي اقل من الدراهم، وما اذا لم نعلم مقدار الاقل، وحينئذ ادلة الغرر تنفي المعاملة الغررية سواء كانت في موردنا او في غير موردنا، وحينئذ يحصل التعارض في مورد الاجتماع وهو ما اذا علمنا أن الحلية أقل اجمالا من النقد ولكن لانعلم مقدارها، فيتساقطان ونرجع الى عمومات أحل الله البيع، او اصالة الحل.

٩ – المعاوضة بجنسين ربويين مع احدهما وزيادة:

كما اذا عاوضنا كيلو من التمر ودرهم بكيلوين من التمر أو كيلو من التمر مع درهم بدرهمين او اذا عاوضنا بين جنسين ربويين مع جنسين ربويين ايضا، ككيلو من التمر مع درهم بكيلوين من التمر مع درهمين، فكل ذلك جائز، اما في الاول فان الزائد عن المساواة بين المتماثلين يكون في مقابل المخالف، واما في الثاني فقد يقال بأنه ربا باعتبار أن التمر يقابله صنفه وكذلك الدرهم، ولكن الموثقة التي

{١٨١}

تقدمت تقول بانصراف كل نوع الى مخالفه تقول تعبدا بأن الدرهم يكون في مقابل الكيلوين من التمر والتمر يكون في مقابل الدرهمين، فلاربا.

ويمكن ان يستدل للاول – بالاضافة الى عدم شمول ادلة الربا له – بالروايات المستفيضة التي فيها الصحيح وغيره منها صحيحة الحلبي١ عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين، اذا دخل فيها ديناران أو أقل او اكثر فلا باس به. وقد ذكرت بعض الروايات اشكالا من الراوي بأن هذا فرار من الربا، فكان الجاوب: نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال او أنه فرار من باطل الى حق٢.

وكاُن من المتسالم عليه ان العملية المتقدمة لاتخضع لقانون الربوية، ولكن الراوي استشكل في الفرار، فأجيب بما تقدم.

ثم أنه لو أتلف الدرهم المعين وكان ذلك قبل قبضه، او بان انه مستحق للغير، فلو كان كذلك في الصورة الاولى «كيلو من التمر مع درهم بكيلوين من التمر» فانما يصح الكيلو في مقابلة مماثلة ويبطل الباقي، وكذلك الامر في مثال «كيلو من التمر مع درهم بدرهمين» فانه يصح الدرهم في مقابلة مماثله ويبطل الباقي.

اما في الصورة الثالثة «كيلو من التمر مع درهم بكيلوين مع درهمين» وظهر الدرهم مستحقا او تلف قبل القبض وكان الدرهم نصف الثمن، فمقتضى ان كل جنس ينصرف الى مخالفه هو صحة مخالف الباقي وبطلان مخالف التالف وهذا هو احد احتمالات ثلاثة٣.

______________________________

(١) الوسائل/١٢/ باب «٦» من ابواب الصرف/ حديث«٤» ص٤٦٨.

(٢) راجع نفس الباب المتقدم.

(٣) مفتاح الكرامة ص٥٢٣ والاحتمالان الاخران هما بطلان المبادلة كلها، وصحة ماقابل غير التالف وان كانت فيه زيادة ربوية، لانها لم تأت من البيع وانما جاءت من التقسيط.

{١٨٢}

ولكننا قد نقبل هذا الكلام في صورة تلف الدرهم، اذ أن المبادلة من الاول كانت صحيحة فانصراف كل الى مخالفه بالتعبد المتقدم، فبعد ان تلف الدرهم قبل القبض، وقلنا بأنه مبطل للعقد، فيبطل فيما خالفه ويصح فيما خالف الباقي.

واما في صورة تبين ان الدرهم مستحق للغير، فمن الاول لم يكن البيع صحيحا في نصف الثمن فيبطل في نصف المبيع ويصح في النصف الاخر، ولادلالة هنا على انصراف كل الى مخالفه، فتكون النتيجة بطلان المعاملة في نصف المبيع «وهو كيلو من التمر مع درهم» الذي يكون في مقابل الدرهم، وتصح في النصف الاخر وهو «كيلو من التمر في مقابلة كيلو ودرهم». وهذا فيه محذور الربا فيكون باطلا، اذا ان الصحة مشروطة بعدم وجود محذور آخر كالربا.

اما لو لم يكن الدرهم التالف نصف الثمن بل كان ثلثه، فلايختلف الحال الا في النسبة التالفة من الثمن والمثمن، والنسبة الباقية الصحيحة من الثمن والمثمن وكذلك الحال في صورة استحقاق الدرهم.

١٠ – بيع تراب الذهب والفضة والتصدق به:

يجوز بيع تراب الذهب والفضة ومافيه بالفضة والذهب معا او بغيرهما او بأحدهما مع القطع بزيادته على مماثله. ولكن الروايات امرت ببيعه بالطعام وهي لاتدل على الحصر في طريقة البيع، وفمن ذلك مارواه علي الصائغ قال: سألته عن تراب الصواغين وانا نبيعه. قال: اما تستطيع ان تستحله من صاحبه؟ قال: قلت لا اذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: بأي شيء نبيعه؟ قال: بطلتم، قلت: فأي شيء اصنع به؟ قال: تصدق به، امالك واما لاهله. قلت فان كان ذا قرابة محتاجا أصله؟ قال نعم١.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٦» من ابواب الصرف/ حديث«٢»/ ص٤٨٥.

{١٨٣}

ولكن هذا الخبر مخالف لما هو محل اتفاق من انه لو علم صاحب الحق وجب التخلص منه، وعلى فرض ان في ايصال الحق الى اهله تهمة، فهو لا يبيح التصرف في الحق.

نعم ان اعراض صاحب الحق يبيح التصرف فيه للمتصرف، وهذا هو الظاهر من صاحب الحق، الا أننا نبقى نحتمل عدم اعراضه لغفلته وبلهه، وكذلك نرى الامام قد احتاط فنظر الى احتمال عدم الاعراض فسأل عن الاستحلال من صاحبه، وبما ان الامام (ع) قد نظر الى خلاف الظاهر احتياطا اكتفى بجواب المجيب بأنه يتهمني، فعمل بالظاهر وحكم على وفقه فقال ببيعه والتصدق به فانه اما لك أولاهله، وبهذا لم يكن الخبر منافيا لما اتفق عليه الاصحاب من وجوب ارجاع الحق الى اهله «ولو برفع المانع من الاخذ مع اعلامهم بذلك» ان عرفوا ولم يعرضوا عنه، ولاتغيرالتهمة من الحكم.

ولكن الرواية بالاضافة الى اضمارها ضعيفة بعلي الصائغ فانه لم يوثق، وهناك رواية اخرى لااضمار فيها حيث سئل الامام عن الحكم، ولكنها ايضا ضعيفة بعلي بن ميمون الصائغ وعلي بن حديد الذي نص على ضعفه، على اننا نحتمل – بالاضافة الى ان اعراض المالك عن تراب ذهبه يبيح للمتصرف التصرف فيه – وجود تعامل ضمني ارتكازي بين الصائغ وزبائنه في ان ماتبقى من تراب ذهبهم له كما نشاهد ذلك في حائك السجاد للاخرين، فان ما تبقى من خيوط زائدة فهي للحائك، وهذا التعامل الضمني الارتكازي يجعل الصائغ في حل من التصرف بالذهب، فلا الاستحلال واجب، ولا التصدق به على الفقراء واجب ايضا. ولو لم يوجد هذا الارتكاز فيكفي للصائغ ان يعلم صاحب التراب بذلك وبرفع المانع من الاخذ لو طلبه، لان العمل كان برضى المالك.

{١٨٤}

النقود القائمة مقام الذهب والفضة:

ان كل ما تقدم من احكام في الصرف والربا مختص بالنقود انما هو يختص بالنقود الذهبية والفضية المعدنية، فقد اشترط المشهور للتعامل بها: اولا المساواة عند مبادلة الذهب بالذهب او الفضة بالفضة للتخلص من الربا، وثانيا التقابض في المجلس في بيع الصرف، أي اشتراط انهاء المعاملة بكل مراحلها فعلا. فان افترقا قبل التقابض بطل البيع.

وقد خالفنا المشهور كما خالفه من قبل السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) كما تقدم في بيع الذهب والفضة بمثلهما اذ حكمنا بصحة العقد بدون القبض وقد تقدم مستنده.

ولكن هناك اقسام اخر للنقود وهي١:

١ – الاوراق النائبة عن الذهب التي تمثل جزء من رصيد ذهبي موجود فعلا في خزائن الجهة المصدرة لها. وهذه النقود حيث انها تكشف عن كمية من الذهب، فيعتبر فيها الشرطان عند المشهور حين مبادلتها بأوراق مثلها. ولكن هذه النقود ليس لها وجود فعلا على مسرح النقد العالمي.

٢ – الاوراق التي تتعهد الجهة المصدرة لها بصرف قيمتها ذهبا عند الطلب وهذه يمكن تفسيرها على اساسين مختلفين:

أ – ان يكون التعهد المتقدم مجرد التزام مستقل يكسب الورقة قيمة مالية في المجتمع.

______________________________

(١) اعتمدنا في هذا البحث على ما ذكره السيد الشهيد الصدر رحمة الله عليه، وهناك تقسيمات اخر للنقود باختلاف اللحاظ، يراجع للتوسع كتاب النقود والبنوك في البلاد العربية/ فؤاد مرسى.

{١٨٥}

ب – أن يكون التعهد المتقدم معناه اشتغال ذمة تلك الجهة بقيمة الورقة من الذهب وحينئذ تكون الورقة سندا ووثيقة على الدين ولاتوجد لها قيمة اصلية، والفرق بينهما كبير، اذ علىالتصور الاول فلم يكن التعامل بالذهب اصلا ولكن التعامل بها، وانما الذي اكسب الورقة قيمة مالية هو ثقة افراد المجتمع بتعهد الجهة المصدرة لها. واما على التصور الثاني، فمعنى ذلك ان التعامل يكون بالذهب، لان الورقة سند على الذهب الذي في ذمة الجهة المصدرة للورقة، وحينئذ يجب الشرطان اذا بيعت هذه الاوراق بمثلها على رأي المشهور.

والظاهر ان هذه الاوراق النقدية المدعمة بالتعهد بصرف قيمتها ذهبا مفسرة على التصوير الاول، حيث ان التصوير الثاني يفترضها سندا على الدين، ومن الواضح ان استهلاك السند او سقوطه من الاعتبار لايعني تلاشي الدين، بينما نحن نرى ان تلاشي هذه الورقة النقدية او عند اسقاط الجهة المصدرة لاعتبارها وعدم استبدالها عند تبديل النقود بنقود جديدة، يعني ذلك سقوط حقه، ومعنى ذلك ان التعهد بدفع القيمة ذهبا لمن يملكها، لا ان الورقة تعطي لمن يملك قيمتها ذهبا في ذمة الجهة المصدرة، ولهذا نجد القانون يميزها عن سائر الاوراق التجارية من شيكات وكمبيالات حيث يمنح الاوراق صفة النقد والالزام بالوفاء دون السندات.

بالاضافة الى اننا نرى ان من اقترض مائة دينار١ لمدة سنة، فلا يجب عليه عند الاداء اكثر منها، على الرغم من ان المئة في اكثر الاحيان قد نزلت قيمتها بالنسبة الى الذهب، ولايشترى بها عند الوفاء بمقدار ما كان يشترى بها

______________________________

(١) الدنانير المتداولة هي ايضا اوراق تتعهد الدولة مثلا بصرف قيمتها ذهبا عند الطلب ولكن هذا التعهد يكسب الورقة قيمة مالية في المجتمع، وقد تلزم الدولة بها وتعفى نفسها من صرف قيمتها ذهبا عند الطلب.

{١٨٦}

حين القرض «اي تزداد قيمة الذهب عند الاداء على قيمته حين القرض» وهذا يدلنا على ان المالية على نفس الاوراق لا على الذهب الذي ورائها والالوجب الاحتفاظ على نفس كمية الذهب، وهكذا ايضا لو فرض العكس «كأن انخفضت قيمة الذهب».

٣ – الاوراق السابقة بعد صدور قانون باعفائها من صرف قيمتها ذهبا عند الطلب. وتقدير هذه الاوراق مرتبط بما نختاره في القسم الثاني، فان كان التصور الاول هو الصحيح، أي أن الاوراق النقدية المدعمة بالتعهد حكمها حكم الاوراق الالزامية، فهنا في القسم الثالث يكون الحكم هو نفس الحكم هناك، أي لايجب ان تطبق شروط التعامل بالذهب من مساواة وقبض على الرأي المشهور. وان كان التصور الثاني هو الصحيح، أي الاوراق المدعمة بالتعهد تكون داخلة في نطاق التعامل بالذهب، فحينئذ نحتاج الى «تفسير صدور قانون باعفائها من صرف قيمتها ذهبا عند الطلب» فان كان الاعفاء يعني الغاء الديون التي كانت الاوراق سندات عليها، ومعنى ذلك تحويل هذه الاوراق الى نقود الزامية١ فحينئذ تكون خارجة عن التعامل بالذهب، ويكون حكمها هو حكم الاوراق النقدية الالزامية.

وان كان الاعفاء يعني السماح للجهة المصدرة بعدم وفاء الدين الذي تمثله الورقة النقدية في نطاق التعامل الداخلي، حرصا على الذهب مع الاعتراف قانونيا ببقاء الديون التي تمثلها تلك الاوراق، فحينئذ لاتخرج عن حكمها قبل الاعفاء وتكون من قبيل التعامل بالذهب، فيجب فيه الشرطان على رأي المشهور.

تنبيه: ان السيد الشهيد يفتي احتياطا بوجوب التقابض فيما اذا بيعت

______________________________

(١) النقود الالزامية، او الاوراق الالزامية هي الدنانير المتداولة في وقتنا الحاضر الملزمين بقبولها.

{١٨٧}

النقود العراقية بالتومان الايراني، أو بيع أي نقد بنقد آخر، وعلى هذا يكون بحث الصرف غير مقتصر على النقدين، بل يسري الى بقية النقود بشرط أن يباع نقد بنقد آخر، اما بيع الدينار بالدينار، او التومان بالتومان، او الدولار بالدولار فلا يشترط فيه التقابض.

نقول: واما من ناحية الربا فبما ان الدينار من المعدودات فيجوز بيعه بمثله مع الزيادة نقدا، اما نسيئة فلايجوز كما تقدم١ ذلك مع الزيادة، واما من دون زيادة فيجوز اذ أن الدنانير الورقية واشباهها ليست من الموزونات حتى يعتبر فيهما المماثلة٢.

ولعل فتوى السيد الشهيد مبتنية على أن الدينار والدرهم الذهبي والفضي الذي ذكرته الروايات مسوق للمثال لكل نقد يتعامل به، فالمنظور هو المالية سواء كانت في القرض النقدين او في غيرهما من النقود.

______________________________

(١) ص١٥٣.

(٢) يرى السيد الشهيد جريان الربا في مطلق المثليات ومنها الدنانير، منهاج الصالحين ٧٥٠٢ تعليقة (١٦٣).

١١
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

الفصل الثاني .. «ربا القرض»

ونتكلم في هذا الفصل عن معنى القرض، وفي ادلة حرمة ربا القرض، والقيود التي نشترط فيها، وفي الطرق التي يمكن أخذ الزيادة بها.

ومرادنا من القرض هنا ما هو معروف عند العرف من طلب المال من شخص على ان يرجعه في مدة معينة، وعند الفقهاء تمليك المال على وجه الضمان ولا فرق بين أن يكون بصيغة عقد اولا كالقرض المعاطاتي.

{١٨٨}

والزيادة في القرض لها صورتان: الاولى: ان تكون في مقابل التأجيل، فهي زيادة حقيقية في نفس الشيء، حيث أنها زيادة على ما كان في الذمة.

الثانية: زيادة في نفس عقد القرض ابتداء فهي زيادة بالمسامحة العرفية، وانما يكون ربا حراما في صورة مالو شرط النفع في عقد القرض فحصلت الزيادة، وهو لايختص بالمكيل والموزون بل يعم المعدود والمشاهد.

وأما الزيادة في مقابل التأجيل فلااشكال في حرمتها ولكن وقع الكلام في أنها ربا حقيقة او حكما؟ ونحن لانرى حاجة للبحث عن كون هذا ربا حقيقة او حكما مادام لاخلاف في حرمته كما هو المستفاد من الروايات سواء اكان التأجيل للدين الحال او للدين المؤجل بأن يؤجله اكثر من مدته بزيادة.

وقد استدل على حرمة الربا القرضي بوجوه:

الاول: الاجماع. ولايمكن لنا ان نعتمد عليه كدليل في المسالة اذ لم يكن اجماعا تعبديا، وانما مدركه الاخبار كما سيأتي.

الثاني: قوله تعالى (أحل الله البيع وحرم الرب) وامثالها التي اطلقت فيها حرمة الربا، وقد قلنا سابقا ان المراد من الربا معناه اللغوي الذي هو مطلق الزيادة التي تؤخذ بلا عوض في بيع المتجانسين او في عقد القرض، فهنا ايضا الزيادة المشترطة قد اخذت بلا عوض في عقد القرض عند الشارع وهو الربا الحقيقي. وهذا الدليل يختص بالزيادة في عقد القرض.

الثالث: الاخبار المروية عن ائمة الهدى عليهم السلام، منها:

١) ما رواه جعفر بن غياث عن أبي عبد الله (ع) قال... واما الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضا ويشترط ان يرد اكثر مما أخذه فهذا هو الحرام١.

ولكن هذه الرواية غير معتبرة لجهالة جعفر بن غياث.

______________________________

(١) الوسائل/ ج١٢/ باب «١٨» من ابواب الربا/ حديث«١»/ ص٤٥٤.

{١٨٩}

٢) ما رواه داود الابزاري قال «لايصلح ان تقرض ثمرة وتأخذ أجود منها بأرض اخرى غير التي اقرضت منها»١ وهذه الرواية ليس فيها شرط الاجودية او الزيادة، وانما تنهى عن أخذ الاجود عند الاستيفاء وهو جائز كما دلت عليه الروايات اذا كان من غير شرط كما هو فرض الرواية، اذن يحمل هذا النهي على الكراهة في أخذ الاجود جمعا، على أنها لايستفاد منها غير النهي عن اخذ الاجود، فهي تختص بالمثليات كما هو ظاهر «ولاتأخذ اجود منها». هذا بالاضافة الى ضعف الرواية بداود الابزاري ولم تعيين القائل من هو.

٣) مارواه اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) قال «سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير ان يكون شرط عليه. قال: لا بأس بذلك مالم يكن شرطا»٢.

وهي تدل على حرمة أخذ النفع في مقابل الامهال اذا كان شرطا، ولكن هذه الرواية ضعيفة بموسى بن سعدان. ويوجد سند آخر لهذه الرواية وهو سند الصدوق بسنده عن اسحاق بن عمران، وهذا السند هو محل خلاف باعتبار وجود علي بن اسماعيل في طريقه، ولكن الارجح اعتبار الرواية فتكون موثقة او حسنة٣.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «١٢» من ابواب الربا/ حديث«١»/ ص٤٤٢.

(٢) الوسائل/ج١٢/ باب «١٩» من ابواب الدين/ حديث«٣»/ص١٠٣.

(٣) اختلف العلماء في اعتبار علي بن اسماعيل الواقع في طريق الصدوق الى اسحاق بن عمار وهو متعدد، والثقة فيه هو اسدي (او السري او السندي)، وابن عيسى. وطريق الصدوق الى اسحاق بن عمار فهو مروي عن ابيه عن عبد الله بن جعفر الحميري عن علي بن اسماعيل عن صفوان بن يحيى عن اسحاق بن عمار، وقد قيل بضعف هذا الطريق بعلي بن اسماعيل اذ لم يصرح «بوثاقته الا علي بن اسماعيل السري من اصحاب الرضا (ع) ومن البعيد غايته كون علي بن اسماعيل في السند هذه، لان صفوان واسحاق بن عمار من اصحاب الصادقين «ع» (أ).

وقد ذهب بعض آخر الى تصحيح هذا الطريق باعتبار ان المراد من علي بن اسماعيل هو ابن عيسى، لان الصدوق ذكره في طريقه الى «زرارة بن اعين وحريز بن عبد الله وحماد ابن عيسى... ثم ذكر الصدوق طريقا آخر الى حريز وذكر فيه علي بن اسماعيل من دون تقييده بابن عيسى وكذلك فعل عند ماذكر طريقه الى اسحاق بن عمار.

وبما ان الراوي عنه في كلا الموردين هو عبد الله بن جعفر، فيظهر من ذلك ان علي بن اسماعيل في هذه الطبقة ينصرف الى علي بن اسماعيل بن عيسى» (ب). وعلى هذا تكون الرواية موثقة. ثم ان ماذكره النجاشي في ترجمة اسحاق بن عمار (ج) يدل على أن علي ابن اسماعيل هو ابن اخ اسحاق بن عمار وهو ممدوح بما لم يصل الى حد الوثاقة، فقال «ابنا اخيه علي بن اسماعيل وبشير بن اسماعيل كانا من وجوه من روى الحديث» وهذا يدل على أن الرواية حسنة.

على أن ليس من البعيد أن يكون المراد منه هنا هو «السدي» الذي هو من اصحاب الرضا (ع) وهو يروي عن صفوان واسحاق اللذين هما من اصحاب الصادقين (ع) ولكن لم تثبت وثاقة السدي خلافا لمن اثبتها لان شهادة النصر بن الصباح عن علي بن اسماعيل (د) انه ثقة قد طبقها على السدي، وهذا التطبيق من قبل النصر بن الصباح اجتهاد، فلايكون توثيق السدي معتبرا لانه مبني على الاجتهاد.

(أ) نخبة المقال في تمييز الاسناد والرجال ص٣٦٧.

(ب) معجم رجال الحديث للامام الخوئي ١١/ ٢٩٤.

(ج) ص٥١ – ٥٢.

(د) جامع الرواة ص٥٥٧.

{١٩٠}

٤) مارواه اسحاق بن عمار قال: قلت لابي ابراهيم (ع) الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منفعة، فينيله الرجل الشيء بعد الشيء كراهية أن يأخذ ماله حيث لايصيب منه منفعة أيحل ذلك؟ قال: لابأس اذا لم يكن بشرط»١ وهي دالة على وجود البأس مع

______________________________

(١) الوسائل/ ج١٣/ باب «١٩» من ابواب الدين/ حديث«٢»/ ص١٠٦.

{١٩١}

شرط النفع، وسند هذه الرواية معتبر، وهي موثقة لان اسحاق فطحي، ومثل هذه الرواية روايات أخر صحيحة.

(٥) مارواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) «في الرجل يكون عليه دين الى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا، واضع لك بقيته،٠ او يقول: انقدني بعضا وأمد لك في الاجل فيما بقي، فقال: لا أرى به بأسا مالم يزد على رأس ماله شيئا، يقول الله عز وجل: (فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولاتظلمون)١.

وهذه الرواية تدل على أن الزيادة على راس المال في القرض (سواء كانت في عقد القرض او في مقابل الامهال) فيها بأس، والرواية من ناحية السند صحيحة لان أبان هو ابن عثمان الاحمري الثقة، فتكون احد الادلة على حرمة الربا القرضي. غاية الامر اننا نخصصها بالروايات التي تقول بأن الزيادة على رأس المال اذا كانت بشرط او بالالزام فهي الحرام، ثم ان هذه الرواية لاتفرق بين أخذ الزيادة في مقابل الاجل في اصل عقد القرض او في زيادة الاجل كما كان يفعل ذلك في ربا الجاهلية.

ولكن يمكن أن نقول: ان الزيادة في مقابل الامهال التي دلت عليها الرواية الصحيحة ليست هي الزيادة في القرض في مقابل الاجل، حيث انه لايصدق على الزيادة في مقابل الامهال الزيادة في القرض، وذلك لان المال في الذمة، ولايمكن ان يقرض قبل ان يقبض (اذا لم يجعل المدين وكيلا في القبض عن الدائن كما هو الفرض) لعدم صدق القرض عرفا وعقلائيا، ولا أقل من الشك في ذلك، وحينئذ تكون الزيادة في مقابل اسقاط حق المطالبة

______________________________

(١) الوسائل/ ج١٣/ باب «٣٢» من ابواب الدين/ حديث«١»/ص١٢٠.

{١٩٢}

للدائن١.

(٦) ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله المنجبر بعمل الاصحاب «كل قرض جر نفعا فهو حرام». وقد قال السيد رشيد رضا أنها أخرجها صاحب (بلوغ المرام) عن علي (ع) وجرى على ألسنة العوام والخواص بلفظ «كل قرض جر نفعا فهو ربا» وقد ذكروا ان سنده ساقط وسوار الذي في السند متروك الحديث، فتكون الرواية ضعيفة، ولكن تجبرها الشهرة العملية للاصحاب، وحينئذ تكون دليلا على حرمة الزيادة في عقد القرض، والزيادة في مقابل الامهال.

ولكننا نشك في أن يكون العمل من قبل الاصحاب مستندا اليها فلا تكون منجبرة، وحينئذ لايمكن جعلها دليلا حتى وان قلنا ان الشهرة العملية للاصحاب جابرة. نعم اذا كانت الرواية مشهورة «شهرة روائية» بحيث تصل الى حد الاستفاضة فتكون منجبرة عند من يقبل هذا المسلك، اما نحن فلا نقبل الصغرى ولا الكبرى حيث اننا لانرى الشهرة الروائية ولا الفتوائية جابرة.

ثم على فرض عدم سقوط هذا الحديث وكانت الشهرة جابرة، فلا وجه لما قيل من ان الحديث عام كما اذا كان النفع بشرط اولا، فيحرم كل قرض جر نفعا مطلقا، لان الحديث عام في دائرة الشرط الالزامي، وهذا ظاهر من كلمة «جر نفعا» فانها ظاهرة في الالزام. على أنه اذا كان عاما في اوسع دائرة الالزام

______________________________

(١) وقد استفاد الشيخ الانصاري رحمه الله من استشهاد الامام (ع) بالاية أن التأجيل بالزيادة يكون ربا «المكاسب/ج٢/ص٣٠٧». ولكن هذه الاستفادة غير صحيحة وذلك حيث ذكر في الاصول ان مراد المتكلم اذا كان معلوما وشككنا ان المراد هل هو على نحو الحقيقة او المجاز، فلايمكن التمسك باصالة الحقيقة، وهنا الامام «ع» مراده واضح ولكنه هل على نحو الحكومة او أنه مصداق حقيقي للربا؟ فلايمكن استفادة الحقيقة لان الامام «ع» يقول «الزيادة لاتكون للاخذ» ولادلالة على أن الزيادة حقيقية او حكمية.

{١٩٣}

فهو مخصص حتما بالنفع الالزامي بالروايات التي تحرم الربا في هذه الدائرة بالروايات التي يجوز النفع في عقد القرض اذا لم يكن بشرط.

(٧) مارواه علي بن جعفر كما في قرب الاسناد، سألت اخي موسى (ع) عن رجل اعطى رجلا مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم او أقل او اكثر هل يحل ذلك، فقال: هذا الربا محضا. وهذه الرواية صحيحة حيث أن ما ينقله صاحب الوسائل عن علي بن جعفر انما ينقله عن الشيخ الطوسي، وطريقه اليه معتبر كما ذكره في آخر الوسائل، والشيخ الطوسي ينقل هذا عن علي بن جعفر وسنده اليه صحيح كما ذكره في المشيخية١ وهذه الرواية تختص بحرمة الزيادة في عقد القرض.

(٨) مارواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال «من أقرض رجلا ورقا فلايشترط الا مثلها، فان جوزي أجود منها فاليقبل، ولايأخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاع يشترط عن أجل قرض ورقه»٢. اذن اشتراط الورق الزائد او غيره في القرض ممنوع، وكذلك اشتراط الركوب او العارية من الزيادات الحكمية. وهذه الرواية معتبرة سندا وهي مطلقة لما اذا كان الشرط في عقد القرض أو كان في مقابل الامهال.

(٩) ومن الادلة على حرمة التأجيل في مقابل الزيادة الروايات الواردة في الحيل الشرعية كموثقة اسحاق بن عمار٣ قال قلت لابي الحسن (ع)٤ «يكون لي على الرجل دراهم فيقول أخرني وانا اربحك فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة ألاف درهم او قال: بعشرين الفا واؤخره بالمال، قال: لابأس».

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «٧» من ابواب الربا حديث«٧»/ص٤٣٧.

(٢) الوسائل/ج١٣/ باب (١٩) من ابواب الدين/حديث«١١»/ ص١٠٦.

(٣) الوسائل/ج١٢ باب «٩» من ابواب العقود/رواية «٤»/ ص٣٨٠.

(٤) ابى الحسن «ع» الرضا او موسى بن جعفر «ع».

{١٩٤}

وكموثقة مسعدة بن صدقة١ عن أبي عبد الله (ع) قال: «سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها اياه، فلما حل عليه المال لم يكن عنده مايعطيه فأراد أن يقلب٢ عليه ويربح أيبيعه لؤلؤا أو غيره ذلك مايسوى مائة درهم بألف درهم ويؤخره. قال: لابأس بذلك، قد فعل ذلك ابي رضي الله عنه وأمرني ان افعل ذلك في شيء كان عليه» وهذه الروايات التي تعلم هذا الطريق تدل على ان التأجيل بالزيادة ممنوع.

والخلاصة ان هذه الادلة المتقدمة تدل على حرمة الالزام بأخذ شيء في القرض بلا عوض، سواء كان الالزام بأخذ شيء في اصل القرض او من أجل تأجيل القرض. وحينئذ فلاوجه لما نقل عن الشيخ وبعض من جواز اشتراط الدراهم الطازجية عوض المكسرة، وصحيح يعقوب بن شعيب٣ «سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة فيأخذ منه الدراهم الطازجية طيبة بها نفسه. فقال: لا بأس به وذكر ذلك عن علي (ع)» ليس ظاهرا في الاشتراط. نعم هو ظاهر في أخذ المقرض من المقترض الاجود وهو راض، ولو قلنا بأن «يأخذ» ظاهرة في الاشتراط لانها ظاهرة في الالزام فتعارضها الروايات الكثيرة التي أطلق فيها المنع، والترجيح لروايات المنع لشهرتها ان لم يجمع بينهما بكون المجوزة تحمل على عدم الشرط.

والحق أن كلمة «يأخذ» ليست ظاهرة في الالزام فهي ليست ككلمة «الجر» من قبيل «جر نفعا»٤، وانما هي ظاهرة في الاعم من الالزام وغيره، وحينئذ

______________________________

(١) الرواية الثالثة في نفس المصدر والصفحة.

(٢) يقلب: يجعل الحال مؤجلا.

(٣) الوسائل/ج١٢/ باب «١٢» من ابواب الصرف/حديث«٥»/ ص٤٧٧.

(٤) ان قلت: جاء في الرواية «خير القرض ماجر نفعا» والحال ان المراد من الخبر هو حصول النفع من دون اشتراط. قلت: ظاهر الخبر هو الشرط غاية الامر رفعنا اليد عن هذا الظهور لاجل القرينة ولذاك يكون معنى حمليا لاظاهرا.

{١٩٥}

تكون الروايات المانعة في صورة الالزام مخصصة لها في كون الاخذ بغير الزام وهو معنى عدم الشرط وبهذا نعرف أن كل زيادة الزامية بلاعوض في عقد القرض هي زيادة ربوية، وحينئذ يأتي الحكم وهو الحرمة، وبهذا يكون معنى واضحا لما ذكرته الروايات من أن الفساد يأتي من قبل الشروط بأخذ الزيادة بلا مبرر، فقد قال الحديث «جاء الربا من قبل الشروط وانما تفسده الشروط» ومن هنا نعرف أن لا ضرورة للالتزام بأن المحرم فقط هو القرض الذي يشترط فيه النفع، اذ لادليل على ذلك وانما المحرم وهو كل زيادة الزامية من أجل القرض.

الاشكال على الادلة المتقدمة:

وقد يستشكل على الادلة المتقدمة التي دلت على حرمة الربا القرضي مطلقا فيقال: اما الادلة المطلقة منها فتقيد بقوله «لاربا الا في المكيل والموزون» واما الادلة الخاصة المعتبرة فهي واردة في قرض الدراهم والدنانير، وأما التي ذكرت المال فقد قالوا: بأن المال في ذلك العصر كان منصرفا الى النقدين، اذن لادليل على حرمة مطلق الربا القرضي.

وللاجابة على هذا الاشكال نقول:

أولا: لقد تقدم منا ان اخذ الزيادة في مقابل التاجيل في عقد القرض حرام كما هو مورد نزول بعض الايات القرآنية و الروايات، وتقدم ايضا ان الزيادة قد تكون في مقابل الحق، وهذا دليل على ان الدين او المال او الحق (١) اذا حل اجله لا يجوز ان يؤجل في مقابل الزيادة. ولا فرق بين هذا وبين اخذ الزيادة في اصل عقد القرض كما كان شائعا قبل الاسلام اذ اطلاق الحرمة يشمل كل ما كان ربا. وهذا لا مخصص له من الادلة الخاصة فيعمل باطلاقه.

ثانيا: اننا اخترنا فيما تقدم في (بحث الربا في المعاوضات) جريان الربا

______________________________

(١) يراجع الربا الجاهلي في بحث ابناء العامة.

{١٩٥}

المعاوضي في المعدود اذا كان على وجه النسيئة، وحينئذ يكون هذا دليلا على حرمة بيع عشرة دنانير بخمسة عشر نسيئة اذا قلنا ان هذه العملية بيع.

وثالثا: ان الايات القرآنية المانعة من تاجيل الدين في مقابل الزيادة، تقول بحرمة مطلق القرض الربوي، والروايات الخاصة(على لسان المستشكل) تثبت الربا في النقدين، ولا تعارض بينهما، لان كلا الحكمين مثبتان. نعم هذان الحكمان المثبتان يعارضان الحديث القائل(لا ربا الا في المكيل والموزون) فيخصص النفي بادلة وجود الربا في القرض. وهذا يبطل اصل الاشكال الذي يقول بعدم وجود دليل على حرمة القرض الربوي.

فساد العقد:

وقد اختلف الفقهاء في فساد العقد الذي فيه شرط الزيادة، فقد ذهب البعض الى فساده باشتراط الزيادة واستدلوا بان الظاهر من حرمة القرض الربوي هو فساد العقد وعدم افادته الملك، باعتبار توجه النهي الى المعاملة، ومعناه عدم ترتب الاثر عليها، فيبقى مال القرض في ملك المقرض، وحينئذ يحرم على المقترض التصرف فيه، ولو تلف في يده فهو مضمون عليه لانه قد قبضه على ان يكون مضمونا عليه لوتلف، والقاعدة تقول بأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

ولكن ذهب ابن حمزة الى أن المال في يد المقترض أمانة، وهو ضعيف لان المقرض انما اعطى المال على أن يكون مضمونا على المقترض، فلاوجه للامانة هنا اصلا.

وقد توقف المحدث البحراني (قده) في فساد العقد مدعيا انه ليس في شيء من نصوصنا مايدل على فساده بالاشتراط، بل اقصاها النهي من اشتراط الزيادة

{١٩٧}

والخبر النبوي ليس من طرقنا.

وقد يقال: ان هذا البحث مبني على مسألة أن الشرط الفاسد وهو الزيادة هل يفسد العقد ام لا؟ فمن ذهب الى فساده حكم بفساد العقد، ومن لم يحكم بفساده كما عليها الاكثر لم يفسد العقد. ونحن قد ذكرنا في مقدمة «الربا عند الامامية» بأن الشرط الفاسد اذا كان اشتراطه يؤدي الى اختلال اركان المعاملة فالمعاملة باطلة بالاضافة الى بطلانه، واذا كان اشتراطه لايؤدي الى اختلال اركان المعاملة فهو باطل فقط١.

وهنا اشتراط الزيادة لايخل بأركان صحة العقد القرضي اذ هو كما تقدم «تمليك المال على وجه الضمان» وكل اركان العقد موجودة هنا، فتشمله ادلة اطلاقات صحة العقد كأوفوا بالعقود. نعم اشتراط الزيادة قد نهي عنه فيبطل الشرط فقط. اما العقد فهو صحيح، وهذا بخلاف الربا في المعاملة حيث يكون الاشتراط (اشتراط الزيادة) هناك موجبا لاختلال اركان صحة العقد التي منها التساوي، وهو غير موجود باستبدال القليل بالكثير، فلا تشمله اطلاقات صحة البيع.

ومما تقدم نعلم انه ليس كل شرط حرام في عقد القرض، ولاكل نفع حرام بل الشرط الذي يجر نفعا بلا مقابل «كأن يكون في مقابل التأجيل» في عقد القرض هو الحرام فقط. واما النفع الذي لم يشترط في عقد القرض فهو جائز لمفهوم الاخبار الكثيرة التي توجد البأس مع النفع بشرط، ولمنطوق الاخبار التي تنفي البأس بالنفع اذا لم يكن قد شرط، فمنها صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يقترض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال او يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم، فقال: اذا لم يكن شرط فلا بأس

______________________________

(١) تقدم في مقدمه البحث في ربا الامامية.

{١٩٨}

وذلك هو الفضل ان أبي (ع) كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد الجلال، فيقول يابني ردها على الذي استقرضتها منه، فأقول: يا أبه ان دراهمه كانت فسوله وهذه خير منها فيقول: يابني ان هذا هو الفضل فاعطه اياها»١ وعلى هذه الصورة تحمل النصوص التي تقول «خير القرض ماجر نفعا»٢.

وكذلك يجوز النفع اذا لم يكن له مدخلية بالقرض كما اذا قرضت اخي مالا وهو يعطيني نفقتي وما احتاج اليه، فالقرض الذي اعطيه لاخي قارنه نفع ولكن لامدخلية للنفع الذي احصل عليه انا بالقرض، فلا تشمله ادلة التحريم.

وربما يستدل له أيضا نخبر هذيل٣ «قلت لابي عبد الله (ع) اني دفعت الى أخي جعفر مالا فهو يعطيني ما انفقه واحج به وأتصدق وقد سالت من عندنا فذكروا أن ذلك فاسد وانا احب أن انتهي الى قولك، فقال: أكان يصلك قبل ان تدفع اليه مالك؟ قلت: نعم. قال: خذ ما يعطيك فكل واشرب وحج وتصدق فاذا قدمت العراق فقل جعفر بن محمد افتاني بهذا».

القرض مع الشرط الجائز:

ويمكن ان نذكر للشرط الجائز امثلة متعددة منها: اذا أقرضت شخصا مالا واشترطت عليه أن يأتي بغلته لاجل أن أبيعها له، ولي منفعة من هذا البيع، فان هذا الشرط في عقد القرض قد جر علي منفعة، الا أنني قد حصلت عليها في

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب (١٢) من ابواب الصرف/حديث(٧)/ ص٤٧٨.

الدراهم الفسولة: المزيفه قال في القاموس: أفسل عليه دراهمه: زيفها. الدراهم الجياد (الجلال): الفغيسه، الوافيه.

(٢) الوسائل/ج١٣/ باب «١٩» من ابواب الدين/حديث«٤،٦»/ ص١٠٤ – ١٠٥.

(٣) نفس المصدر/حد،يث«٢» «هذيل ليس فيه توثيق».

{١٩٩}

مقابل عملي الذي بذلته لاجل بيعها، فلم يكن القرض هو الذي جر علي المنفعة، والظاهر من النصوص هو حرمة القرض الذي يجر علي المنفعة مباشرة من دون عمل مقابل للمنفعة، واذا حكما الاصل العملي عند الشك، فالجواز بمعنى عدم الحرمة هو الجاري في المقام، وترتب الاثر على هذا العقد يكون بالتمسك بأوفوا بالعقود. ومثل هذا في الجواز اشتراط المقرض رهنا على ما أقرضه او كفيلا او اشهادا، فان هذه الشروط لاتجرى نفعا، بل هي وثيقة للدين وضمانا من ضياعه، ومثله ايضا أن اشترط عليه في القرض أن يبيعني داره بثمن المثل في ظروف اعتيادية.

ومما يدل على هذا حسنة جميل «قلت لابي عبد الله (ع) أصلحك الله اننا نخالط نفرا من أهل السواد فنقرضهم القرض ويصرفون الينا غلاتهم فنبيعها لهم بأجر ولنا في ذلك منفعة. قال لابأس ولااعلمه الا قال: ولولا مايصرفون الينا من غلاتهم لم نقرضهم فقال لابأس»١ بناء على أن جملة ولولا مايصرفون الينا من غلاتهم لم نقرضهم هي عبارة عن شرط صريح في ضمن عقد القرض. نعم القرض بشرط البيع المحاباتي حرام – كما سيأتي – كما لو اقرضته المال بشرط أن يبيعني داره بنصف القيمة، فانه يدخل تحت كونه قرضا قد شرط فيه النفع للمقرض.

وبعبارة أخرى: الروايات تحرم أن يكون القرض هو الذي يجر النفع مباشرة عند العرف، فنحن وان قبلنا عقلا أن «جار الجار جار» فاذا جر القرض بيعا،

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣ باب «١٩» من ابواب الدين/ حديث«١٢»/ ص١٠٦. وانما عبرنا عنها باحسنة لان طريق الشيخ الى محمد بن ابي عمير حسن، وقد عبرعنا بالمرسلة لوجود طريق الصدوق باسناده عن جميل بن دراج عن رجل، اذن الرواية لها طريقان اولهما حسن فهي حجة عند من يعتبر الحسن.

{٢٠٠}

والبيع جر النفع فهو داخل عقلا في أن القرض جر النفع، الا أن هذا منصرف عن الروايات التي معناها عرفا هو أن يكون القرض هو الجار مباشرة للنفع.

اذن ينبغي أن يكون معنى القرض الذي يجر منفعة الذي نصفه بالربا هو ما كانت المنفعة مشروطة ولم تكن في مقابل عمل يبذله المقرض وأن يجرها القرض بحيث لولاه لما كانت هناك منفعة.

مطلق المنفعة سواء كانت حقيقية او حكمية هي ربا:

وقد نقل صاحب الجواهر (قده) عن الاردبيلي الميل الى عدم البأس في اشتراط الزيادة الحكمية للاصل واطلاق الادلة خصوصا نصوص خير القرض ما جر نفعا، بعد عدم الاجماع وعدم ظهور تناول دليل الربا له، بل دلالة اكثر أخبار المنع انما هي بمفهوم البأس الذي هو اعم من الحرمة.

ولكن الادلة ظاهرة بمنطوقها على تحريم اشتراط الزيادة الحكمية كصحيح محمد بن قيس١ عن أبي جعفر (ع) قال: من اقرض رجلا ورقا فلايشترط الامثلها، فان جوزي أجود منها فاليقبل، ولاياخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاعا يشترط من أجل قرض ورقه». وكذلك الادلة ظاهرة مفهوما ولو بالقرائن من المنع عن اشتراط النفع عينا او منفعة او صفة.

نعم هناك استثناء من هذه القاعدة وهو عبارة عن التسليم في بلد آخر وان كان فيه نفع للمقرض فهو جائز، للاخبار المتعددة، منها معتبره الكناني٢ عن أبي عبد الله (ع) « في الرجل يبعث بمال الى أرض، فقال للذي يريد أن يبعث به أقرضنيه وأنا اوفيك اذا قدمت الارض. قال: لابأس». ومن اطلاق هذه الادلة

______________________________

(١) نفس المصدر/حديث«١١».

(٢) الوسائل/ج١٢/ باب «١٤» من ابواب الصرف/حديث«٢»/ص٤٨٠.

{٢٠١}

نستفيد عدم الفرق بين صورة الانتفاع للمقرض وعدمه١، بل الظاهر انها واردة في صورة انتفاع المقرض. وما نسب الى البعض من احتمال الفساد لاوجه له، فانه وان كان قرضا جر نفعا للمقرض فتشمله الادلة المحرمة الا انه قد استثني بواسطة ماتقدم من الروايات فيخرج عن الربا حكما، وهذا الحكم مختص بالنقود كما سيأتي٢.

ولنا أن نقول – كما تقدم في بحث العامة – ان هذه الصورة خارجة عن الربا موضوعا وذلك لان المقرض لم ينتفع من اقراضه هذا بشيء وانما قد تخلص من اضرار كان يتحملها لو نقل المال بنفسه من اخطار الطريق مثلا وغيرها، وهذا ليس بنفع وانما هو عدم ضرر فلا بأس به.

اشتراط النفع في القرض للمقترض:

وهذه الصورة تكون فيما اذا اقترضت منه مائة درهم على أن ارجعها اليه ٩٠ درهما، وهذا جائز، لان موضوع الربا هو اشتراط الزيادة للمقرض، وهو ليس بموجود هنا. ومثل هذا مالو اقترضت منه مائة دينار في ايران على ان اعطيه اياها في العراق، فقد انتفعت بهذا القرض حيث أزال عني اجرة حمل الطريق لو اردت سحب المال الى ايران، وبهذا سوف تكون شروط القرض الذي

______________________________

(١) لو قلنا ان اطلاق الادلة لايفرق بين صورة الانتفاع للمقرض وعدمه فتكون النسبة بين هذه الروايات وبين الروايات التي تدل على أن القرض اذا جر نفعا فهو حرام عموما وخصوصا من وجه فيتساقطان في مادة الاجتماع فينتهي الدور الى الاصل وهو الحلية واوفوا بالعقود. ولكن اذا قلنا بأن الروايات ظاهرة في صورة الانتفاع فقط، فما جاء في المتن يكون هو الصواب وعلى كل حال فالنتيجة واحدة.

(٢) سنتعرض لهذا البحث مفصلا في ما يأتي.

{٢٠٢}

يجر نفعا قد زادت واحدا وهو ان يكون النفع المشروط بالقرض للمقرض، ودليله هو ظهور الاخبار في هذه الصورة، وانصرافها عن كون الشرط في عقد القرض للمقترض ولهذا نقول بصحة اخذ البنك اكثر مما اعطى لعامله اذا حول له مالا، لان العميل اذا اعطى الى البنك في ايران لاجل أن يتسلمه في الهند فهو دائن والبنك مدين، وحينئذ يستطيع البنك بما أنه مدين من اعطاء اقل ما قبض وليس هو ربا لانه مدين والربا هو أن يأخذ الدائن الزيادة، بالاضافة الىأن البنك له أن ياخذ عمولة على عمله مع اتفاق وقبول من يعمل له وهي غير الفائدة، الا ان اخذ العمولة يكون في حدود خاصة عادة.

اساليب اخذ الزيادة في القرض

لقد تقدم منا القول بأن الزيادة في القرض على نحوين:

١ – الزيادة في اصل القرض.

٢– الزيادة في مقابل الاجل.

ونتكلم الان عن كل قسم من هذين القسمين تفصيلا:

القسم الاول: ويمكن أن تصور الزيادة على نحوين:

الاول: ان تكون الزيادة على نحو الجزئية من البدل.

الثاني: ان تكون الزيادة بنحو الشرطية، كما اذا اشترط عليه زيادة معلومة على البدل. ونحن نرى أن كلا هذين التصويرين لاخذ الزيادة حرام شرعا لشمول دليل تحريم الربا القرضي له لان ربا القرض، هو عبارة عن الزيادة للمقرض المشترطة في عقد القرض من دون ان يكون مقابلها عمل.

القسم الثاني: وتتصور على انحاء:

الاول: ان يلزم المدين بالزيادة بنحو المبادلة بين التأجيل والزيادة، وكأن

{٢٠٣}

الدائن هنا حينما يقدم المال للاخرين له حق المطالبة بهذا المال متى شاء، فهو يسقط هذا الحق من المطالبة الفورية في مقابل الزيادة.

ويرد على هذا اننا لو قبلنا ان للدائن حق المطالبة بالمال متى شاء، فانما نقبله في صورة كون الدين مطلقا وكون المدين موسرا، واما اذا كان الدين مقيدا بوقت او كان المدين معسرا فلا نقبله لمقتضى عقد القرض المقيد بالاجل ولقانون «فنظرة الى ميسرة» الذي يسقط حق المطالبة، ولتوضيح ذلك نقول: ذكر العلماء ان القرض من العقود الجائزة التي يجوز فيها الرجوع من الطرفين، وهذا صحيح في حدود اطلاق العقد القرضي، واما اذا اشترط التأجيل في العقد القرضي فيلزم التأجيل، أي لايكون العقد جائزا من ناحية المشترط عليه التأجيل. وهذا هو الظاهر من قوله تعالى (اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه.... الخ) ومن معتبرة الحسين بن سعيد، اذ الاية قد امضت اشتراط الاجل في عقد القرض وهذا الامضاء يدل على فائدة الشرط الذي امضاه الشارع؛ فان قلنا ان الدائن له حق المطالبة بالدين في أي وقت شاء، فمعنى ذلك لغوية الشرط بالامهال وعدم فائدته، وهو خلاف ظاهر الشرط والامضاء.

وأما الرواية فهي معتبرة الحسين بن سعيد، قال: سألته عن رجل اقرض رجلا دراهم الى اجل مسمى ثم مات المستقرض أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه، او للورثة من الاجل مثل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: اذا مات فقد حل مال القارض»١ فقد أقر الامام عليه السلام الاجل في القرض ومفهوم

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣/ باب (١٢) من ابواب الدين/حديث(٢) ص٩٧. بالاضافة الى أن جواز عقد القرض مطلقا لادليل عليه الادعوى الاجماع، وهي موهونة بفتوى العلماء بعدم جواز الرجوع في العين المقروضة، كما توجد قرائن اخرى تدل على عدم صحة دعوى الاجماع منها: جواز بيع الدين المؤجل بحال بأقل من الدين. وحينئذ اذا سقطت دعوى الاجماع يبقى اشتراط الامهال في العقد مؤثرا اثره من الزام المشترط عليه بالعقد القرضي وهذا هو المعنى المرتكز للدين المؤجل عند العرف، بالاضافة الى المؤمنون عند شروطهم.

{٢٠٤}

جواب الامام عدم حل القرض اذا لم يمت المستقرض.

هذا بالاضافة الى أن «المسلمون عند شروطهم» تثبت صحة الشرط ولزومه لان «اوفوا بالعقود» توجب الوفاء بالعقد وبالشرط الذي هو عهد، وبهذا ثبت ان العقد القرضي لازم عند اشتراط التأجيل بالنسبة للمقرض، وهذا لاينافي الجواز مع اطلاق العقد القرضي. ثم في صورة كون العقد جائزا (اي غير مؤقت بوقت) ولكن كان المدين معسرا، فهنا يسقط ايضا حق المطالبة بالمال للاية الكريمة(وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة) وقد يقال بأن الاية الكريمة في هذه الصورة لم تقل بعدم أخذ الاجرة على الانتظار، فيكون جائزا.

ولكن هذا وهم لايمكن الركون اليه، حيث اننا اذا قلنا بأن الاية الكريمة تأمر بالانتظار، ومعنى ذلك وجوب الانتظار وعدم المطالبة وحينئذ لايستحق اجرة على انتظاره لان ايجاب شيء بدون صدور عمل – كما في الواجبات الكفائية – لا يستحق أجرا عليه. وهذا الجواب لايثبت ان الاية تثبت الحق. بالاضافة الى التشكيك في التعليل، اذ أنه قد يجب علي ابقاء زيد مع عائلته في داري، ولكن هذا لاينافي اخذ الاجرة منه، لانتفاعه بالدار، فكذلك فيما نحن فيه، لان وجوب الانتظار وعدم المطالبة لاينافي اخذ الاجرة على المال الذي ينتفع به، ولذلك لابد في الجواب من القول بالتعبد الشرعي وهو ان الشارع حرم أخذ الاجرة في مقابل اسقاط هذا الحق، وتدل على ذلك الاثار التي نقلناها سابقا التي تقول بأن آيات القرآن نزلت في هذه الزيادة «أتقضي ام تربي» وهي نص في المورد، فالتراجع.

وأما في صورة كون العقد القرضي مطلقا، فقد قلنا بوجود حق المطالبة

{٢٠٥}

بالمال متى شاء، الا ان اسقاط هذا الحق غير معقول لان هذا الحق ناشىء من اطلاق العقد، أي ان هذا الحق هو في الحقيقة حق حكمي، والحق الحكمي لايمكن اسقاطه من قبل المكلف. نعم اذا كان الحق ناشئا من شرط فيمكن اسقاطه فمثلا اذا بعت الكتاب بدينار نقدا او مطلقا، فالحكم بجواز المطالبة بالدينار (الذي يعبر عنه بالحق) لايمكن اسقاطه، وهذا مثل جواز الرد في الهبة اذا كانت العين موجودة، فان هذا الجواز حكم شرعي لايسقط بالاسقاط.

الثاني: ان تكون الزيادة بنحو الجعالة، كأن يقول المدين من أجل ديني فله درهم، فهنا ايضا اصبحت الزيادة في مقابل الاجل، وكأن المدين بجعالته قد جعل له حق التأجيل في الوفاء، وهذا الحق بما أنه قد اعترف به الدائن، فقد سقط حقه في المطالبة الفورية بالمال.

ويرد على هذا أن الجعالة انما تصح في صورة وجود عمل مضمون لانسان على آخر، فالجعالة تحدده، أما هنا فليس للدائن عمل مضمون على المدين حتى يتمكن المدين من تحديده بالجعالة١.

الثالث: أن يلزم الدائن المدين بالجامع بين اعطائه الزيادة عطية اويفي

______________________________

(١) روايات الجعالة منها صحيح علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن(ع) «قال سألته عن جعل الابق والضالة قال لابأس به» والجعل يطلق لغة على المال الذي يعين في مقابل العمل، ويمكن ادعاء انصراف الجعل الى ما يجعل في الجعلة. ومنها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبي يسأل ابا عبد الله (ع) وانا اسمع فقال: ربما أمرنا الرجل فيشتري لنا الارض والدار والغلام والجارية ونجعل له جعلا، قال لا بأس، وهذين الروايتين باطلاقهما تشمل الاجارة والجعالة مع الفرق بينهما من ناحية تحديد الاجر والعمل في الاجارة دونه في الجعالة، وعدم جواز كون الاجرة سهما بخلاف الجعالة، وهما تدلان على ماذكرنا في المتن. الوسائل/ج١٦ كتاب الجعالة/باب (١)/ حديث(١)/ص١١٢ وباب (٤) حديث(١)/ص١١٤.

{٢٠٦}

بالدين. وفورا. ويرد على هذا أن المدين لايكون ملزما بالجامع الذي قدمه له الدائن اذا كان غير واجد باعتبار قانون «وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» فهو وان لم يختر اعطاء الزيادة لايلزم بوفاء الدين فورا، واما اذا كان واجدا للمال فأيضا لايلزم المدين بالجامع، لان الزيادة من قبل المدين لوقبلها تجعل الدائن لايطالب بالمال فورا (كما يدعون) ومعنى ذلك أن الزيادة اصبحت في مقابل عدم المطالبة الفورية، وقد تقدم منا أن اسقاط حق المطالبة الفورية في مقابل المال قد منع منه الشارع، بالاضافة الى أن اسقاط حق المطالبة الذي هو حكم حقيقة غير معقول. نعم له حق أن لايطالب وهذا شيء غير اسقاط حق المطالبة.

الرابع: أن يبيع المدين شيئا قيمته عشرة دنانير الى الدائن بخمسة دنانير ويشترط عليه تاجيل الدين، فيكون التأجيل في الدين في مقابل البيع المحاباتي الذي يكون له مالية عقلائية فأصبحت الزيادة الناشئة من البيع المحاباتي في مقابل الاجل، اوقل لقد حصلت الزيادة في القرض بلامبرر. وهذا مرة يحصل من دون الزام من الدائن ومن دون مضايقة كأن يكون المدين محتاجا الى هذا البيع المحاباتي حقيقة فلايكون ربا، واما اذا كان هذا البيع المحاباتي بواسطة الشرط من الدائن او حصل نتيجة المضايقة من الدائن، فيكون البيع المحاباتي له مالية عقلائية في مقابل اسقاط حق المطالبة. وقد قلنا سابقا أن اسقاط حق المطالبة لايكون في مقابلة مالية او اجرة لمنع الشارع اذا كان له حق الاسقاط.

نعم وردت روايات في البيع المحاباتي كفرار من الربا، ولكن الظاهر منها عدم الزام المدين به او احتياجه واقعا اليه، واما اذا قلنا باطلاقها فهي تعارض قانون «وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» وتعارض الايات القرآنية النازلة في ربا الجاهلية (اتقضي ام تربي) كما فسرت اذ الحقيقة أن الدائن اذا الزم المدين بالبيع المحاباتي فكأنه ضايقه بالوفاء او بالزيادة التي تحصل بصورة البيع

{٢٠٧}

المحاباتي وهي محرمة.

والرايات هي:

١ – موثق عمار١ قال: قلت للرضا (ع) الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبعيه لؤلؤة تسوى مائة درهم بالف درهم ويؤخر عنه المال الى وقت. قال: لابأس به أمرني أبي ففعلت ذلك، وزعم انه سأل ابا الحسن (ع) عنها فقال مثل ذلك».

٢ – موثق عمار الاخر٢ قال: قلت لابي الحسن (ع) يكون لي على الرجل دراهم فيقول أخرني بها وأنا اربحك فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم او قال: بعشرين ألفا اؤخره بالمال، قال: لابأس».

وهناك روايات اخرى الا أنها ساقطة سندا. ويظهر من الشيخ صاحب الجواهر (قده) العمل بهذه الحيلة لحلية ما نحن فيه٣، ولكن قلنا أنها ظاهرة في غير الالزام. ثم انه يظهر من الشيخ صاحب الجواهر (قده) وغيره الفرق بين هذه الحيلة التي نطقت بها الروايتان المتقدمتان وبين مسألة القرض بشرط البيع المحاباتي، اذ قد حرمها بعد أن دلل على أن المسألة ليست اجماعية كما ادعاه البعض. ولكننا لانرى فرقا بين هذه المسألة وما ذكرته الراويتان المتقدمتان او أن الفرق غير فارق، اذ الفرق هنا فقط في صورة الانشاء.

ونحن قد تقدم منا أن الحرمة التي نستفيدها من القرض بشرط البيع المحاباتي منشؤها هو: مالية البيع المحاباتي عند العرف، وحينئذ باشتراطه يكون قد صدق جر النفع بالقرض، او قل يكون هذا المال الناشيء من البيع المحاباتي

______________________________

(١،٢) موثق محمد بن اسحاق بن عمار/ الوسائل/ج١٢/ باب (٩) من ابواب احكام العقود/ حديث(٦،٤)/ص٣٨٠.

(٣) الجواهر ٢٥/٣٥.

١٢
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٢٠٨}

في مقابل الاجل في القرض وهو ربا قرضي واضح، وهذه النكتة بنفسها موجود في الراويتين، حيث ان البيع المحاباتي اذا كان ملزما للمدين، وهو له مالية كما قلنا فتكون المالية في مقابل تأجيل القرض، أي يكون بقاء القرض قد جر نفعا بالالزام والشرط فيه، والشرط ليس هو من اول العقد، بل بعد ذلك كما في صورة (اتقضي ام تربي) فانها تلزم المدين بالقضاء او بالزيادة في مقابل التأجيل وهو الربا المحرم.

واذا قلنا بوجود تعارض بين هاتين الروايتين وبين مورد نزول الايات القرآنية (اتقضي ام تربي) فالترجيح لمورد نزول الايات، فلا وجه لاختلاف الفتوى في المسألتين. هذا كله بالاضافة الى صحيحة محمد بن قيس١ عن أبي جعفر (ع) قال: من اقرض رجلا ورقا فلايشترط الا مثلها، فان جوزي أجود منها، فاليقبل، ولايأخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاع يشترط من آجل قرض ورقه».

وهذه الصحيحة تصرح بعدم الشرط الذي هو نفع للمقرض من اجل قرضه، فان الالزام بالمحاباة في مقابل التأجيل، او التأجيل بواسطة الالزام بالمحاباة هو زيادة على رد المثل فهو منهي عنه.

هذا ولكن الاكثر٢ من الفقهاء ذهبوا الى الفرق بين القرض بشرط البيع المحاباتي وبين البيع المحاباتي اذا شرط فيه تأجيل الدين او القرض وذلك للجمود على اللفظ الذي حرم الاول باعتباره شرطا في عقد القرض قد جر نفعا

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣/ باب(١٩) من ابواب الدين والقرض/ حديث«١١»/ ص١٠٦.

(٢) منهم السيد الامام الخميني في رسالته تحرير الوسيلة/ج٢/ كتاب القرض مسألة «١٠» ص٦٥٤. والسيد الامام الخوئي في رسالته منهاج الصالحين ج٢ كتاب الدين والقرض مسألة «٧٩٨» ص١٨٨.

{٢٠٩}

للمقرض، وحلل الثاني نظرا الى الروايات التي ترفع البأس، او لانه بيع محاباتي اشترط فيه القرض وهو ليس بمحرم.

وقد يقال: ان الاحكام الشرعية تابعة للعناوين، ونحن فهمنا من الادلة المتقدمة قرآنية وروائية ان القرض حدوثه وبقاؤه اذا كان يجر نفعا بالالزام والشرط فيه فهو حرام، وحينئذ تحدث عندنا ثلاث صور:

١ – اذا كان العقد القرضي يشترط فيه البيع المحاباتي فهو عقد قرضي جر نفعا بالالزام فهو ربا.

٢ – اذا كان بقاء القرض يشترط فيه المحاباة كما اذا كان القرض موجودا من الاول وحل اجله وكان الدائن بضغط على المدين اما بالوفاء او بالبيع المحاباتي فهنا بقاء العقد القرضي جر نفعا فهو حرام وهو معنى (أتقضي ام تربي).

٣ – اذا كان البيع المحاباتي قد اشترط فيه اصل القرض، فهذا ليس قرضا قد جر نفعا، ولا بقاء قرض قد جر نفعا، وانما بيع اشترط فيه القرض فهو ليس داخلا تحت عنوان التحريم. وما قيل من ان ملاك تحريم الربا القرضي موجود هنا. غير صحيح، لان ملاك تحريم الزنا في قوله للمرأة اعطيك الفا وانكحك موجود في قوله لها أتزوجك بألف فقالت قبلت، على ان الملاك لم نعرفه من دون دخول المورد في ادلة الحرمة. وبهذا لايكون البيع المحاباتي بشرط القرض حيلة للتخلص من الربا وانما هو غير مشمول لادلة الحرمة.

ولكن الحق والتحقق: انه لم يرد في أحد أدلة الربا المعتبرة جملة «ألقرض الذي يجر نفعا فهو ربا» حتى نجمد عليه، بل تقدم منا أن الادلة المطلقة والمقيدة بالقرض كلها تدل على ان الالزام بأخذ زيادة في عقد القرض بلا مقابل هي ربا، وهنا في الصورة الثالثة ايضا كذلك فتأتي الحرمة على موضوعها. وبهذا يتضح عدم الفرق في البطلان ايضا لو قال القائل اقرضتك كذا من المال بشرط أن

{٢١٠}

تؤجرني البيت بأقل من قيمته او قال آجرتك البيت بأقل من قيمته بشرط ان تقرضني كذلك من المال، لان القرض الذي حصل بالشرط هو عقد سوف يرجع المقترض نفس القدر المقترض وقد ألزم المقترض باجارة بيته بأقل من قيمة المثل، فحصل القرض الذي فيه نفع الزامي يدفعه المقترض الى المقرض، غاية الامر هذا النفع الالزامي حصل بعقد الاجارة المشترط فيها القرض، والارتباط بينهما يفهم منه العرف اشتراط الزيادة في القرض.

وبعبارة اخرى: المقترض سوف يدفع اكثر مما اقترض وهذا ممنوع منه بالشرط١ كما في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، حيث أنها تمنع من الزيادة على القرض في مقام الاداء ولافرق بين كون الزيادة بعقد اجارة ام لا، وهنا الزيادة التي يحصل عليها المقرض قد حصلت بعقد الاجارة بأقل من القيمة، وهذا هو الشرط الارتكازي الذي بين عليه عقد القرض.

ويوجد هناك مبنى يقول بأن الالفاظ المنشأة تفصح عن شيء وراءها، والعمدة هو الشيء الذي تكشف عنه الالفاظ، وهذا الشيء المنكشف بالالفاظ واحدهنا سواء اقلنا أقرضتك مائة بشرط أن تؤجرني بأقل من قيمة المثل، او قلنا آجرتك البيت باقل من قيمة المثل بشرط ان تقرضني مائة، فالنتيجة هي ربوية مثل هذه المعاملة.

ولكن الصحيح هو ان هذه المعاملات لاحقيقة لها الا الانشاء والانشاء في هذين القرضين مختلف، ولكل من القرض بشرط الاجارة بأقل، والاجارة بأقل بشرط القرض له احكامه الخاصة وله معناه الذي يختلف عن الاخر، الا اننا نقول

______________________________

(١) والمراد من الشرط هو تحقق الارتباط بشيء، كما اطلقت الروايات ذكر الشرط على خيار الحيوان لانه مرتبط بالبيع، وبما أن الاجارة بأقل من القيمة لها ارتباط بالقرض، فيصدق على القرض انه اشترط فيه الزيادة عرفا فتشمله الادلة المانعة.

{٢١١}

هنا بربوية هذين القرضين لاطلاق الادلة التي تقول بأن أخذ الزيادة في عقد القرض بالالزام حرام، وهنا يصدق عرفا ذلك اذا قال آجرتك باقل من قيمة المثل بشرط ان تقرضني مائة، اذ أن الالزام هنا بالزيادة جاء من عقد الاجارة الذي هو مرتبط بعقد القرض، فصدق وجود الزيادة في القرض عرفا١.

ولعل من هذا الباب بطلان الرهن اذا اشترط المرتهن في عقد الرهن الانتفاع بالبيت بالجلوس فيه مجانا، بتقريب أن القرض الذي كان يرهن، والرهن فيه شرط الانتفاع للمرتهن مجانا، فقد حصل المرتهن على نفس امواله مع الزيادة (وهي الانتفاع بالبيت مجانا) بالشرط والالزام فيه. ولذا نرى التصريح بصحة رهن الدار بشرط ان تؤجر المنفعة على ثالث او على المرهن بثمن المثل، وما الجواز هنا الا لعدم جر الزيادة بواسطة هذا الشرط للمرتهن. نعم المرتهن ممنوع من التصرفات التي تنافي اصل عقد الرهن كالراهن، وأما هنا فليس التصرف في المنفعة منافيا لاصل عقد الرهن حيث ان العين مرهونة، اما منفعتها فلا

اعطاء المال واشتراط قبضه بارض اخرى:

وهذه العملية هي عبارة عن قرض المال الى شخص مع شرط ان يسلمه المال في ارض اخرى ونحن اذ نرى ان هذا الشرط اذا كان قد جر نفعا على المقرض

______________________________

(١) ننبه الى ان ما يتعارف في ايران من «رهن البيت واجارته» عبارة عن اجارة البيت بأقل من قيمته مع شرط القرض. وهذا هو الذي تكلمنا فيه وحرمناه، لذا نقترح لاجل حل هذا المشكلة الى اجراء المعاملة التي تسمى بالبيع الخياري، وهي عبارة عن شراء غرفة من الدار بمائة الف تومان على ان يكون الخيار للبائع فقلا بعد سنة ثم يؤجر المشتري للغرفة باقي الدار بألف تومان، وحينئذ لايتمكن المشتري للغرفة من بيعها لوجود الشرط الارتكازي بينهما بعدم التصرف في الغرفة تصرفا ناقلا.

{٢١٢}

وقد الزم المدين بالعقد فهو من القرض الحرام لانه ربا، ولايلتفت الى من يقول بصحة هذه المعاملة اذا اجريت بصورة البيع مع الشرط المتقدم، لاننا حتى لو قبلنا ان هذه المعاملة هي بيعية، فمع ذلك يأتي اشكال الربا فيها لان النفع الذي يحصل هنا هو زيادة سواء كان المال مما يكال او يوزن او من النقد الذهبي او الفضي او من النقد المتعارف اليوم لاننا نقول بجريان الربا في المعدود نسيئة.

هذا ولكن وردت الروايات التي تجوز هذه المعاملة وحينئذ تكون خارجة عن حكم الربا١، والروايات كثيرة معتبرة منها «يدفع الى الرجل الدراهم فاشترط عليه أن يدفعها بأرض اخرى. قال: لابأس». ولابأس بالتنبيه الى ان هذا الحكم بالجواز مخصص في المال (النقود) على هذا المسلك الذي سلكناه كما صرحت بذلك الروايات.

ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (ع) «قال: قلت يسلف الرجل الورق على ان ينقدها اياه بأرض اخرى ويشترط عليه ذلك. قال: لابأس».

ومنها: صحيحة زرارة عن احدهما(ع) «في الرجل يسلف الرجل الورق على ان ينقدها اياه بارض اخرى ويشترط ذلك. قال: لابأس».

ومنها: موثقة السكوني عن ابي عبد الله (ع) «قال: قال امير المؤمنين (ع) لابأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكة ويكتب لهم سفاتج ان يعطوها بالكوفة».

والسفتجة كما في مجمع البحرين «قيل بضم السين وفتحها فارسية معربة وفسرها بعضهم فقال «هي كتاب صاحب المال لوكيله ان يدفع مالا لاحد ولاخذه مال في بلد فيوفيه اياه ثم فيستفيدا من الطريق وفعله السفتجة بالفتح

______________________________

(١) الوسائل/ج١٢/ باب «٤» من ابواب الصرف/حديث١– ٧/ ص٤٨٠ – ٤٨١.

{٢١٣}

والجمع السفاتج١.

ثم انه قد يعترض على هذه الروايات، فيقال: بأن التحريم الوارد في ربا القرض خصوصا الايات القرآنية الشديدة اللحن التي تعبر عن الربا بالظلم والاذن بمحاربة الله ورسوله وغير ذلك من التهديدات التي لم يرد مثلها في محرم آخر كالزنا مثلا – آبي عن التخصيص، فلايمكن ان يقال ان كل ربا قرضي مثلا ظلم الا هذا الربا القرضي، وحينئذ اذا راجعنا الروايات نجد الحكم واضحا في الجواز فما العمل؟.

ونقول: لابد من التدقيق في نفس العملية لنرى انها هل ترجع بنفع هذا المقرض ام لا؟ ونحن هنا اذا استطعنا ان نميز بين حالتين:

الاولى: وهي عدم الخسارة. والثانية: هي النفع. فنتمكن ان نقول ان الشارع المقدس انما حرم الثانية في القرض، واما الاولى فليست بمحرمة. وندعي ثانيا ان عملية اقراض زيد ماله في طهران بشرط ان يستلمه في بغداد ليس فيها نفع، انما فيها عدم خسارة بالمعنى الدقي، اذ ان حمل المال من طهران الى بغداد فيه اجرة يتحملها صاحب المال وفيه مخاطر، فصاحب المال يعمل عملا يدفع عن نفسه هذه الاجرة والمخاطر، وهذا ليس بمحرم في القرض وانما المحرم هو النفع الذي يشترط في القرض، على ان الظلم الوارد في الاية القرآنية ليس معناه الظلم الذي يحكم به العقل وانما معناه الظلم المعاملي وهو اخذ الزيادة بلا مبرر شرعي، فهو ظلم مالي بحكم الشارع وان لم يكن ظلما بحكم العقلاء.

ويحق لنا ان نفسر الموقف بالحكومة، بأن نقول قد حكم العقل بقبح الظلم فالموضوع هو منع حق الغير، والحكم هو التقبيح، غاية الامر قد زاد الشارع

______________________________

(١) ٢/٩٠٣ – ٣١٠.

{٢١٤}

فردا للموضوع حيث منع من اخذ الزيادة وجعل من حق الطرف عدم لزوم اعطائها وحينئذ اذا لم يتحقق المنع في هذه الصورة فلا يكون الجواز ظلما قد استثني من حرمة الظلم حتى يقال بأن الاية آبية عن التخصيص.

اذن اذا نظرنا الى التقريب الذي قربناه تكون الروايات المجوزة ليست استثناء من عملية الربا حكما، نعم تكون الروايات المجوزة استثناء من عملية الربا حكما على التقريب الاخير.

ولا بأس بالتنبيه على ان هذا البحث هو مختص بالحوالة التي معناها تحويل النقد من مكان الى آخر او تحويل الاوراق النقدية او المتاع، ولايشمل التصريف الذي هو عبارة عن بيع النقد بالنقد الاخر كبيع الدينار بالريال السعودي او التومان الايراني.

ثم ان نفس هذا الحكم نقوله في طلب زيد المال من البنك الايراني على ان يدفعه الى وكيل البنك في الهند، فهنا المقترض وهو زيد قد دفع الضرر عن نفسه بهذا العمل وهو ضرر جلب المال من الهند الى ايران مثلا، واذا كان هنا نفع فهو لابأس به ايضا لان النفع للمقترض بخلاف الصورة السابقة.

وأيضا نقول بصحة هذه العملية حتى لو اخذ البنك زائدا على ما دفع كما هو المتعارف من اعمال البنوك، وذلك لان من حق البنك الايراني الذي أقرض زيدا ان يطالبه بالوفاء في ايران كما هو مقتضى اطلاق الدين، ولكن المفروض ان المدين ليس له مال في ايران وانما له مال في الهند فهو يكلف البنك باستلام الدين من فرعه او من بنك آخر في الهند فهنا البنك الايراني من حقه ان لايوافق على هذا الا بأزاء مقدار من المال، وهذا معناه تنازل البنك الايراني عن حقه مقابل مال وهو ليس بفائدة، لان القرض لم يجر نفعا وانما النفع حصل بتنازل البنك عن حقه، أي تكون الزيادة هنا لها مقابل وهو تنازل البنك عن حقه المشروع غير حق

{٢١٥}

المطالبة وهو تنازله عن مطالبة المدين بالوفاء في خصوص المكان الذي وقع الدين فيه.

هذا ولكن صاحب الحدائق (قده) ناقش في وجود حق للدائن لأن لايستلم الا في بلد القرض فقال «لم أقف بعد التتبع والفحص على دليل لما ذكروه هنا ايضا، من ان اطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، وأنه لاجل ذلك ليس للمقرض المطالبة في غيره، ولايجب عليه القرض ايضا لو بذله المقترض له في غيره، بل ربما دل ظاهر بعض الاخبار على خلاف ذلك، مثل ما رواه في الموثق عن سماعة١ عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن رجل لي عليه مال فغاب عني زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه؟ قال (ع) لاتسلم عليه ولاتروعه حتى يخرج من الحرم» فان ترك الاستفصال يفيد عموم المقال كما ذكروه في غير المقام»٢.

ولكن نقول في مناقشة صاحب الحدائق (قده) ان المال اذا كان يختلف من مكان الى آخر فتعيين البلد لازم حتى لايحصل الغرر في المعاملة، ومقامنا من هذا القبيل اذ أن الثمن يختلف من دولة الى اخرى، فالتومان في ايران تختلف قيمته عن التومان في سوريا وكذلك بقية انواع النقد او المتاع، فحينئذ اذا عين مكان لقبض ولو بالاطلاق كطهران فلايجب على الدائن ان يستلم دينه في غيره ولايجب عليه ان يستلم قيمة دينه في غيرها ايضا لعدم اجباره على قبول نفس الدين، وعلى هذا يثبت حق للدائن في استلام الدين في مكانه، وحينئذ يتمكن ان يتنازل عن هذا الحق في قبال شيء من المال، فلاوجه لما ذكره صاحب الحدائق. على ان الرواية ليست دليلا له، حيث ان الامام (ع) قال لاتسلم عليه ولا

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣/ باب ٢٦ من ابواب الدين/ حديث«١» /ص١١٥.

(٢) الحدائق١٩/١٨٠.

{٢١٦}

تروعه، وهي غير دالة على اجبار المدين بدفع الدين في غير محله، اذ يمكن للدائن ان يتقاضى الدين من المدين فيوافق المدين على دفعه في محله فيأخذ الدائن رهنا او ضامنا منه.

والى هنا تم الكلام عن الربا القرضي عند الامامية.

الفصل الثالث

ونستعرض في هذا الفصل ما ادعي انه خارج عن الربا حكما للادلة الخاصة على ذلك مع مناقشة مايقبل المناقشة، كما اننا نتعرض الى ما ادعي أنه خارج عن الربا موضوعا في ربا المعاوضة وفي ربا القرض مع المناقشة لمايقبل المناقشة، وبعد ذلك نتعرض الى أهم الاشكالات على الحيل الشرعية التي تخرج المعاملة عن كونها ربوية مع المناقشة.

الخروج عن الربا حكما:

لقد ادعى بعض العلماء ان بعض المعاملات وان ثبت بها الربا موضوعا الا ان الحكم لايشملها على نحو التخصيص فتكون خارجة حكما، واستدلوا على ذلك بالروايات الواردة في المقام، والموارد هي:

أ - لاربا بين الولد وولده، وبين السيد وعبده، فيجوز لكل واحد منهما أخذ الفضل من الاخر، ويذكر في دليله رواية عمر بن جميع١ عن أبي عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب ٧ من ابواب الربا حديث١/ص٤٣٦.

{٢١٧}

وعبده ربا». ورواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: «ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده.... ربا».

ونحن اذ نفرق بين المسألتين (مسألة السيد وعبده) و(مسألة الوالد وولده) حيث اننا نقبل عدم الربا بين السيد وعبده حتى لو لم يوجد دليل صحيح ان قلنا ان العبد لايملك، حيث ان السيد يكون قد اجرى الربا مع نفسه فلم تحصل معاملة ربوية بين شخصين في الخارج وهذا لابأس به. واما اذا قلنا بأن العبد يملك كما هو الصحيح لان الحديث يقول «العبد وما يملك لمولاه» وهو دليل على ملكية العبد للمال، فهنا نحتاج الى عدم ثبوت الربا بينهما الى دليل صحيح.

وأما مسألة (الوالد وولده) فلا يوجد تصور عدم ملكية الولد، فلا نقبل عدم ثبوت الربا بينهما الا اذا دل عليه دليل صحيح. وحينئذ نقول ان الروايتين المتقدمتين لم تثبتا دليلا على المدعى حيث ان الاولى ساقطة سندا بوجود عمرو ابن جميع ومعاذ بن ثابت الذي لم يوثق، ولايفيد التوثيق لهما لرواية ابن أبي عمير عنهما كما قيل، لان ابن أبي عمير ليس لايروى الا عن ثقه كما زعموا، اذن ان هذا الكلام منشأه هو العبارة القائلة «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة منهم ابن أبي عمير» وهذا لانفهم منه الا تصحيح نفس ابن ابي عمير، اما الذي يأتي بعده في السند فلابد من ملاحظة حاله مستقلا٢.

وأما عمرو بن جميع فقد قال عنه العامة بأنه كذاب وضعيف، اما الشيخ والنجاشي فقد قالا عنه انه (ضعيف في الحديث) وهو لايدل على اتهامه بالكذب

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب ٧ من ابواب الربا حديث٣/ص٤٣٦.

(٢) نعم فهم الشيخ الطوسي من هذه العبارة ان ابن أبي عمير لاينقل الاعن ثقة وهو اجتهاد منه.

{٢١٨}

ولكن عدم اتهامه بالكذب لايفيد في توثيقه، اذ يبقى عمرو بن جميع بلا توثيق وكذلك معاذ بن ثابت.

واما الرواية الثانية: ففي سندها «باسين الضرير» وهو لم تثبت وثاقته، ولم يرد في احد التوثيقات العامة، فلايمكن ان يكون دليلا١، بالاضافة الى ان حريز لم يوثق أيضا، وما قيل من انه صاحب كتاب وأصل لايفيد في توثيقه.

ثم انه على فرض العمل بهاتين الروايتين فلابد من تخصيص الجواز بين «الرجل وولده» كما ذكرت الرواية، ولايمكن التعدي الى الأم مع ولدها وقوفا فيما خالف القاعدة على مورد النص التعبدي. نعم نقول بعدم الربا بين الرجل وولده سواء كان ذكرا أم انثى، لان الولد لغة لهما فشمل ابن الابن وبنت الابن وابن وبنت البنت، كمالاداعي لأختصاص الولد بالنسبي للاطلاق في الرواية الا اذا ثبت انصراف الولد في ذلك الزمان الى الناشيء من النكاح، اما ولد الزنا فهو ليس بولد شرعا فيقع الربا بينهما.

ولكن نقول: في خصوص أخذ الربا من العبد توجد رواية صحيحة وهي رواية علي بن جعفر اذ سأل أخاه موسى بن جعفر (ع) عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك؟ قال لابأس٢ وهذه الرواية يرويها الصدوق بسنده الى علي بن جعفر والسند صحيح.

______________________________

(١) ذكر صاحب الجواهر (قده) ان هذه الرواية صحيحة، ولعله يرى وثاقة ياسين الضرير لنقل محمد بن عيسى عنه، وهو كان يطرد من ينقل عن الضعفاء فنقله من ياسين الضرير دليل توثيقه له. ولكن نقول ان محمد بن عيسى الذي هو من رؤساء قم لايرضى بأن يكون الرجل ديدنه هو النقل عن الضعفاء وهذا لاينافي ان يروي هو عن الضعيف في بعض الاحيان كما في هذه الرواية.

(٢) الوسائل ج١٢/ باب ٧ من ابواب الربا حديث٦ص٤٣٧.

{٢١٩}

ب - ليس بين الرجل وأهله ربا أو بين المرأة وزوجها ربا، حسب اختلاف الحديثين، فيجوز لكل منهما أخذ الفضل من الاخر، ودليلهم هو ما تقدم من رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) اذ قال فيها «ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولابين اهله ربا...» ورواية محمد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (ع) «... ولابين المرأة وبين زوجها ربا»١.

ولكن نقول: اما الرواية الثانية فهي مرسلة، واما الاولى فقد قلنا ان سندها غير تام، ولو كان السند تاما فالحكم يقتصر على الزوجة الدائمة والمتمتع بها اذا اتخذت أهلا، لان الجمع بين الروايتين يقتضي اعتبار كل منهما.

ح - ليس بين المسلم والكافر الحربي ربا اذا أخذ المسلم الفضل، ودليلهم هو رواية عمرو بن جميع المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) قال «قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بيننا وبين اهل حربنا ربا، نأخذ منهم الف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم». وهذه الرواية تقدم عدم تمامية سندها.

ولكن يمكن أن يقال أيضا: ان الحكم على القاعدة ماداموا كفارا محاربين، حيث أن أموالهم مباحة وكذلك دمهم فيجوز الاخذ منهم بكل بصورة.

وهناك رواية اخرى تقدم سندها غير المعتبر وهي رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) وفيها «قلت:فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال: نعم. قلت: فانهم مماليك فقال انك لست تملكهم مع غيرك، انت وغيرك فهم سواء فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك» وهذه تمنع من أخذ الربا من المشركين.

وطريقة الجمع بينها وبين الحكم الذي على القاعدة هو حمل الرواية الثانية على المشرك الذمي ان لم نسقطها لعدم حجيتها، وحينئذ يكون الحكم في

______________________________

(١) نفس المصدر حديث٥.

{٢٢٠}

الذمي على القاعدة من ان دمه وماله محفوظ محترم. ولعل الظاهر من الرواية هو الذمي للتعبير بأننا نملكه مع غيرنا بتقريب أنا نملك ما في ذمتهم مع غيرنا وهي الجزية فانها ملك للمسلمين.

ثم ان هناك رواية ثالثة تقول لا ربا بين المسلم والذمي وهي رواية محمد بن علي بن الحسين١ قال: قال الصادق (ع) «ليس بين المسلم وبين الذمي ربا». وهذه تكون معارضة للرواية الثانية التي تثبت الربا بينهما، ولكن طريقة الجمع (ان لم نسقطها لارسالها) هي بحمل الثالثة على الذمي الذي خرج من شرائط الذمة، فتكون موافقة للقواعد المتقدمة، اذ يكون بخروجه عن شرائط الذمه محاربا. اذن لادليل صحيح في المقام يمكن ان يستند اليه في الخروج الحكمي عن الربا في كل ما تقدم (عدا السيد وعبده) نعم ان ثبت ماقلناه في المسلم والحربي اذا أخذ المسلم الفضل من كونه على القاعدة فهو، والا فلا. ولايفيدنا الاجماع المدعى في المقام لانه مدركي او نحتمل أنه مدركي.

وقد ذكر الاردبيلي (قده) ضعف الاخبار، وعدم ثبوت الاجماع، وعن ابن الجنيد خص في الوالد والولد بما اذا أخذ الوالد الفضل مع عدم الوارث للولد وعدم كونه مديونا.

وربما يؤيد ما ذهبنا اليه هو ان الاية(ولا تظلمون ولاتظملون) آبية عن التخصيص، فلايمكن ان يقال ان كل ظلم محرم الا هذا الظلم الذي بين الوالد وولده، أو بين الزوج وزوجته فلابأس به، ولهذا عرفنا أنه لاظلم حين أخذ السيد من العبد او أخذ العبد من السيد فيما لو قلنا أن العبد لايملك، أما لو قلنا بملكيته فنحتاج الى دليل على عدم الربا بينه وبين سيده، والدليل هو الصحيحة المتقدمة، وقد أجابت الرواية الصحيحة عن اباء التخصيص فقالت «لاربا» أي لاظلم في هذه

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/باب٧ من ابواب الربا حديث٥/ص٤٣٧.

{٢٢١}

الصورة، لا أنه ظلم سائغ، وبهذا يكون أخذ السيد من عبده أو العكس ليس فيه موضوع الربا اذا نظرنا الى الحديث القائل «العبد ومايملك لمولاه».

واما الاخذ من المحارب فهو أيضا ليس بظلم باعتبار الحرب التي بيننا وبينه حيث ان دمه وماله ليس محترما حتى يكون الاخذ منه ظلما.

نعم ذكر الامام الخوئي حفظه الله تعالى جواز «أخذ الربا من الكافر الحربي بعد وقوع المعاملة من باب الاستنقاذ»١. فكأنه يفرق بين الحكم الوضعي والتكليفي فقال بجاوز أخذ الربا وضعا بعد تمامية المعاملة، اما نفس المعاملة الربوية مع الكافر الحربي فهي محرمة لانه تمسك باطلاق «وحرم الربا».

ولكن الصحيح: ان حرم الربا غير شامل لحربي لان الحرمة انما تكون لمن كان لمالكه حرمة ولايجوز التصرف فيه، اما من كان مهدور الدم ولاحرمة لماله فلا تشمله «حرم الربا».

نعم يبقى ادعاء الشهرة التي تكون جابرة لضعف الروايات، ولابأس بالتعرض للشهرة الجابرة فنقول: هل تكون الشهرة الفتوائية جابرة؟.

والجواب: انهم ذكروا ان المشهور ذهب الى «عدم الربا بين الوالد وولده وبين السيد وعبده وبين الزوج وزوجته وبين المسلم والحربي اذا أخذ المسلم الفضل» خلال عشرة قرون الى زمان المحقق الاردبيلي، وهذه الشهرة تكون جابرة لضعف الروايات على اساس حساب الاحتمالات وتوضيح ذلك:

ان جبر الشهرة لضعف الرواية هنا يعتمد على طريق عقلائي وهو يتوقف على مقدمتين: الاولى: ان العلماء كالنجاشي والشيخ مثلا يذكرون ان لديهم اسانيد وطرقا متعدده لارباب الكتب والاصول، ولكن لعدم تطويل الكتاب

______________________________

(١) منهاج الصالحين٢/٦١ مسألة ٢١٨.

{٢٢٢}

ذكر سند واحد١ اما بقية الطرق فيذكرها الشيخ في فهرسته او يقول البعض انها موجودة في بقية فهارس العلماء. ومن هذه المقدمة نستنتج ان العلماء لهم أسانيد متعددة ويذكرون سندا واحدا لا على طريق الحصر. ومما يدل على ذلك مثلا ان كتاب التهذيب يروى فيه رواية واحدة بأسانيد متعددة (كسند القميين وسند الكوفيين وغيرهم).

الثانية: اذا كان آخر السند من الموثوقين ومن ارباب الكتب المشهورة وقد أفتى على وفقه المشهور الذي هو على طوائف (القميون، البغداديون، البصريون، الكوفيون) فهذا يكشف عن وجود اسانيد متعددة لارباب الكتب وان لم يذكر الا سند واحد ضعيف. اما لو كان آخر السند المتصل بالامام (ع) محل خدشة ولم يكن مشهورا، فهذا يوجب الخدشة في الرواية حتى لو عمل بها المشهور.

وبهاتين المقدمتين يصبح عندنا اطمئنان بصحة الحديث٢ من عمل المشهور به. لكن نقول: اولا: على فرض صحة هاتين المقدمتين فلانستنتج صحة رواية حريز، لاننا قلنا انه لم يوثق ولايفيد كونه صاحب كتاب في توثيقه. وثانيا ان عمل المشهور قد يكشف عن وجود أسانيد متعددة الا ان هذا لايثبت ان هذه الاسانيد صحية ومعتبرة اذ لعل عمل هؤلاء يكون مسندا الى رأيهم في العمل بالرواية مالم يكن خدشة في الرواة وهو لايفيدنا في اعتبار الرواية.

وبعبارة أخرى: اذا كان المدار على موضوع دليل الاعتبار هو خبر الثقة مطلقا او خبر الثقة المفيد للوثوق النوعي، فحينئذ نقول: ان عمل المشهور

______________________________

(١) ذكر النجاشي في مقدمته فقال (وذكرت لكل رجل طريقا واحدا حتى لايكثر الطرق فيخرج عن الغرض).

(٢) ذهب الى هذا الرأي السيد السيستاني في محاضراته في الربا مخطوط بقلم هاشم الهاشمي.

{٢٢٣}

بالراوية اذا كان مستندهم هو هذا فحينئذ يكون عملهم جابرا للرواية الضعيفة، ولكن هذا كان عملهم له مستندهم الذي يختلف عن مستندنا في حجية الخبر فهو لايجبر الرواية الضعيفة.

وهنا نقول: ان عمل الشيخ الطوسي بالرواية مثلا يختلف معبارة عن عملنا والدليل هو: لقد ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة كتاب الاستبصار فقال «واعلم ان الاخبار على ضربين، متواتر وغير متواتر... وماليس بمتواتر على ضربين، فضرب منه يوجب العلم ايضا، وهو كل خبر تقترن اليه قرينة توجب العلم... والقرائن اشياء كثيرة منها ان تكون مطابقة لادلة العقل ومقتضاه، ومنها ان تكون مطابقة لظاهر القرآن، اما لظاهره أو عمومه أو دليل خطابه او فحواه، فكل هذه القرائن توجب العلم وتخرج الخبر عن حيز الاحاد وتدخله في باب المعلوم»١ فاذا عمل الشيخ بخبر ضعيف فيكون مستنده هو أحذ هذه الامور فيسقط عمله عن الحجية لنا اذا كنا لم نقبل المستند.

وكذلك ينقل العلماء في كتبهم امثال السيد ابن طاووس في مقدمة٢ فلاح السائل فيقول: «وربما يكون عذري ايضا فيما ارويه عن بعض من يطعن عليه، أنني اجد من أعتمد عليه من ثقات أصحابنا الذين أسندت اليهم عنه او اليه عندهم قدروا ذلك عنه ولم يستثنوا تلك الرواية ولاطعنوا عليها ولاتركوا روايتها، فأقبلها منهم واجوز ان يكون «قد عرفوا صحة الرواية المذكورة بطريقة اخرى محققة مشكورة»، او رووا عمل الطائفة عليها فاعتمدوا عليها او يكون الراوي المطعون على عقيدته ثقة في حديثه وأمانته فقد يكون في الكفار من هو ثقة في نقل مايحكيه من الاخبار كما اعتمد علماء اهل الاسلام على أخبار أطباء أهل الذمة

______________________________

(١) الاستبصار للشيخ الطوسي ص٣.

(٢) ١/٧ من المقدمة.

{٢٢٤}

في اخبارهم بما يصلح لشفاء الاسقام».

وهذا الكلام واضح أنه لايجعل الرواية معتبرة. وكذلك ذكر في الوافي مانصه«بل كان المتعارف بينهم اطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه واقترن بما يوجب الوثوق به والركون اليه كوجوده في كثير من الاصول الاربعمائة وتكرره في اصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة»١. اذن من هذه النصوص وغيرها يفهم ان اعتماد القدماء على الخبر الضعيف لم يكن لاجل الوثاقة في الراوي حتى نستفيد من عملهم التوثيق العملي وعلى هذا فلا تكون الشهرة جابرة للخبر الضعيف.

ثم اذا تنزل التائل بالجبر للرواية الضعيفة وادعى أن عمل المشهور له قيمة من ناحية كشفه عن قرينة محتفة بالخبر اوجبت الوثوق بالصدور، فان هذا لايجبر الرواية الضعيفة. مع أن الميزان هو - كما تقدم - خبر الثقة مطلقا او خبر الثقة المفيد الوثوق النوعي. وثانيا ان القرينة التي تكون عند القدماء قد لاتكون قرينة عندنا، فلايثبت ان عمل المشهور الفتوائي جابر للرواية الضعيفة.

د - لاربا في القسمه، فيجوز لكل من الطرفين اخذ الزائد من الجنس الربوي. ونحن اذا قلنا ان القسمة عبارة عن تمييز الحق من غيره أو تمييز أحد الحقين، فهي ليست بيعا ولامعاوضة، وحينئذ يصح فيها اخذ الزيادة في أحد الجانبين، ولكن على هذا لاوجه لادخالها في الخروج عن الربا حكما باعتبار عدم دخولها في تحديدات الربا فهي خارجة عن الربا موضوعا.

وبعبارة أوضح نقول: ان المال الذي بيننا مشتركا على سبيل الاشاعة اذا أردنا تقسيمه، فهل يكون تقسيم المال الخارجي عبارة عن بيع او معاملة بين

______________________________

(١) الوافي للفيض الكاشاني١/١١ طبقة حجرية - بطهران.

{٢٢٥}

المالين المشتركين كما ذهب اليه العامة، وعليه فان كانت القمسة افرازية (أي القسمة بحسب السهام والقيمة) فلابأس بها ولكن يشترط فيها شرائط البيع أو المعاملة ولكن اذا كانت القسمة تعديلية (اي القسمة بحسب القيمة فقط) كأن يكون منا من الحنطة الجيدة بمنين من الرديئة مع لحاظ تساوي القيمة بينهما، فهنا يحصل محذور الربا، او يكون تقسيم المال عبارة عن قول الامامية من ان القمسة هي عبارة عن تمييز الحق من غيره، لان الحصة المملوكة للاول ليس هي حصة خارجية، وكذلك الثاني، وانما المالك الاول يملك نصفا كليا قابلا للانطباق على كل قسم من القسمين بالقسمة، والقسمة هي عبارة عن تطبيق ذلك الكلي على الخارج المعين برضاهما و بالقرعة في صورة التنازع، ولهذا فحتى اذا كانت القسمة تعديلية فلايحصل محذور الربا.

هـ - الربا الحلال، وقد اطلق عليه اسم (ربا العطية) وهو ما تقدم من الهبة او الهدية يراد بها عوض أفضل منها، من دون شرط او الزام. وهذا جائز بلا اشكال لعدم دخوله في الربا موضوعا، ويؤيده ماورد عن جعفر بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «الربا رباءآن: احدهما ربا حلال والاخر حرام، فأما الحلال فهو ان يقرض الرجل قرضا طمعا ان يزيده ويعوضه بأكثر مما أخذه بلا شرط بينهما، فان أعطاه اكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له وليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، وهو قوله عز وجل: (فلايربوا عند الله) وأما الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضا ويشترط ان يرد اكثر مما أخذ فهذا هو الحرام»١.

وهناك روايات ضعيفة السند تقول «ان ربح المؤمن على المؤمن ربا» وفي بعضها اضافة «الا أن يشتري بأكثل من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك أو يشتريه

______________________________

(١) الوسائل ج١٢/ باب ١٨ من الربا حديث١/ص٤٥٤ والرواية ضعيفة لجهالة جعفر.

{٢٢٦}

للتجارة فاربحوا عليهم وارفقوابهم»، وفي بعضها عن ابي عبد الله (ع) حيث سئل عن الخبر الذي روي ان ربح المؤمن على المؤمن ربا ماهو؟ فقال «ذاك اذا ظهر الحق وقام قائمنا اهل البيت، فأما اليوم فلا بأس بأن تبيع من الاخ المؤمن وتربح عليه»١.

فأما الرواية الاولى فقد يقال: بأن الربح الذي يربحه التاجر في معاملاته متى ما كان اكثر مما بذله من العمل في سبيل ايجاد المتاع وتحصيله فهو مال مجاني بالنظر الحقيقي فيكون ربا. ولكن الرواية الثانية تمنع من زيادة الربح في صورة معينة، فتقيد الرواية الاولى، واما الراوية الثالثة فهي ترجىء هذا الحكم الى ظهور القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وظهور الحكومة الاسلامية العامة التي يخضع لها الناس برمتهم، اما في الحال الحاضر فهي تجوز الربح على المؤمن.

ومع غض النظر عن كل ذلك (المناقشة من الناحية السندية والدلالية) فنقول: ان هذه الرواية تحمل على الربا الحلال، لان الحكم بجواز الربح في الشريعة الاسلامية من المسلمات الضروريات.

ثم ان فكرة رفض الربح مطلقا، والاخذ بقيمة مابذله الانسان من جهد اوعمل في الحاجة، لها سوابق تأريخية تشير اليها الروايات، فليس من الصحيح ادعاء اان هذه الفكرة قد اكتشفت من بعض الفئات المتأخره٢، على رغم ان هذه الفكرة هي ليست بصحيحة كما ذكرنا ذلك في التعرض لرأي ماركس في الربا.

و - بيع العرايا: وذكر بأن بيع العرايا يكون استثناءا حكميا من حرمة الربا، وقد ورد جواز بيع العرايا وحرمة المزابنة، وهذا مما لا اشكال فيه، ولكن

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ١٠ من ابواب آداب التجارة ص٢٩٣ - ٢٩٤.

(٢) ويتفاخرون بذلك بأن اكتشافهم هذا هو اهم من اكتشاف الذرة.

{٢٢٧}

وقع الاختلاف بين العلماء في معنى المزابنة وفي معنى العرية، وخلاصة ما فهمناه من النصوص التي وردت في بيع ثمرة النخل علىالشجرة بتمر منه او من غيره وماورد في العرية هو كمايلي:

١ - يجوز بيع ثمرة النخل أو غيرها على الشجر، بالتمر من غيرها، سواء بسواء او متفاضلا اذا كان الثمر الذي على النخل يباع بالمشاهدة كما اذا كان قبل نضوجه، وذلك لعدم تحقق موضوع الربا الذي من شروط موضوعه ان يكون العوضان مما يكال او يوزن. أما اذا بيع الثمر الذي على النخل خرصا (تقديرا) بالتمر، فهنا يشترط المساواة والا فهو ربا لوجود شرط موضوع الربا وهو الكيل أو الوزن.

وكل هذا مستفاد من القواعد العامة التي تقدمت من حلية البيع وحرمة الربا بالاضافة الى وجود روايات تجوز ذلك، منها موثق أبي الصباح الكناني١ قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول «ان رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر وكان له نخل فقا له: خذ ما في نخلي بتمرك، فأبى أن يقبل، فأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر فكلمه يأخذ مافي نخلي بتمره، فبعث النبي صلى الله عليه وآله اليه فقال: يا فلان خذما في نخله بتمرك. فقال: يا رسول الله لايفي وأبى أن يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لصاحب النخل اجذذ نخلك، فجذه له فكاله فكان خمسة عشر وسقا، فأخبرني بعض اصحابنا عن ابن رباط ولاأعلم الا أني قد سمعته من ان أبا عبد الله (ع)قال: «ان ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي صلى الله عليه وآله قال هذا ربا، قلت أشهد بالله انه لمن الكاذبين قال: صدقت».

والاستشهاد بالرواية في جملة قول النبي صلى الله عليه وآله «يافلان خذما في نخله بتمرك»، وهي تدل على الجواز كما ان القاعدة كذلك، لان الثمر الذي على

______________________________

(١) الوسائل ج١٣ باب ٦ من ابواب بيع الثمار حديث٣/ص١٢.

{٢٢٨}

النخل يباع بالمشاهدة فلا يتحقق موضوع الربا.

وقد يقال: بأن الرواية لاصراحة فيها بالبيع، بل هو وفاء او رضاء بالابراء او بالهبة.

ولكن نقول: ان صحيح الحلبي١ يدل على ما قلناه «قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل قال لاخر بعني تمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر او أقل أو أكثر يسمي ماشاء فباعه؟ فقال: لابأس به».

ويؤيده ما ورد في الحنطة في صحيحة الحسن بن علي٢ قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى من رجل أرضا جربانا معلوم بمائة كر على ان يعطيه من الارض. فقال: حرام فقلت: جعلت فداك فاني اشتري من الارض بكيل معلوم وحنطة من غيرها قال: لابأس بذلك» فكذلك الحال في بيع الثمر الذي على النخل.

٢ - لايجوز بيع ثمرة النخل بتمر منه وهو المسمى بـ(المزابنة) واما بيع ثمرة النخل بتمر من غيرها فهو جائز كما تقدم، وعلى هذا فلاوجه للقول بأن معنى المزابنة هو بيع الثمرة على النخلة بالتمر ولو من غيرها كما في المسالك واللمعة٣.

وقد ذكر صاحب الجواهر «قده» بأن الاظهر في معنى المزابنة هو بيع الثمرة في النخل بالتمر ولو كان موضوعا على الارض، وحينئذ يكون المجموع هو المحرم من بيع الثمرة على النخلة بتمر على الارض أو بيع الثمرة على النخلة بتمر منها، وقال صاحب الجواهر «قده» ان هذا هو المشهور بين المتقدمين والمتأخرين نقلا وتحصيلا، وذكر ادلة لذلك تدل بالاطلاق منها: صحيح

______________________________

(١) الوسائل ج١٣ باب ٦ من ابواب بيع الثمار حديث١.

(٢) الوسائل ج١٣ باب ١٢ من ابواب بيع الثمار حديث٢/ص٢٣.

(٣) اللمعة الدمشقية٣/٣٦٢.

١٣
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٢٢٨}

عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن المحاقلة والمزابنة. قلت: وما هو؟ قال: ان يشتري حمل النخل بالتمر والزرع بالحنطة»١.

ولكن لنا ان نقول: ان الادلة العامة التي تقدمت مع صحيح الحلبي المجوز لبيع ثمرة النخل بتمر من غيرها تخصص الاطلاق في صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله، فتختص المزابنة ببيع الثمر على النخل بتمر منه.

ثم ان حرمة بيع ثمرة النخل بتمر منه ايضا على القاعدة التي تستفاد من ادلة البيع التي ظاهرها اختلاف الثمن المثمن. ولانرى حاجة للتنبيه على ان عدم الجواز هذا ليس مرتبطا بباب الربا، وانما هو من باب عدم جواز اتحاد الثمن والمثمن. بالاضافة الى ان ما على الشجرة من الثمر قبل نضوجه ليس مكيلا او موزونا، وانمايباع بالمشاهدة فلايدخل فيه الربا، فلاوجه لما ذكر في المسالك من انه «ربا لعدم اتفاق التساوي، وان اتفق فان العلم بالتساوي هو الشرط» فانه باطل، وان فسرنا المزابنه كما ذكر «من بيع ثمر النخل بتمر ولو من غيرها» فان ما كان على الشجرة اذا باعه خرصا (تقديرا) بتمر من غيرها، فالعلم بالتساوي هنا موجود من باب الخرص، فلا يصدق عليه الربا في هذه الصورة الا من باب أنه ينقص اذا جف، ونحن قد تقدم منا كراهية ذلك جمعا بين الروايات.

واما اذا بعي ماعلى الشجرة بالمشاهدة فلايصدق الربا اصلا لعدم التقدير فيه بالكيل او الوزن. وقد يتمسك ببطلان المزابنة اضافة الى النهي بما ورد في بعض الروايات من انه موجب للمخاصمة مثلا.

٣ - يجوز بيع العرية. وهذا استثناء من المزابنة، والعرية هي عبارة عن جواز بيع الثمر الذي على النخلة بتمر منها، فيكون هنا اتحاد الثمن والمثمن.

______________________________

(١) الوسائل ج١٣ باب ١٣ من ابواب بيع الثمار حديث١/ص٢٤ «اللف والنشر في الرواية مشوش».

{٢٣٠}

وهو لايجوز الا في العرية لورود النص فيها، ففي موثقة السكوني١ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في العرايا بأن تشتري بخرصها تمرا، وقال: و العرايا جمع عرية وهي النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر. فيجوز ان يبيعها بخرصها تمرا، ولايجوز ذلك في غيره».

وعلى هذا يكون فائده العرية هو ان مالكها لايتحمل مشقة جذ التمر ووزنه وانما الذي يتحمل ذلك من اشتراه بخرصه تمرا، وهذا يناسب ما ذكر في تفسير العرية، بأنها «نخلة تكون لرجل وسط نخل كثير لرجل آخر، فيتأذى صاحب النخل الكثير بدخول صاحب النخلة الواحدة، فرخص له ان يشتري ثمرة نخله بتمر». واما من فسر المزابنة ببيع الثمر على النخل بتمر ولو من غيرها، فحينئذ تكون العرية عنده استثناءا من احد معنيي المزابنة.

هذا ولكن لو نظرنا الى تفسير العرية من قبل الاقوام كما في السرائر٢ فقال قوم «العرايا النخلات يستثنيها الرجل من حائطه اذا باع ثمرته ولايدخلها في البيع، ولكنه يبقيها لنفسه، لتلك الثنيا لاتخرصه عليه لانه قد عفي لهم عما يأكلون وسميت عرايا لانها أعريت من أن تباع او تخرص في الصدقة، فرخص النبي صلى الله عليه وآله لاهل الحاجة والمسكنة الذين لاورق لهم ولاذهب وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من أثمار هذه العرايا بخرصها، فعل ذلك بهم رفقا بأهل الحاجة الذين لايقدرون على الرطبة ولم يرخص لهم ان يبتاعوا منه مايكون للتجارة والذخائر».

وقال آخرون: «شكى رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله انهم محتاجون الى الرطب يأتي ولايكون بأيديهم مايبتاعون به فيأكلون مع الناس، وعندهم التمر

______________________________

(١) الوسائل ج١٣ باب ١٤ من ابواب بيع الثمار حديث١/ص٢٥.

(٢) الجواهر ٢٤/١٠٧.

{٢٣١}

فرخص صلى الله عليه وآله لهم ان يبتاعوا لهم بخرصها من التمر الذي في أيديهم».

وقال آخرون: «العراء ان يهب لهم ثمرة نخلة ونخلتين او نخلات، ومنه الحديث انه رخص صلى الله عليه وآله في بيع العرايا بخرصها تمرا، وذلك ان يمنح الرجل النخلة فيبيع ثمرها بالتمر وهذا لايجوز في غير العرايا».

وقال الهروي صاحب الغريبين: العرايا «هي ان من لانخل له من ذوي اللحمة والحاجة ويفضل له من قوته التمر ويدرك الرطب ولانقد بيده يشتري الرطب لعياله ولايحتل له، فيجيء الى صاحب النخل فيقول: بعنى ثمرة نخلة او نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفضل من التمر بتمر تلك النخلات ليصيب من ارطابها مع الناس، فرخص النبي صلى الله عليه وآله من جملة ما حرم من المزابنة».

فعلى هذه التفاسير ينبغي لنا ان نرجع الى الادلة لنفسرها تفسيرا يتلائم معها فنقول:

١ - ان جواز بيع ثمرة النخل على الشجر بتمر من غيرها تقديرا بشرط المماثلة، واما ان لم تحصل المماثلة فهو ربا. وأما اذا كان الثمر الذي على النخل يباع بالمشاهدة فيجوز بيعه بالتمر من غيرها سواء كان متفاضلا او متساويا وذلك لعدم تحقق موضوع الربا وهو الكيل او الوزن، وتدل على ذلك صحيحة الحلبي المتقدمة التي يمكن ان تكون ظاهرة في شراء الثمرة على النخلة بالمشاهدة لا بالتقدير.

٢ - لايجوز بيع ثمرة النخل بالثمر، وهو المسمى بالمزابنة، والدليل هو الروايات التي منها صحيح عبد الرحمن المتقدم الذي حرم المزابنة وفسرها بـ(شراء حمل النخل بالتمر) وحينئذ نأخذ باطلاقها في عدم جواز بيع ثمرة النخل بالتمر سواء كان منها او من غيرها، ولكن لقيدها بكون الشراء للثمرة على النخل تقديرا لا بالمشاهدة، ويحينئذ تكون الحرمة من باب عدم التساوي غالبا فيحصل الربا.

{٢٣٢}

٣ - وعلى هذا فروايات جواز بيع العرايا تكون استثناءا حكميا من الربا، حيث يجوز بيع ثمرة النخل بتمر من غيرها تقديرا، ولو حصل الاختلاف وعدم التساوي من أجل أن يأكل الناس رطبا ويعطون التمر. واما بيع ثمرة النخل بشرط أن يكون بتمر منها فهو لايجوز لاتحاد الثمن والمثمن، واما اذا لم يشترط ان يكون بتمر منها، وانما اشترى ثمرة النخل بتمر ثم بعد ذلك اعطاه منها فهو لابأس به حيث يكون التمر الذي هو الثمن في الذمة وحصل الوفاء بما في النخلة.

وعلى كل حال فهذان مسلكان مختلفان في العرية باختلاف تفسيرها، ومناسبة ادرجها في مستثنيات الربا حكما هو التفسير الثاني لها، واصبحت المزابنة المحرمة لها معنيان:

١ - بيع ثمرة النخل بتمر منها.

٢ - بيع ثمرة النخل بتمر من غيرها.

وحينئذ تكون العرية التي حكم بجوازها استثناءا من حرمة المعنى الثاني للمزابنة التي هي تكون عبارة عن الربا فيما لوباع ما على النخلة بتمر على الارض تقديرا لعدم التساوي الذي هو شرط الصحة والعريا استثناء منها.

ولعل التفسير الثاني اقوى، لما تقدم منامن ان بيع الرطب بالتمر متساويا مكروه للجمع. بين الروايات، ومتفاضلا لايجوز لانه ربا، وهنا بيع ثمرة النخل بالتمر اذا كان متفاضلا - كما هو الاغلب حيث ان التقدير لايوجب علما بالمساواة - فهو حرام لانه ربا وقد اصطلح عليه بالمزابنة كما اصطلح على بيع الحنطه في السنبل بالحنطة بالمحاقلة، وهذا التحريم الذي هو قاعدة عامة استثني منه مورد واحد وهو بيع العرايا لاجل أن يأكل من ليس له نقد ويحتاج الى الرطب وله تمر، فجوز بيع الثمرة على النخل بالتمر الذي عنده، وهذا التجويز لاينحصر

{٢٣٣}

بهذا المورد لان المورد لايخصص الوارد.

ز - التقبيل: وقد ذكر العلماء استثناءا آخر من حرمة المزابنة والمحاقلة وهو التقبيل، فقد ذكر الشهيد الاول فقال «يجوز أن يتقبل أحد الشريكين بحصة صاحبه من الثمرة ولايكون ذلك بيعا، ويلزم بشرط السلامة»١.

والاصل في هذا الحكم مارواه يعقوب بن شعيب٢ في الصحيح قال «سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول احدهما لصاحبه احتراما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل اما زاد او نقص، واما أن آخذه أنا بذلك، قال: نعم لابأس به».

والظاهر من الرواية ان هذه المعاملة على الثمرة، ولكن ليس في الرواية قرار العقد بالسلامة كما ذكر الشهيد الاول وليس فيها ان تكون المعاملة بلفظ التقبيل، وحينئذ تصح هذه المعاملة - كما ذكرت الرواية - حتى لو زاد النصف عن التقدير أو نقص، ومن دون لفظ التقبيل.

وقد أستدل أيضا بصحيحة الحلبي٣ قال «اخبرني أبو عبد الله (ع) ان أباه عليه السلام حدثه ان رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى خيبر بالنصف ارضها ونخلها، فلما ادركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة فقوم عليهم قيمته وقال لهم اما أن تأخذوه وتعطوني نصف الثمر واما اعطيكم نصف الثمر، فقالوا بهذا قامت السماوات والارض» وغيرها٤ اذن هذه الروايات المتقدمة تصحح المعاملة فتكون استثناءا من حرمة المزابنة والمحاقلة، اذ ظاهر الروايات هو كون العوض (الحصة) من الزرع والثمر.

______________________________

(١) اللمعة الدمشقية ٣/٣٦٨.

(٢) الوسائل ج١٣ باب ١٠ من ابواب بيع الثمار رواية ١/ص١٨.

(٣) الوسائل ج١٣ باب ١٠ من ابواب بيع الثمار الرواية الثانية.

(٤) الوسائل ج١٣ باب ١٠ من ابواب بيع الثمار الرواية الثالثة (صحيحة).

{٢٣٤}

ويظهر ايضا من الروايات انها معاملة معروفة في ذلك الوقت ومما يبتلي بها الناس كثيرا وتمس الحاجة اليها، فمضافا الى عدم دليل على الحرمة بالخصوص، تقدمت الادلة على جوازها ولم يخالف فيها الا ابن ادريس «فانه سد باب هذه المعاملة».

ثم انه وقع الخلاف بين العلماء في كون هذه المعاملة بيعا» أو صلحا او انها معاملة مستقلة، فمنهم من جعلها بيعا واستثناها من حرمة المحاقلة والمزابنة ومن قاعدة مغايرة الثمن والمثمن١ وغير ذلك مما يخالف قواعد البيع، ومنهم من جعلها صلحا لعموم ادلة الصلح «الصلح جائز بين الناس» الشامل لمثل المقام وحينئذ يكون المعوض الحصة المشاعة والعوض هو المقدار المعلوم من مجموع الحصتين.

ولكن نقول: «ان الاخبار لاتشير الى كون هذه المعاملة بيعا او صلحا، فالتكن معاملة مستقله دل الدليل على امضائها وجوازها. ولايصح القول بأن «العلماء ضبطوا المعاملات وليست هذه منها» اذ الدليل الدال على صحتها حاكم على ضبط العلماء للمعاملات، وحتى لو قلنا بأن العوض والمعوض هنا واحد، فان المقدار المعلوم هو ما تنطبق عليه الحصة المشاعة فتكون صحة هذه خلاف القاعدة تبعا للنص. هذه هي الموارد التي ذكرت للخروج عن الربا حكما.

الخروج عن الربا موضوعا:

لقد ذكر الفقهاء حيلا للتخلص من الربا، وهي مستعملة عند الفقهاء المسلمين ويظهر ان هذا التعبير هو الذي يثير على الامامية موجة من الاعتراضات من

______________________________

(١) قد يقال بوجود المغايرة هنا اذ المعوض الحصة المشاعة والعوض المقدار المعلوم من مجموع الحصتين.

{٢٣٥}

قبل بقية الفرق الاسلامية، مع ان السيد رشيد رضا - وهو من علماء العامة - ذكر «ان اول من ادخل الحيل في الشرع أبو حنيفة وأصحابه، واول من الفّ فيها صاحباه القاضي ابو يوسف الف كتابا مستقلا سماه «كتاب الحيل» ثم محمد بن الحسن وتبعهما فقهاء مذهبم، فهم يذكرون في كتب فقههم أبوابا التي يصفونها بالشرعية، ووافقهم الشافعية في اصل جواز الحيل، وقال بحظرها فقهاء المالكي والحنابلة»١.

وقد اخذ فقهاء الشيعة بالوجوه المخلصة من الربا، اسنادا الى النصوص الواردة في صحة ذلك، ونحن اذ نعرض هنا الوجوه المنصوصة ثم نعرج على مناقشة اصل جوازها او الاقتصار على ماوردت فيه تعبدا أو انها هي على وفق القاعدة فتطرد.

والوجوه على قسمين:

القسم الاول: وجوه للتخلص من الربا المعاملي.

القسم الثاني: وجوه للتخلص من الربا القرضي.

اما القسم الاول: فهي عديدة:

الوجه الاول: ضم الضميمة من غير الجنس. وهذه الضميمة تكون على صور:

أ - تكون للطرف الناقص. ب - تكون للطرفين معا. ج - كما قد كتون للطرف الزائد.

أ - اما الصورة الاولى: كما اذا باع كيلو من الحنطة ودرهما بكيلوين من الحنطة، وهذه الصورة مخرجة عن الربا موضوعا، ولاخلاف بين الامامية ظاهرا فيها، واما أبناء العامة فقد تقدم اختلافهم في ذلك، ولكن الامامية اختلفوا في

______________________________

(١) الربا والمعاملات في الاسلام ص٨٥.

{٢٣٦}

كيفية تصوير الخروج عن الربا موضوعا بهذه الصورة، فمنهم من قال بأن الربا هو بيع احد المتجانسين بالاخر مع الزيادة، اما هنا فقد بيع المجموع في مقابل المجموع بواسطة ضم الضميمة للطرف الناقص، وحينئذ حصل التغاير في الجنسين لان المعاملة اصبحت بين حنطة وحنطة ودراهم١.

ولكن يشكل على هذا الوجه باشكالات منها: أن مقتضى. كلامهم هو صحة المعاملات اذا وقعت بين المتساويين مع زيادة في احدهما من غير جنس العوضين كما اذا بعت منا من الحنطة في من من الحنطة مع عباءة، وجعلت المجموع في مقابل المجموع، ولكن العلماء كلهم متفقون على بطلان هذه المعاملة للزيادة العينية في احد المتجانسين.

ومنها: صحة الضميمة اذا كانت في الطرف الزائد كما اذا باع مدين ودرهما بمد، فان كانت ملاحظة المجموع تخرج الجنسين عن الاتحاد فينبغي أن تصح

______________________________

(١) ن جملة من ذهب الى هذا الرأي السيد الامام الخميني اذ قال «وما الروايات الواردة في التخلص عن الربا بضم غير الجنس الى الربوي، فالظاهر عدم دلالتها على شيء غير ما هو مقتضى القاعدة، ولبس فيها اعمال تعبد. ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «... فصرفوا الفا وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية. فقال لاخير في هذا، افلا يجعلون فيها ذهبا لمكان زيادتهم؟ فقلت له: اشتري الف درهم ودينار بألفي درهم فقال: لا بأس بذلك...».

والظاهر منها ان المعاملة تصح لاجل دخول غير الجنس وان البيع وقع بين المجموع والمجموع، وهذا موجب للخروج عن عنوان الذهب بالذهب والفضة بالفضة الموجب للربا اذا زاد احدهما، ولايستفاد منها صرف كل جنس الى ما يخالفه تعبدا ولو لم يقصد المتعاملان، ضرورة ان هذا النحو من الصرف بلا قصد امر بعيد عن الاذهان واعمال تعبد مخالف لحكم العقلاء وفي مثله يحتاج الى التصريح» البيع ٢/٣٠٤ - ٤٠٤ وكذلك ذهب الى هذا الرأي السيد اليزدي (قده).

{٢٣٧}

هذه المعاملة، ولكن الفقهاء متفقون على ربويتها.

وأما التصوير الثاني لضم الضميمة واخراجها عن الربوية: فهو الانحلال الشرعي، أي (الانحلال الذي حكم به الشارع) وتوضيح لك: اذا بعت منا من الحنطة مع درهم بمنين من الحنطة فالشارع حكم بأن المن من الحنطة في مقابل المن، والدرهم في مقابل الزيادة، وبهذا تخرج هذه المعاملة من كونها ربوية سواء قصد المتبايعان الانحلال ام لا، بشرط ان لايقصد المتبايعان الانحلال الربوي كأن يقصد المتبايعان كون الدرهم في قبال نصف من المنين والمن من الحنطة في مقابل المن والنصف.

وهناك تصوير ثالث ذهب اليه بعض علمائنا وهو خروج المعاملة عن كونها ربوية اذا قصد المتبايعان الانحلال فقط، وهذا كما ترى مخالف للادلة التي سوف تأتي التي لم تشترط قصد المتبايعين للانحلال، واما تصحح البيع بانصراف كل الى غير مجانسه كما في الصورة الثانية.

وقد اختلف ابناء العامة في صحة هذه المعاملة مع اتفاقهم على الانحلال الذي يحصل بين الاجناس حيث اشترط بعضهم أن يكون مايقابل العرض من الجنس الربوي مساويا له في القيمة، وبعضهم لم يشترط ذلك، بل يكتفي برضى المتبايعين، ويوضح النص الوارد في بداية المجتهد١ ذلك الاختلاف فيقول ابن رشد«.... ومن هذا الباب اختلافهم في جواز بيع صنف من الربويات بصنف مثله وعرض او دنانير او دراهم اذا كان النصف الذي يجعل معه العرض أقل من ذلك الصنف المفرد، او يكون مع كل واحد منها عرض، والصنفان مختلفان في القدر، فالاول مثل ان يبيع كيلين من التمر بكيل من التمر ودرهم، والثاني مثل ان يبيع كيلين من التمر وثوب بثلاثة اكيال من التمر ودرهم، فقال

{٢٣٨}

مالك والشافعي والليث ان ذلك لايجوز وقال ابو حنيفة والكوفيون ان ذلك جائز، فسبب الخلاف هل مايقابل العرض من الجنس الربوي ينبغي ان يكون مساويا له في القيمة، او يكفي في ذلك رضا البائع، فمن قال الاعتبار بمساواته في القيمة، قال: لايجوز لمكان الجهل بذلك، لانه اذا لم يكن العرض مساويا لفضل احد الربويين على الثاني كان التفاضل ضرورة، مثال ذلك انه باع كيلين من تمر بكيل وثوب فقد يجب ان تكون قيمه الثوب١ تساوي الكيل، والا وقع التفاضل ضرورة، اما أبو حنيفة فيكتفي في ذلك بأن يرضى به المتبايعان».

ونحن هنا لا يمكننا ان نلتزم بما قال به مالك والشافعي، لعدم الدليل اولا ولان العقلاء يقدمون على تبديل مال بآخر مع تفاوت فاحش في المالية، وذلك لوجود غرض عقلائي في هذه المعاملة. وهذا يدل على ان التبادل امر يتوقف على بناء المتعاملين واعتبارهما ولايكون مشروطا بتساوي الجنسين من حيث المالية.

ولو قبلنا ان التبادل توقف على بناء المتعاملين بالاضافة الى التساوي بين الطرفين من ناحية المالية، لحكما ببطلان المعاملات التي لم يحصل فيها التساوي علما او جهلا ثم تبين الامر، وهذا لايقول به احد من العلماء، ولذا حكموا بوجود خيار الغبن فيما لو حصل الجهل بالتفاوت بين العوضين ثم علم به.

على ان الروايات صريحة في الجواز «فيما لو باع الف درهم ودينار بألفي درهم» كما سيأتي.

اذن الخلاصة: ان العقلاء قد يقدمون على تبديل شيء بشيء متفاوت في

______________________________

(١) وقد رأينا أن السيد الشهيد الصدر يرى هذا الرأي في صورة ضم غير الجنس الى الطرف الناقض «كما اذا كان كيس من الحنطة الجيدة يساوي كيسين من الحنطة الرديئة فيبيع كيسا من الجيدة مع درهم بكيسين من الرديئة» تعليقة السيد الشهيد على منهاج الصالحين٢/٧٤ التعليقة رقم١٦١.

{٢٣٩}

المالية لغرض عقلائي، وبما ان الانحلال هنا ممكن قد حكم به الشارع كما سيأتي في بيع من من الحنطة ودرهم بمنين، فتحصل النتيجة بأن منا من الحنطة في مقابل من منها وان المن الثاني في مقابل الدرهم ولاحاجة لتساوي قيمة المن بالدرهم فان المعاملة صحيحة.

اما الروايات فهي تشير الى الانحلال: منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج١ «... فقلت له اشتري الف درهم ودينار بألفي درهم فقال لا بأس بذلك ان أبي كان أجرأ على اهل المدينة مني فكان يقول هذا فيقولون انما هو الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط الف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط الف دينار وكان يقول لهم نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال».

وفي صحيحته الاخرى٢ عن أبي عبد الله (ع) ينقل اعتراض محمد بن المنكدر الذي هو من العامة المحب لاهل البيت عليهم السلام قال: كان محمد بن المنكدر يقول لابي (ع) يا ابا جعفر رحمك الله، والله انا لنعلم انك لو اخذت دينار والصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته وما هذا الا فرار. فكان أبي يقول: صدقت والله ولكنه فرار من باطل الى حق».

فكان ابن المنكدر يشكل عليه باشكال عدم التساوي بين العوضين، والامام عليه السلام يقر عدم التساوي هذا الا أنه يقول انه فرار من باطل الى حق، فكأن التساوي بين المالين في المعاملة ليس شرطا في صحتها كما تقدم ذلك منا.

وبهذا نعرف ان الروايات تفيدنا في حكم الشارع بالانحلال فتصح المعاملة وان لم يقصد المتبايعان الانحلال، وان كل جنس يكون في مقابل الجنس الاخر اما مع قصد المتبايعين الى الانحلال فلا نحتاج لصحة المعاملة الى رواية، اذ

______________________________

(١) الوسائل ١٢ باب ٦ من ابواب الصرف حديث١/٤٦٦.

(٢) الوسائل١٢ باب ٦ م ابواب الصرف حديث٢/٤٦٦.

{٢٤٠}

الصحة تكون على القاعدة.

ولايحتاج الى التنبيه الى ان الروايات المتقدمة لم تشترط قصد المتبايعين بان يكون كل جنس في مقابل مايخالفه، اذن هو حكم تعبدي بالانحلال ولايسري في غير باب الربا. وتؤيده رواية الحسن بن صدقة١ عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: قلت له: «جعلت فداك اني ادخل المعادن٢ وأبيع الجوهر بترابه بالدنانير والدراهم. قال: لابأس به، قلت: وأنا أصرف الدراهم بالدراهم واصير الغلة وضحا واصير الوضح غلة، قال: اذا كان فيها ذهب فلا بأس، قال فحكيت ذلك لعمار بن موسى الساباطي فقال لي: كذا قال لي أبوه، ثم قال لي: الدنانير اين تكون؟ قلت: لا أدري. قال عمار: قال لي أبو عبد الله (ع) تكون مع الذي ينقص».

ب - الصورة الثانية: وهي ضم الضميمة من غير الجنس الى كلا الطرفين، ولهذه الحالة صور:

١ - ان يبيع منا من الحنطة ودرهما في مقابل منين من الحنطة ودرهم ولن يقع الاتفاق والقصد على ان كل درهم في مقابل الحنطة في الطرف الاخر، وحينئذ يحصل الانحلال، فتكون النتيجة هي بيع من من الحنطة بدرهم وشراء من من الحنطة بدرهمين، وهذه المعاملة تصح سواء كانت نقدا او نسيئة. واما في صورة عدم قصد الانحلال فأيضا تصح المعاملة، لحكم الشارع بانصراف كل الى غير مجانسه، والدليل على ذلك هو اطلاق روايات الضميمة.

٢ - ان ييبع منا من الحنطة ودرهما في مقابل منين من الحنطة ودرهم، ويتفقان على ان الدرهم في مقابل الدرهم، والحنطة في مقابل الحنطة، وحينئذ يحصل الانحلال اذ يكون منا من الحنطة بأزاء منين منها، وهذا تبطل به المعاملة

______________________________

(١) الوسائل ١٢ باب ٢٠ من ابواب الربا حديث١/ ص٤٥٥. والرواية غير معتبرة.

(٢) المعادن أي السوق وهو المكان الذي يستخرج منه المعادن فيباع ويشترى.

{٢٤١}

ولكن اذا لم يحصل منها هذا الاتفاق فيمكن الانحلال بأن يكون الدرهم في مقابل المنين والدرهم في مقابل المن، ومادام هذا الانحلال ممكنا فقد حكم الشارع به فتصح المعاملة وينصرف كل الى غير مجانسه١.

٣ - أن يبيع منا من الحنطة ودرهما في مقابل منين من الحنطة وعباءة ولن يتفقا على ان منا من الحنطة، في مقابل من من الحنطة والدرهم في مقابل من من الحنطة والعباءة، فهنا المعاملة تكون صحيحة نقدا وغير صحيحة نسيئة، لان المن من الحنطة في مقابل المن منها بما انه مكيل او موزون فيشترط فيه أن يكون نقدا، اما اذا كان نسيئة فتحصل الزيادة الحكمية التي هي ربا، واما اذا لم يقصد الانحلال الا أنه كان ممكنا، فينصرف كل الى غير مجانسه فتصح المعاملة نقدا ونسيئة.

ج - الصورة الثالثة: وهي جعل الضميمة في الطرف الزائد كما لو باع منا من الحنطة بمنين ودرهم، فهو ربا بلا كلام لحصول الزيادة العينية مع الضميمة. وهذا تمام الكلام في الوجه الاول.

الوجه الثاني: ان يبيع الجنس الربوي بثمن من غير جنسه من زيد، ثم يشتري منه من ذلك الجنس ازيد من الاول او أقل بذلك الثمن او غيره. وهذه المعاملة أيضا صحيحة وخارجة عن الربا موضوعا.

هذا بالاضافة الى وجود صحيحة اسماعيل بن جابر٢ عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يجيء الى صيرفي ومعه دراهم يطلب اجود منها، فيقاوله على دراهمه فيزيده كذا وكذا بشيء قد تراضيا عليه، ثم يعطيه بعد بدراهمه دنانير، ثم يبيع الدنانير بتلك الدراهم على ما تقاولا عليه مرة، قال: أليس ذلك

______________________________

(١) ومثل هذا الحكم من تعليقه على القصد كثير، منها ان المطلقة رجعية اذا وطأها المطلق بقصد الرجوع كان رجوعا، وان وطأها بقصد الزنا لم يكن رجوعا.

(٢) الوسائل ج١٢ باب ٦ من ابواب الصرف حديث٦/٤٦٨.

{٢٤٢}

برضأ منهما جميعا؟ قال: بلى. قال: لابأس» وفي رواية اخرى«اذا كان آخر البيع على الحلال فلا بأس بذلك».

ولابأس بالتنبيه على ان جملة الامام عليه السلام «أليس ذلك برضا منهما جميعا» ليس معناها ان البيع الاول لايلزم بالبيع الثاني، فان حصل البيع الاول، فالبائع والمشتري مخيران بالبيع الثاني، وحينئذ يكون البيع الاول و الثاني صحيحا، وأما اذا كان البيع الثاني لازما، بمعنى ان البيع الاول قد اشترط فيه البيع الثاني على نحو شرط الفعل، فهنا يكون البيع فيه بأس. لان البيع الاول اذا اشترط فيه البيع الثاني فأيضا الرضا موجود منهما جميعا، اذ المراد من الرضا هنا هو الرضا المعاملي وهو موجود، لا طيب النفس الذي ليس هو شرطا في المعاملة، فكأن الامام (ع) اراد ان يقول أي اشكال في البيعين؟! أليس الرضا موجود منهما جميعا؟ فيصح البيعان، وهذا نقوله حتى مع الشرط. نعم هناك روايات تمنع من بيع العين الشخصية نسيئة مع اشتراط ان يبيعها المشتري على البائع، ولكن هذا غير ما نحن فيه.

ثم انه قد ذكر السيد اليزدي رحمه الله وغيره جملة من الحيل التي يخرج بها المتعاملان عن الربا موضوعا وهي١.

الوجه الثالث: ان يهب كل من المتبايعين جنسه للاخر، ولكن من غير قصد المعاوضة بين الهبتين، واشتراط الهبة في الهبة.

الوجه الرابع: ان يتبايعا بقصد كون المثل بالمثل وكون الزائد هبة.

الوج الخامس: ان يصلح صاحب مقدار الزيادة الاخر، فيعطي مائة درهم في مقابل منديل صلحا ويشرط عليه بيع كذا بكذا متساويا

______________________________

(١) العروة الوثقى ٣/٥٠.

{٢٤٣}

ومن الواضح ان هذه الصور لاتمت الى الربا المعاوضي بصلة وان كانت نتيجتها الربا، اذ ان الاحكام التي تلحق الهبة او التباري او المصالحة تختلف عن الاحكام التي تلحق البيع ومادام الانشاء والقصد وقع على هذه الصورة فتلحقه احكامه وهي تختلف عن احكام البيع كما ان مبادلة المثل بالمثل مع هبة الزائد تختلف عن مبادلة المثل بالاكثر منه.

والى هنا تم الكلام حول القسم الاول وهي الوجوه التي تخلصنا من الربا المعاملي.

اما القسم الثاني: وهي الوجوه المخلصة من الربا القرضي، فهي عديدة ايضا:

الوجه الاول: أورده السنهوري عن الاستاذ شكري قرادحي١، وهو عملية تحتوي على ثلاثة عقود:

أ - عقد شركة توصية: يشترك فيه صاحب المال مع العامل، فيقدم صاحب المال ماله، والعامل عمله ويشتركان في الربح والخسارة.

ب - عقد التأمين: ويعد عقد شركة اللتوصية عقد التأمين بين الشريكين نفسهما، وبموجب هذا العقد ينزل صاحب المال عن جزء من ارباحه المحتملة في مقابل ان يؤمنه العامل من الخسارة، فيصبح صاحب المال ذا حق في ربح محتمل ولايشارك العامل في الخسارة التي آمن نفسه منها.

ح - عقد البيع: وهذا العقد يأتي بعد عقد التأمين، فيبيع صاحب المال للعامل ربحه المحتمل في مقابل مبلغ محقق من المال يكون هو الفائدة. ونأتي بمثال ليكون الامر واضحا: فنفرض ان الربح المحتمل لصاحب المال ١٥ في المئة بموجب عقد الشركة، ويحتمل أيضا أن يخسر صاحب المال ولايربح، ففي

______________________________

(١) مصادر الحق ٣/١٩٧ عن كتاب القانون والاخلان ٢/٨١ - ١٨٨١.

{٢٤٤}

عقد التأمين ينزل عن ٥ في المئة ليأمن من الخسارة فيصبح ربحه المحتمل دون هو خسارة ١٠ في المئة، ثم ينزل في العقد الثالث وهو عقد البيع عن ٥ في المئة الربح المحتمل لينقلب وهو ١٠ في المئة الى ٥ في المئة ربحا مضمونا وهذه هي الفائدة.

واقل ما يمكن ان يقال: في هذه العملية ثلاثة أشياء بعد التسليم بصحة المرحلة الاولى التي تسمى في الشريعة الاسلامية بـ«عقد المضاربة»، وقبول المرحلة الثانية التي تكيف فقهيا على اساس شرط الضمان على عامل المضاربة الذي لايضر بكون العامل أمينا على ما في يده، اذ اشتراط الضمان لايعني ان اليد مضمنة عند تلف المال، فان هذا مخالف للادلة الدالة على ان الامين كعامل المضاربة لايضمن ضمان اليد، وانما يعني اشتراط الضمان المعاملي الذي هو جعل الضمان١ بانشاء جديد على تقدير التلف، وقد يكون جعل هذا الضمان بالتعهد، ويؤدي هذا التعهد الى اشتغال ذمة «المتعهد بالشيء» بقيمته على تقدير التلف، فيكون هذا الشرط٢ او التعهد لازما لعامل المضاربة، ويشمله اوفوا بالعقود (العهود)، والمؤمنون عند شروطم، والاشياء الثلاثة التي نقولها هي:

١ - ان المرحلة الثانية لو لم توجد لم توجد المرحلة الاولى، وهذا معناه وجود شرط ارتكازي بعدم ضمان صاحب المال في عقد المضاربة، وهو شرط مخالف للكتاب والسنة. نعم اذا لم يكن وجود المرحلة الثالثة مؤثرا في وجود المرحلة الاولى، فالعقد الاولي موجود سواء وجد العقد الثاني ام لا، فهذا لابأس به.

______________________________

(١) واما عقد الضمان بمعناه الفقهي المعروف هو «نقل الدين من ذمة الى ذمة» فهو هنا لايفيدنا لان العامل لاينقل الى ذمته دين صاحب المال، وانما يتعهد ان تشتغل ذمته بقيمة مال صاحب المال على تقدير تلفه.

(٢) ان هذا الشرط هو التزام في مقابل التزام فيجب الوفاء به وان كان ابتدائيا، اذ ليس هو وعد محض.

{٢٤٥}

٢ - ان الضمان الذي ينشئه العامل انما يكون في قبال شيء مجهول. وبعبارة اخرى: ان عقد التأمين من الخسارة ان رجع الى الهبة المشروطة بتعويض الخسارة فحينئذ لابد ان تكون الهبة غير معلقة اما الهبة المعلقة فلا تصح. وان رجع الى الضمان المعاملي فأيضا لابد من معرفة مايكون في قبال هذا الضمان المعاملي.

٣ - ان عقد البيع كذلك يشترط فيه معلومية العوضين وهنا في العقد الثالث يبيع صاحب المال للعامل ربحه المحتمل في مقابل مبلغ محقق من المال، فالعوض الذي هو راجع الى صاحب المال غير معلوم، وحينئذ يكون المعوض الذي يدفعه صاحب المال الى العامل غير معلوم بل هو محتمل، فالجهالة متحققة هنا فلا يصح البيع، وأيضا يمكن دخوله في لاتبع ماليس عندك.

الوجه الثاني: وهو يدعى بعقد المخاطرة، وقد تقدم في بحث العامة تحت عنوان (بيع العينة) وهي واردة في فقه الامامية ايضا وخلاصتها:

أ - ان يبيع رجل من آخر سلعته التي قيمتها مائة دينار بمائة وعشرين دينارا مؤجلة الى سنة.

ب - ثم يبيع المشتري (الذي اصبح مالكا للسلعة) السلعة نفسها الى البائع نقدا بمائة دينار، فيكون المشتري قد حصل على مائة دينار نقدا بمائة وعشرين دينارا مؤجلة آلى سنة، وهذا هو الربا مستورا تحت البيع. وقد يكون الامر بالعكس، بأن يبيع صاحب السلعة سلعته نقدا، ثم يشتريها من المشتري نسيئة بمقدار اكثر قيمة١، فيكون البائع في البيع الاول هو المشتري في البيع الثاني وبالعكس. وقد تصور بصورة ثالثة بأن يبيع صاحب السلعة سلعته نسيئة بالسعر السوقي، ثم يشتريها منه بأقل من السعر السوقي نقدا.

وقد تقدم حكم هذا الوجه في البحث عن الخروج عن الربا موضوعا عند

______________________________

(١) واكثر الروايات ناظرة الى هذا المعنى عند الامامية.

{٢٤٦}

العامة، ونزيدها هنا بيع العينة توضيحا فنقول: ان هذه الطريقة المتعارفة هي المعروفة لمعنى العينة الا ان لها طريقة اخرى وهي حصول ثلاث معاملات:

أ - ان اشتري سلعة من آخر بثمن كعشرة دنانير.

ب - ثم ابيعها الى رجل آخر باثني عشر دينارا مؤجلة.

ح - ثم يبعيها هذا الرجل الى البائع الاول نقدا بتسعة دنانير مثلا.

وهذا النحو أخف من النحو الاول اذ ان الذي يأخذ الثمن نقدا وهو تسعة دنانير لم تكن ذمته مشغولة للماخوذ منه حتى يقال أنه يأخذ نقدا انقص مما اشتغلت ذمته به، وانما تكون ذمته مشغولة بالنسبة للبائع الثاني، بينما هو يأخذ الاقل نقدا من البائع الاول.

وقد ذكر الشافعي للعينة معنى آخر وهو (تحول دين بدين) فمثلا اذا كان عمرو يطلب زيدا مائة دينار، ويأتي عمرو عند حلول اجل الدين ويطالب بالمائة وزيد لايملكها، فهنا يبيع زيد لعمرو كتابا بمائة دينار فيفي بالدين ثم بعد ذلك يشتري الكتاب من عمرو بمائة وخمسين دينارا مؤجلة، فهنا اصبح عمرو يطلب مائة وخمسين دينارا.

أما المعنى الاول للعينة - هو المعروف - فقد يتصور على انحاء ثلاثه:

١ - أن يشترط البيع الثاني في البيع الاول صريحا.

٢ - ان لايشترط البيع الثاني في البيع الاول صريحا وانما يتفقان قبل العقد على ذلك، فيبنى عليه العقد.

٣ - ان يقع البيع الثاني بعد البيع الاول صدفة ومن دون سبق اتفاق من الطرفين او مع سبق اتفاق من الطرفين من دون أن يبنى عليه العقد.

أما الصورة الاولى: فقد نقلنا اتفاق علماء العامة فيما تقدم على البطلان، لعدم قصد البيع واقعا، وقصد الربا حقيقة بهذه الصورة. اما عند علماء الامامية

{٢٤٧}

فقد نقل الشيخ الانصاري «قده» ان المشهور بينهم عدم الجواز، ولكن اختلفوا في تعليله على وجوه:

١ - فقد ذهب العلامة في التذكرة الى لزوم الدور من الاشتراط المذكور، فيكون الشرط فاسدا ومفسدا للعقد. وتقريب الدور هو: ان بيع البائع الاول مشروط ببيع المشتري، فمالم يبع المشتري لا يتحقق البيع الاول، اذن تحقق البيع الاول موقوف على البيع الثاني، وبما ان البيع الثاني موقوف على الملك (اي على تمامية البيع الاول) فحصل الدور.

وقد نقض على العلامة فيما اذا شرط بيع المتاع على شخص ثالث، فهو شرط صحيح، لان البائع شرط عملا مباحا على المشتري، بينما شبهة الدور موجودة ايضا.

وقد اجاب العلامة: بأن بيع مال الى آخر لايلزم منه أن يكون البائع مالكا كما في بيع الغاصب شيئا قد غضبه، وبيع الوكيل او الفضولي او البيع اشتباها، بخلاف البيع على البائع فانه لايتحقق الا ان يكون البائع الثاني مالكا (اي قد خرج المبيع عن ملك المالك الاول) فيأتي الدور١.

وقد نقض الشيخ الاستاذ التبريزي في درسه عند تعرضه لبحث الشروط النافذة بنقض آخر، وهو ما اذا باع الدار بألف دينار بشرط ان توقف الدار على البائع واولاه وقفا خاصا، فعلى قول العلامة لابد ان نقول بأن شرط الوقف باطل للدور، لان الدار عندما تكون ملكا في مقابل الدنانير في حين كونه وقفا، والوقف متوقف

______________________________

(١) ان هذا الجواب بالفرق بين بيعه على بائعه وبيعه على الغير غير صحيح، لان الشارط شرط البيع الاستقلالي من قبل المشتري لابيع الوكالة او الفضولي او بيع الغاصب، على ان هذا الشرط مناف لمقتضى العقد اذ شرط بيع المبيع وكالة عنه او فضولا معناه ان المبيع ملكا للبائع، ومقتضى البيع ان المالك هو المشتري فيحصل التهافت.

{٢٤٨}

على الملك. وكذلك ينقض على العلامة فيما اذا باع شخص فرشه على آخر نسيئة بشرط ان يرهنه عند البائع على الثمن، فشرط الرهن هنا صحيح بلا اشكال حتى عند العلامة.

ثم ان هذين النقضين لايبطلان ماذهب اليه العلامة، اذ غاية مافي الامر التزام العلامة بتوسعة دائرة اشكال الدور فيبطل العقد في دائرة اوسع.

٢ - قد حكى عن الشهيد في غاية المراد ان بطلان البيع لانتفاء القصد، أي ان الشرط المذكور يمنع من قصد البائع الاخراج عن ملكه حيث انه يريد استرجاعه ثانية بواسطة بيع ثان، فهو في الواقع لايقصد البيع حقيقة. وهذا هو ما ذهب اليه ابناء العامة للبطلان.

٣ - ماذهب اليه الشيخ الانصاري (قده) في تعليل البطلان الى التعبد برواية الحسين بن المنذر ورواية علي بن جعفر.

ونحن يمكننا مناقشة ما ذهب اليه العلامة من الدور فنقول: ان الشرط الذي يؤدي الى الدور المستحيل هو الشرط الفلسفي الذي هو من اجزاء العلة التامة، اما الشرط هنا فهو شرط معاملي، وحينئذ ان كان بمعنى التعليق في العقد على امر مجهول التحقق في المستقبل او معلوم فهو باطل كما عن المشهور من عدم امكان الانشاء التعليقي. وان كان بمعنى الالتزام في ضمن العقد (كما هو الصحيح لغة وعرفا) فهو صحيح لان الالتزام موجود حين العقد من قبل المشروط عليه وبما ان كلامنا (اشتراط التزام البيع الثاني في البيع الاول) فيكون البيع صحيحا.

ثم ان الشرط الباطل على تقدير بطلانه غير مبطل للعقد على الاطلاق، انما الشرط الذي يبطل العقد هو الذي يخل في تحقق اركان العقد اوصحته.

اذن النتيجة هي ان شرط الفعل في هذه الصورة او شرط النتيجة لاعيب فيه على القاعدة ولكن يوجد نص في المقام وهو «صحيحة علي بن جعفر» تقول

{٢٤٩}

ان بيع الشيء الى شخص نسيئة بشرط ان يبيعني الشيء باطل١ فنلتزم بالنص في مورده، واما شرط الوقف والبيع على شخص ثالث فيبقى على القاعدة صحيحا.

والرواية لها سندان٢ احدهما صحيح اذ ان سند صاحب الوسائل الى كتاب علي بن جعفر صحيح، والرواية رواها علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى ابن جعفر (ع) قال «سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم الى أجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحل؟ قال: اذا لم يشتر ورضيا فلا بأس» ومعناها اذا شرط ذلك فالبيع الاول غير صحيح كما هو الظاهر من البأس في المعاملات٣، أي اذا كان ملزما بالبيع فلايصح لا ان الشرط فقط غير صحيح، لان السؤال عن حلية البيع والشراء، فقال يصح اذا لم يشترط واما اذا اشترط فيفسد بيعه وشراؤه. وتوجد في هذا المضمون روايات كثيرة تؤيد هذه الصحيحة لانها ضعيفة السند.

______________________________

(١) اما بعض ابناء العامة، فقد قالوا ببطلان البيع الثاني في هذا المجلس، وانما يكون البيع الثاني صحيحا اذا كان الفاصل بين البيعين شهرا واحدا على الاقل. ولكن هذا القول ايضا غير صحيح لعدم دخول الزمان في الصحة.

(٢) الوسائل ج١٢ باب ٥ من احكام العقد، رواية ٦/٣٧١.

(٣) البأس في المعاملات ظاهره هو الفساد، كما ان البأس في الافعال الخارجية ظاهره التحريم. وقد ذهب بعض الى ان البأس ظاهر في الكراهة ولكنه غير صحيح. هذا وقد ذهب الشيخ الانصاري (قده) الى ان الباطل هو البيع الثاني. وأن صحيحة علي بن جعفر كان السؤال فيها عن البيعين (باع ثم اشترى) فالامام (ع) قال اذا رضيا ولم يشترط فلا بأس واما اذا اشترط فالبيع والشراء باطلان، واذا كان السؤال عن البيع الثاني لاجاب الامام (ع) عن عدم البأس في البيع الثاني. على أن البطلان اذا كان راجعا الى البيع الثاني، فان البيع الاول يكون باطلا ايضا وذلك لان البيع الثاني يبطل لبطلان الاول والا فلاوجه لبطلانه، أي ان الشرط يجعل المعاملة الاولى غررية فتبطل بذلك.

{٢٥٠}

وبهذه الرواية يكون التخلص من الربا بهذه الصورة لابأس به، وبمفهومها نرفع اليد عن القاعدة الاولى التي تقول ان شرط النتيجة والفعل (البيع) ثانيا الى البائع ايضا لاباس به. ولكننا نلتزم بالبطلان في صورة اشتراط البيع الثاني بأقل من البيع الاول او العكس كما هو مورد الرواية (اختلاف الثمنين زيادة ونقصان). اما اذا كان شرط البيع ثانيا بنفس الثمن الاولي فلابطلان لعدم الدليل.

واما ما ذهب اليه الشيخ الانصاي «قده» فهو الصحيح للصحيحة لا لرواية الحسين بمن المنذر، لان الحسين لم يرد فيه توثيق، فتكون الرواية ضعيفة، والرواية هي١ قال «قلت لابي عبد الله عليه السلام يجيئني الرجل فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة (اي اشتري المتاع بمائة فأبيعه بمائة وعشرة) ثم اشتريه منه مكاني. قال: اذا كان بالخيار إن شاء باع وان شاء لم يبيع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وان شئت لم تشتر فلا بأس، فقلت: ان اهل المسجد يزعمون ان هذا فاسد، ويقولون ان جاء به بعد اشهر صلح. قال: انما هذا تقديم وتأخير فلابأس».

وأما ماذهب اليه الشهيد الاول، فهو خروج عن المتنازع فيه، لان البائع قد فرضنا انه يبيع الشيء وله قصد الى ذلك اذا التزم المشتري ببيعه ثانيا اليه، وارادة استرجاعه الى ملكه لاتضر في قصد البيع. والى هنا تم الكلام عن الصورة الاولى.

واما الصورة الثانية: فان وقع العقد مبنيا عليها - بحيث يكون الاتفاق السابق شرطا ضمنيا يوجب لزوم الوفاء به، كالشروط الارتكازية من الصحة والسلامة للمبيع، كما هو المعنى العرفي للشرط، بأن تكون المعاملة منوطة

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٥ من احكام العقود رواية:٤/٣٧٠.

{٢٥١}

بالالتزام الذي قبل العقد - فلا فرق حينئذ بين ذكر الشرط في متن العقد وبين هذه الصورة.

وأما اذا كان الاتفاق السابق مجرد وعد بعده وقع العقد، فلايكون الاتفاق السابق ملزما، وحينئذ يكون المشروط عليه ان شاء فعل وان شاء لم يفعل، فلايكون البيع باطلا، للقاعدة وللصحيحة المتقدمة.

وأما اذا قلنا ان الشرط هو «الالتزام في بيع ونحوه» كما قال صاحب القاموس، فهنا الشرط السابق على العقد ليس شرطا، لان الشرط هو الالتزام في ضمن المعاملة، فلابد من ذكره في متن المعاملة حتى تحصل الضرفية، فهنا ايضا لايجب الوفاء بما اتفقا عليه قبل العقد ويكون المشروط عليه ان شاء فعل وان شاء لم يفعل، فيكون البيع صحيحا للقاعدة وللصحيحة.

تنبيه: يمكن القول - في الصورة الاولى والثانية اذا كان العقد قد وقع مبنيا على الاتفاق السابق بحيث يجب الوفاء به - بأن العرف يرى انطباق المعاملة القرضية عليهما، لان القرض هو تبديل المال الخارجي بمثله في الذمة، والنتيجة من المعاملتين: هو حصول احدهما على مائة دينار خارجي على ان تكون مضمونة عليه في ذمته، وحينئذ لايجوز الزيادة فيه، وهذا غير المعاوضة.

واما الصورة الثالثة: فقد تبين حكمها مما تقدم.

ثم ان هذا الكلام نقوله حتى في ارادة المعنى الثاني من بيع العينة الذي هو مركب من ثلاث معاملات او المعنى الذي ذكره الشافعي بلا زيادة او نقصان.

ثم انه قد ذكر السيد الشهيد الصدر١تخريجات فقهية متعددة كمحاولة لتحويل الفائدة الى وجه مشروع مع مناقشتها، وهي:

الوجه الثالث: ان تكون الفائدة في مقابل عملية الاقراض التي تصدر من المقرض على اساس الجعالة، لامقابل المال المقترض، كأن يقول من أقرضني

______________________________

(١) البنك اللاربوي في الاسلام ص١٦٤ ومابعدها.

١٤
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٢٥٢}

دينارا فله درهم، وهذه الجعالة تغري صاحب الدينار فيتقدم لاقراضه، وحينئذ يستحق عليه الدرهم بموجب الجعالة لابموجب عقد القرض.

وقد ناقش هذه المحاولة بقوله: اولا: ان الارتكاز العقلائي ينظر الى ان الدرهم في مقابل المال المقترض، وجعله في مقابل عملية الاقراض مجرد لفظ فقط، وحينئذ يكون الدرهم ربويا. وثانيا: اذا قلنا بتحرر المتعاملين من الارتكاز العقلائي، واتجهت ارادة المدين حقيقة الى جعل الدرهم بأزاء نفس عملية الاقراض فنقول: ان استحقاق الجعل المحدد في الجعال اما هو بملاك ضمان عمل الغير بأمره لاعلى وجه التبرع، وهذا هو حقيقة الجعالة كما اذا أمرت الخياط الخاص بأن يخيط لي الثوب فيتمثل أمري، فأنا اضمن له قيمة عمله، وبامكاني ان احول اجرة المثل منذ البدء الى مقدار محدود فأقول من خاط الثوب فله درهم وحينئذ يسمى هذا جعالة.

والخلاصة أن الجعالة لاتتصور الا على عمل يكون له أجرة المثل في نفسه، وقابل للضمان بالامر به، واما مالاضمان له في نفسه، ولاتشمله ادلة ضمان الغرامة فلاتصح الجعالة بشأنه، وحينئذ لاتصح الجعالة على الاقراض بما هو عمل، لان مالية الاقراض في نظر العقلاء انما هي مالية المال المقترض، وليس لنفس العمل بما هو مالية زائدة، ومع فرض كون مالية المال المقترض مضمونة بالقرض فلايتصور ضمان آخر لمالية نفس عملية الاقراض، وحينئذ لاتصح الجعالة، لان الجعالة تحدد الشيء المضمون بالمال.

الوجه الرابع: ان المحرم هو القرض الربوي، واما اذا أمرت البنك ان يسدد ديني الذي لزيد، فاذا سدد البنك الدين فقد برئت ذمتي، واشتغلت ذمتي بالمبلغ من حين قيام البنك بالتسديد، وذلك لان البنك عند ماأتلف المبلغ بأمري فأنا أضمن قيمة التالف، وفي هذه الحالة اذا التزمت انا للبنك حين

{٢٥٣}

اصدار الامر له بالتسديد بأن أعطيه اكثر من قيمة الدين اذا امتثل الامر، فلم تكن هذه الزيادة ربوية، لان الضمان ليس ضمانا قرضيا وانما هو ضمان بسبب الامر بالاتلاف.

وقد ناقش هذه الصورة اولا: بعدم الفرق بين الدين الحاصل بالقرض او الحاصل بسبب الامر بالاتلاف، فان الزام الدائن مدينه بالزيادة يكون ربا بالارتكاز العرفي. وثانيا: انا اذا سلمنا عدم حرمة الالزام بالزيادة في الحالة الثانية، لعدم كونها زيادة في عقد القرض، فما هو السبب الذي يجعل المدين ملزما بدفع الزياده؟ وقد يجاب بأن السبب هو جعالة يجعلها المدين، ومحينئذ يأتي نفس الاعتراض السابق على الجعالة من ان تسديد البنك لديني ليس له مالية اضافية وراء مالية نفس المال الذي يسدد لزيد بعنوان الوفاء فاذا كان هذا المال المسدد مضمونا فلايمكن وجود ضمان آخر لنفس عملية التسديد، وحينئذ لاتصح الجعالة لعدم امكان الضمان. ولنا أن نقول - على مسلك من يقول بصحة الجعالة هنا - بحرمة هذه المعاملة، بتقريب أن المدين حيث التجأ الى البنك ليؤدي دينه الذي حل لعدم تملكه مالا يؤدي به دينه، وحينئذ فقد اصبح البنك دائنا جديدا للمدين، ولابد للبنك ان يمهل هذا المدين الجديد لعدم وجود أي فائدة من التخلص من الدائن الاول والالتجاء الى الدائن الثاني اذا لم يكن في البين امهال، وحينئذ الجعالة التي يجعلها المدين للبنك اذا قلنا انها صحيحة تكون على اداء الدين مع الامهال فكأن المدين قال «من ادى ديني وامهلني في ادائه فله دينار» ومعنى هذا وقوع الزيادة بأزاء الاجل في دين البنك، وقد تقدم أن الادلة تمنع من الزيادة الالزامية على رأس المال في الدين كما في ربا الجاهلية سواء كانت هذه الزيادة في ضمن عقد جعالة او غيره.

ثم يقول السيد الشهيد: نعم اذا افترضنا أن تسديد البنك للدين كانت له قيمة

{٢٥٤}

مالية كما اذا كان الدائن في بلد آخر وقد أمرت البنك الذي في بلدي ان يسدد ديني للدائن، فهنا يمارس البنك عملية لها قيمة مالية زائدة على قيمة المال المدفوع، اذن هنا بجىء ضمان الغرامة، وحينئذ تصح الجعالة اذ هي تحديد ذلك المال المضمون.

الوجه الخامس: تحويل القرض الى بيع، ومادام النقد من الاوراق النقدية (التي تكون بنفسها موردا للبيع وماليتها اعتبارية) فهي لاتدخل في المكيل او الموزون، فبدلا من قرض ثمانية بعشرة، يبيع ثمانية بعشرة مؤجلة، فهنا وان حصلت الزيادة في المتجانسين الا انهما ليسا من المكيل او الموزون، وبامكان المرابي ان يلزم خصمه بفائدة جديدة فيما لو تأخر عن المدة المحددة، وذلك بأن يشترط بائع الثمانية بعشرة على المشتري في عقد البيع ان يدفع درهما مثلا في كل شهر يتأخر فيه المشتري عن دفع الثمن المقرر، فهنا الزام المدين بدفع الدرهم فيما لو تأخر يكون بحكم البيع لانه شرط في عقد البيع فيكون لازما، اذ ليس هو شرط وقع في عقد القرض ولا هو شيء في مقابل الاجل.

وقد أجاب السيد الشهيد تبعا لاستاذه السيد الخوئي «دام ظله» بعدم الجواز، لان الارتكاز العرفي يقول: ان هذه العملية هي عملية قرض قد ألبست ثوب البيع.

اما نحن فقد قلنا سابقا بحرمة هذه العملية اذا كانت المعاملة نسيئة كما دلت الادلة على ذلك١٨

وقد ذكر السيد الخوئي (حفظه الله) سببين لعدم جواز هذه الحيلة:

أحدهما - هو ان المعاوضة تقتضي التغاير بين العضوين، اما هنا فلا تغاير فهو ليس بمعاوضة

______________________________

(١) الادلة هي التي تقول بجريان الربا في المعدودات نسيئة، وقد أخذنا بهذه الروايات خلافا للمشهور.

{٢٥٥}

وثانيهما - هو الارتكاز العقلائي بأنها قرض، لان ليس المراد من القرض بمقتضى الاصل في الارتكاز العقلائي الا تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة فيصدق عرفا عنوان القرض على المعاملة التي تتكفل بهذا التبديل ولو كان المنشأ فيها عنوان التمليك بعوض، وحينئذ تأتي احكام القرض التي منها عدم جواز الزيادة.

وهذا الوجه الثاني يشترك السيد الشهيد فيه مع استاذه.

واما بالنسبة للسبب الاول الذي ذكره السيد الخوئي فقد ذكر السيد الشهيد في رده بأن المغايرة هنا يكفي فيها ان يكون المثمن عينا خارجية والثمن امرا كليا في الذمة، وهذا يصحح المعاوضية. كما وردت الروايات في جواز بيع القيمي بجنسه في الذمة مع الزيادة كبيع فرس بفرسين في الذمة١.

الا ان هذا الرد قد يكون صحيحا اذا التزم السيد الخوئي (دام ظله) بجواز بيع المعدود بأزيد منه في الذمة، ولكن نحن مادمنا قد انتهينا سابقا الى حرمة هذه المعاملة حيث ان الروايات التي تدل على صحة ذلك هي مطلقة تشمل النقد والنسيئة، فتكون الروايات التي تمنع من بيع المعدود بمثله نسيئة مخصصة لها كما سبق ذلك، على انه لايوجد عندنا رواية معتبرة تقول بجواز بيع القيمي بجنسه في الذمة.

اذن يبقى عندنا الجواب المشترك من قبل العلمين، وقد ينقض عليه فيقال: يلزم على هذا القول صحة بيع من من الحنطة بمن منها مؤجلا بدعوى انه في الحقيقة قرض، مع ان المسلم بطلان هذا البيع لانه ربا نسيئة على القول بأن الزيادة الحكمية تشملها ادلة الحرمة، ولانعرف قولا بصحته بواسطة ارجاعه الى القرض ومن لم يقل ببطلان المعاملة للزيادة الحكمية فليس من باب أنه قرض

______________________________

(١) البنك اللاربوي ص١٧٥.

{٢٥٦}

وقد يقال في رد الجواب المشترك من قبل العلمين «ان المعاملة قرض قد البست ثوب البيع» بما ملخصه: ان الفاظ المعاملات موضوعة لنفس الاعتبارات التي تنشأ بأسبابها وليست موضوعة الى النتائج، وبما ان نفس الاعتبار الذي حصل هو انشاء البيع، فالمعاملة بيعية.

ولكننا نقول: اننا نلتزم بهذه القاعدة القائلة بأن الفاظ المعاملات ليست موضوعة للنتائج وانما هي اعتبارات ولا حقيقة لها الا الاعتبار، ومع هذا نقول بقرضية هذه المعاملة.

وتوضيح ذلك: ا المعنى الذي يظهر من انشاء قولنا اقرضتك هذه المائة دينار الى سنة بمائة وعشرين، ومن انشاء قولنا بعتك هذه المائة دينار الى سنة بمائة وعشرين - هو واحد، وهو التمليك علىو جه الضمان، ولكن الانشاء الاول هو انشاء حقيقي لهذا المعنى، والانشاء الثاني هو انشاء مجازي له، فلم يتعدد الانشاء في المعنى حتى نلتزم بالانشاء اللفظي الذي هو مفاد القاعدة القائلة: بأن المعاملات لاحقيقة لها الا الانشاء١.

ولنا أن نقول ايضا: ليست عندنا قاعدة تقول ان كل الفاظ المعاملات موضوعة لنفس الاعتبارات التي تنشأ بأسبابها، اذ هذا يختلف باختلاف الدليل الذي يدل على المعاملة، فان كان ينظر الى الانشاء والعقد ويركز عليهما كما في قوله البيعان بالخيار، او المتعاقدان، فالحكم يترتب على العنوان المنشأ.

واما اذا كان الدليل لايركز على العنوان والانشاء، بل انما يركز على المعنون والنتيجة كما في موردنا حيث أن ادلة حرمة الربا لم تركز على القرض الربوي المنشأ بالاعتبار حتى نخصص الحرمة بالقرض المنشأ، بل الادلة تعمم الحرمة للربا سواء كان في القرض المنشأ او في القرض غير المنشأ بعنوان القرض،

______________________________

(١) وانما نلتزم بما قصده حقيقة. وهذا يختلف عن بيع المثل بمثله نسيئة، لوجود الارتكاز العرفي هنا بخلافه هناك.

{٢٥٧}

خصوصا وان الادلة المطلقة في حرمة الربا تحرم الزيادة الالزامية التي بلا مقابل الالقاء الاجل، وبما ان النظر العرفي الى بيع ثمانية دنانير بعشرة نسيئة يثبت وجود الزيادة بلا مقابل الالقاء الاجل فهو الربا المنهي عنه وان كان بلسان البيع.

الوجه السادس: قد يقال انطلاقا من فكرة تبديل القرض الى بيع: ان الدنانير تباع بعملة اخرى - قيمتها اكثر من قيمة الدنانير العشرة - وحيث ان النقود الورقية لايجري عليها احكام بيع الصرف فلايجب التقابض في المجلس فيجوز تأجيل الثمن. وعند حلول الاجل يتمكن البائع أن يأخذ من المشتري العملة الاخرى المتفق عليها أو ما يساويها من الدنانير العراقية من باب الوفاء، وبهذا تحصل نفس النتيجة المقصودة للمقترض والمقرض بدون قرض.

وهذا غير ما قلناه في الوجه السابق (من بيع ثمانية دنانير بعشرة مؤجلة) لعدم المماثلة.

ولكن السيد الشيهد (رحمه الله) ادعى بحق ان العرف بارتكازه النار الى باب النقود يقول ان المقصود من النقود ماليتها دون خصوصياتها، وحينئذ يأتي الارتكاز العرفي الاول القائل بأن هذه المعاملة هي معاملة قرضية (لانها تبديل مالية بمالية اخرى في الذمة) اذ لم يبق فرق بين العملة العراقية والعملة غير العراقية الاكون احدهما خارجيا والاخر ذميا، وهذا هو معنى تبديل الشيء الى مثله في الذمة وهو معنى القرض العرفي فتشمله احكام القرض في حرمة الزيادة.

نعم، هذا التقريب يتم لو كان المنظور الى العملة غير العراقية ليس فقط ماليتها وانما المنظور خصوصية اخرى غيرالمالية كقدم العملة او الصورة الموجودة فيها أو أي شيء آخر غير ماليتها العرفية، فهنا يكون الفرق بين العملة الاولى والثانية ليس هو كون اولاهما خارجية والثانية ذمية.

{٢٥٨}

الوجه السابع: ما تدل عليه موثقة محمد بن اسحاق بن عمار١ «قال قلت لابي الحسن (ع) يكون لي على الرجل دراهم فيقول أخرني بها وأنا اريحك فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم او قال بعشرين ألفا وأؤخره بالمال، قال لا بأس» والظاهر ان هذا هو الربا او بحكم الربا لان الربح وقع في مقابل التاجيل والامهال بالالزام فيه، فتشمله ادلة الحرمة. نعم تقدم منا حمل هذه الروايات على عدم الالزام للجمع بينها وبين روايات «أتقضي أم تربي» واستفدنا هذا الجمع من الروايات ايضا.

وقد نقول: ان ظاهر الرواية هو فيما اذا جاء المدين واشترى شيئا من الدائن بأكثر من قيمته واشترط عليه تأجيل القرض الذي حل اجله الى سنة، فهنا المعاملة صحيحة لان شرط سقوط المطالبة الى سنة وقع في عقد البيع، والممنوع في الروايات هو الزيادة في تأجيل الدين وهنا بالشرط لم يزد الدين وانما بشرائي للكتاب زاد رأس مال الدائن، واما سقوط حق المطالبة فكان بالشرط. واما روايات «أتقضي ام تربي» فهي في صورة كون الدائن قد الزم المدين بالزيادة في مقابل التأجيل.

الوجه الثامن: قد يقال بأن البنك يعتبر نفسه وكيلا عن المودعين في الاقراض من أموالهم، والاموال تبقى على ملكية اصحابها، وحينئذ يكون الدائن هو المودع والبنك وكيلا في الاقراض من قبل الدائن بالشكل الذي يرتئيه، وهنا يمكن للبنك ان يشترط على المقترض ضمن عقد القرض ان يدفع زيادة علىالمبلغ المقترض عند الوفاء للبنك نفسه، فهنا لم يحصل للمقرض أي حق في الزيادة وانما الزيادة للبنك.

وهذه الصورة مخالفة لما هو الموجود في الخارج من ان البنك هو المقرض

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٩ من ابواب العقود، حديث٤/ ص٣٨٠.

{٢٥٩}

حقيقة، وأنه هو الذي يتحمل الخسارة لو لم يدفع المقترض، وان المودع لايهمه ان اقرض البنك او لم يقرض، وهو يستلزم امواله كاملة غير ناقصة حتى لو لم يدفع المدين دينه، كل هذا يدل دلالة واضحة على ان الدائن هو البنك وهو الذي يتحمل الخسارة لوحصلت، ولو قبلنا ان البنك وكيل في الاقراض من قبل الدائن بالشكل الذي ترتئيه، فلايتمكن البنك من اشتراط الزيادة له، لانه وكيل، فشرطه هو شرط الموكل، وحينئذ وان كانت الزيادة ليست للدائن الا انه ربا لشمول بعض الروايات التي تقول «فلا يشترط الا مثلها» أي ان كل شرط فيه نفع لايجوز سواء كان للمقرض او لغيره (كالوكيل).

نعم، اذا اشترط البنك على المقترض ان تكفله شركة التأمين او شخص متمول لاجل الا يضيع المال فيما لو لم يدفع، فان هذا الشرط جائز وان كان الكفيل لايرضى بأن يكفل الا لقاء مبلغ من المال، اذ من حق البنك ان يحافظ على ماله من الضياع ويطلب كفيلا، وهذا شرط لايجر نفعا الى البنك حتى يقال بربويته، وحينئذ اذا كانت حجة البنك في أخذ الفائدة هو مقابل عدم الوفاء ببعض الديون التي تسمى بالديون الميتة، فيمكنه ان يسلك هذا الطريق للتأمين على أمواله من الضياع. كما يمكن للبنك أن يأخذ - في صورة كونه وكيلا في القرض - اجرة على عمله الذي يقوم به، وهذه غير الفائدة.

نعم يتمكن البنك ان يكون وكيلا عن المودعين في اجراء عقد مضاربة مع التجار، ويجعل التجار للبنك جعالة على عمله، والاشراف على عقد المضاربة الى حين الانتهاء، ولتكن الجعالة «١٠ في المئة» مثلا، وجهالة الجعالة هنا غير مضرة كما ان عدم ملكية المال للجاعل حين الانشاء ايضا غير مضر، لان المجعول له لايملك المال الا بعد انجاز العمل، وحينئذ يكون المال قابلا للتمليك من

{٢٦٠}

قبل المالك بعد انجاز العمل وهو لابأس به١.

وهذه العملية صحيحة مقبولة بناء على ان المضاربة لاتختص بالدينار والدرهم الذهبيين كما هو الصحيح.

وهذا الوجه لابأس به، ولكن يجب ان يلتزم المودعون بالخسارة ان حصلت ولايتحمل التجار والبنك شيئا منها لما هو مقرر في باب الجعالة، وأن لاتسحب هذه الودائع الى مدة محددة.

ولكن يمكن البنك الذي يكون وكيلا عن اصحاب الاموال في توضيفها مع امواله او مستقلة في المضاربة ان يتعهد لموكليه بجبران الخسارة.

وهذه هي الاطروحة التي طرحها السيد الشهيد في كتابه البنك اللاربوي في الاسلام٢.

والى هنا تم الكلام حول الصور المخرجة عن الربا القرضي وقد رأينا عدم تمام بعضها.

______________________________

(١) ان الروايات التي هي الدليل على صحة هذا هي:

صحيحة زرارة قال: قلت لابي عبد الله (ع): ماتقول في رجل يعطى المتاع فيقول ماازددت على كذا وكذا فهو لك؟ فقال (ع): لابأس.

وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال في رجل قال لرجل: بع ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك قال (ع): ليس به بأس. الوسائل ج١٢ باب ١٠ من ابواب احكام العقود، حديث١، ٢/٣٨١.

(٢) ولعل ما يجري الان في البنوك في الجمهورية الاسلامية في ايران هو تطبيق لهذه الاطروحة، حيث ان العامل يعطى المال الى البنك ولم يكن له حق سحبه لمدة معينة، ويكون البنك وكيلا عنه في اعطائه الى التجار مع مال البنك للمضاربة به ويكون للبنك نسبة من الاباع معينة. واذا خسرالعمل فالبنك يتحمل الخسارة لوحده لانه تعهد لموكليه جبران خسارتهم ان حصلت.

{٢٦١}

تعقيب:

قلنا فيما تقدم بأن مسألة التخلص من الربا بالصور المتقدمة، يتوجه اليه اشكال رئيسي ملخصه: ان المعاملة التي ينشئها المتعاملان بقصد التخلص من الربا لايقصد اليها قصدا جديا، وبذلك تبطل المعاملة لعدم القصد اليها، ويذكر في هذا المجال «ان الصحة والفساد والحلية والحرمة دائران مدار قصد المحلل والمحرم»١ ويستند هذا القول الى الحديث الشريف «انما الاعمال بالنيات وانما لكل امريء مانوى».

وقد ذكرنا في جواب هذا الاشكال: بأن القصد الذي هو امر انشائي وبيد المتعاملين يمكن ان يوجد بصورة جدية من قبلهما، وبما ان عناوين المعاملات تتحقق بالانشاء الجدي فهي تتحقق اذا قصدت من قبل الطرفين. نعم الداعي الى المعاملة قد يكون هو الفرار من الحرام الى الحلال، وقد اشارت الروايات الى عدم الاشكال فيه ومدحته. اذن حينما نقول بجواز عملية من عمليات التخلص من الربا، اما نقول بذلك في صورة وجود الانشاء والقصد الجدي الى المعاملة الذي هو اعتبار نفسي مبرز من الجانبين، وان كان الداعي هو الفرار من الحرام.

واما اذا لم يكن القصد الجدي الى المعاملة المخرجة عن الربا موجودا، وانما كان القصد الى الربا فقط فالمعاملة ربوية.

وأما ماذكره الشيخ الانصاري «قده» في كتاب المكاسب من الموارد التي يتخلف العقد فيها عن مقصود المتبايعين فلايمكن ان تكون دليلا على عدم وجود قاعدة «العقود بالقصود» وأن القصد الجدي ليس بواجب في المعاملات اذ يمكن ان يقال ان هذه الموارد استثناءات دل الدليل على خروجها من القاعدة

______________________________

(١) منية الطالب للخوانساري ١/١٠.

{٢٦٢}

فصحت مع عدم القصد اليها، والموارد هي:

١ - اطبق العلماء على ان عقد المعاوضة اذا كان فاسدا فانه يؤثر في ضمان كل من العوضين القيمة، لافادة العقد الفاسد الضمان عندهم فيما يقتضيه صحيحه أي ان العقد الصحيح فيه ضمان فكذلك العقد الفاسد للقاعدة مع ان المتبايعين لم يقصدا الاضمان كل منهما بالاخر، فاذا بعت كتابي بوزنة من حنطة وكان العقد فاسدا فأنا اضمن وزنة الحنطة بقيمتها، والاخر يضمن الكتاب بقيمته، وهذا غير مقصود للمتبايعين. وليس الضمان بالقيمة مستندا الى قاعدة اليد «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» اذ أن هذا الوجه لم يذكره الا بعضهم عطوفا على الوجه الاول، وهو اقدامهما على الضمان.

٢ - ان الشرط الفاسد اذا قصد اقتران العقد به، فهو غير مفسد للعقد، ولا يجب الوفاء به، مع أن المتبايعين لم يقصدا الا اقتران العقد بالشرط الفاسد. فهذا ايضا تخلف العقد عن مقصود المتبايعين.

٣ - بيع ما يملك مع مالا يملك، فان كل العلماء يقولون بصحته فيما يملك دون الاخر، مع ان المتبايعين قصدا بيع ما يملك مع مالايملك، فتخلف العقد عن مقصود المتبايعين ايضا.

٤ - بيع الغاصب لنفسه، فان مثل هذا البيع يقع للمالك مع اجازته على قول كثير، فهنا ايضا وقع التخلف حيث أن المتبايعين قصد وقوع البيع للذي عنده السلعة المغصوبة.

ولكن يمكن ان يقال هنا: بأن الغاصب عندما باع الشيء المغصوب والمشتري عندما اشترى لم يقصدا خروج المغصوب من الغاصب (البائع) ودخوله الى المشتري، أي لم يكن للبائع وللمشتري أي دخل في تقويم المعاملة، وانما وقعت المعاملة بين المالين لمالكيهما، فادعى الغاصب أنه المالك

{٢٦٣}

للسلعة المغصوبة، فاذا تبين انها لغيره صح العقد على ما قصداه، أي وقوع البيع لمالكي الثمن والمثمن، فلم يتخلف قصد المتبايعين. نعم يكون للبائع وللمشتري دخل في تقويم المعاملة اذا كان احدهما او كلاهما محل اعتبار، أي دخلا في تقويم العقد.

٥ - ترك ذكر الاجل في العقد المقصود به الانقطاع كالمتعة، فان ترك ذكر الاجل يجعله دائما على قول مشهور، فقد وقع التخلف هنا ايضا١.

وهذا الخامس انما يكون تاما اذا قلنا ان زواج المتعة حقيقة مختلفة عن الزواج الدائم، وأما اذا قلنا ان زواج المتعة والدائم حقيقة واحدة، وذكر الاجل مانع من الداوم، فلم يقع الداوم مع ذكر الاجل، فان لم يذكر الاجل فوقوع الداوم ليس بلا قصد، لانهما حقيقة واحدة. هذا اذا قبلنا قول المشهور، ولكن قد يقال: ان عدم ذك الاجل لايوقع المتعة كما دلت على ذلك الروايات وأما أن العقد ينقلب دائما فلا دليل عليه، لان الرواية التي ذكرت الدوام هي في مقام الفرق بين المتعة والدوام من ناحية الانشاء بذكر الاجل وعدمه٢.

ثم ان الاشكال المتقدم لايأتي على الصور التي يتخلص بها من الربا في المعاوضة اذا كان بين المثلين تفاضل في القيمة، اذ القصد لاجل التخلص من الربا المعاوضي موجود عند المتعاملين بالضرورة، لان قيمة من من الارز الجيد اذا ساوت منين من الارز غير الجيد فلا تعد المبادلة بينهما ربا عند العرف، لعدم

______________________________

(١) المكاسب ١/٨٤.

(٢) فمن الروايات موثقة عبد الله بن بكير قال: قال ابو عبد الله (ع) في حديث ان سمّى الاجل فهو متعة، وان لم يسم الاجل فهو نكاح بات. الوسائل ج١٤ باب ٢٠ من اباوب المتعة، حديث١/٤٦٩.

{٢٦٤}

النفع والزيادة الا في الحجم، وهي ليست ميزان النفع في التجارة، ولكن الشارع منعنا من ذلك، فنتعبد بعدم صحة مثل ذلك البيع، وحينئذ يلجأ الناس بطبيعة فكرهم اذا كانوا متشرعين الى احدى الصور المتقدمة كضم الضميمة الى الجنس الناقص، ويقصدونها حتما لاجل عدم الوقوع في الربا. نعم الاشكال المتقدم يرد على الربا القرضي. وعلى الربا في المعاوضة اذا لم يكن بين المثلين تفاضل في القيمة.

والان بعد ان شرعنا في الاشكال الرئيسي على الوجوه المتقدمة لا بأس بالعرض لاهم الاشكالات عليها:

اهم الاشكالات على الوجوه المتقدمة:

وهذه الاشكالات تتوجه الى وجوه التخلص من الربا المعاملي، وهي:

الاشكال الثاني: لقد ذكروا في تعريف الحيل انها «مايتوصل بها الى مقصود بطريق خفي» وهي على اقسام اهمها:

أ - ما يتوصل بها بطريق مباح الى اثبات باطل او ابطال حق.

ب - ما يتوصل بها بطريق مباح الى اثبات حق او دفع باطل.

ج - ما يتوصل بها بطريق مباح الى السلامة من الوقوع في مكروه.

د - ما يتوصل بها بطريق مباح الى ترك مندوب.

هـ - مايتوصل بها بطريق حرام للتوصل الى اثبات حق او ابطال حق او السلامة من الوقوع في مكروه او الى ترك مندوب.

ففي الاول: تكون الحيل محرمة لان اثبات الباطل حرام بالبداهة.

وفي الثاني: تكون الحيل واجبة او مستحبة، لان دفع الباطل واجب اذا انحصر كما في بعض الموارد التي توجد طرق متعددة لدفع الباطل او اثبات

{٢٦٥}

الحق. وقد قيل بأن الحيلة في الثالث مستحبة او مباحة وفي الرابع مكروهة، ولكن هذا غير واضح لعدم الملازمة بين السلامة من الوقوع في المكروه وبين الاستحباب، وكذلك لاملازمة بين ترك المندوب والكراهة، وعلى تقدير الملازمة والتسليم بها فلايلزم أن يأخذ المتلازمان حكما واحدا، حيث أن الاحكام الشرعية وليدة المصالح والمفاسد، فقد تكون المصلحة في الفعل فيأمرنا الشارع به على وجه الاستحباب، ولكن ترك هذا الفعل ليس بمكروه اذ من المحتمل عدم وجود مفسدة في الترك فيكون مباحا.

واما الخامس: فهو حرام بجميع أقسامه، اذ ان كل شيء قصد به تحريم ما احل الله او تحليل ما حرم الله كان اثما. وبعد هذا يتبلور الاشكال الاول على الوجوه المتقدمة، وهو: هل ان الوجوه المتقدمة هي طرق محرمة او مباحة يراد بها التخلص من الحرام او الباطل؟.

والجواب: اننا نفهم اباحة ماجوزناه من صحة الروايات التي جاءت بذكرها، وحينئذ لاباس بأن يتوصل بها للتخلص من الحرام او الباطل، ولذا نجد كلام الامام عليه السلام في رد الاعتراض عليه بأن هذه حيلة مخرجة عن الربا موضوعا «نعمت الحيلة الفرار من الحرام الى الحلال» مقرا لهذه الطرق ومبينا عدم البأس بها.

الاشكال الثالث: ان روح الوجوه المقدمة هي روح عقود ربوية، وان كانت ظاهرا خارجة عن الربا، اذ أن الاطراف المتعاملة تعلم او يجب ان تعلم بذلك، وحينئذ تكون هذه الاعمال هزلية عند المتعاملين.

والجواب: اننا اذا قلنا بهزلية هذه المعاملات فيلزمنا ان نقول بهزلية أن تباع الحنطة الجيدة بالرديئة مع التساوي لان العقلاء لايرون صحة هذه المعاملة. وثانيا: نقول في حل الاشكال ان الروايات الواردة في صحة هذه الطرق نستكشف

{٢٦٦}

منه عدم هزلية هذه المعاملا، بل هي معاملات عقلائية مقصودة للمتبايعين، ويترتب عليها احكام العقود ايضا.

وبما اننا قبلنا من الشارع نعبدا عدم جواز بيع حقة من الحنطة بحقتين من الرديئة مع ان العقلاء يرون صحة ذلك فيلزمنا هنا قبول هذه الطرق المخرجة عن الربوية تعبدا مادامت قد نطقت بها الروايات الصحيحة.

الاشكال الرابع١: وهذا الاشكال لايختص «بالرباالمعاملي» بل يعم الوجه الذي يتخلص به من الربا القرضي ايضا، وتوضيح ذلك ملخصا: ان هذا الاشكال هوفي احد قسمي الربا المعاملي وهو ما اذا لم يكن بين المثلين تفاضل في القيمة كالدينارين من صنف واحد، وكر من حنطة مع كر آخر من صنف واحد وصفة واحدة، وفي الربا القرضي.

فقال صاحب الاشكال: «واما القسمان الاخيران أي الربا القرضي والمعاملي الذي يعامل ربويا فلم يرد فيهما حيلة على ما يأتي الكلام فيه الا بعض الاخبار القابلة للمناقشة فيها سندا ومتنا، او القابلة للجمع بما لايلزم منه ذلك، بل لو فرض ورود اخبار صحيحة دالة على الحيلة فيها لابد من تأويلها اورد علمها الى صاحبها، ضرورة ان الحيل لاتخرج الموضوع عن الظلم والفساد وتعطيل التجارات وغيرها مما هي مذكورة في الكتاب والسنة. فاذا فرض ان القرض الى سنة بربح عشرين في مائة ظلم فلو عمل بالحيلة وباع مائة دينار بمائة وعشرين نسيئة الى سنة كان ظلما وفسادا بلا ريب ولا اشكال، ولو كان في مبادلة اكرار من الحنطة بضعفها الى سنة مع تساوي جنسهما صنفا وصفة ظلم وفساد لايعقل

______________________________

(١) البيع للسيد الامام الخميني٢/٤٠٥ - ٤١٦ وقد عبر عن هذا الاشكال بالعويصة والعقدة في قلوب كثير من المتفكرين. واشكال من غير منتحلي الاسلام... التشبث في حل هذا الاشكال بالتعبد بعيد عن الصواب.

{٢٦٧}

اخراجه عنهما بضم منديل الى الناقص، وهو واضح كما لايعقل تجويز الظلم والفساد. وان شئت قلت: لو ورد نص في الجواز كان مناقضا للكتاب والسنة المستفيضة، وليس من قبيل التقييد والتخصيص...ولو قيل: ان ما ذكر من الظلم والفساد نكتة جعل الحكم لاعلة. يقال: مسلم لكن ذلك يوجب صحة التخصيص والتقييد، واما المخالفة لتمام الدلالة فلايمكن تصحيحها بذلك، وفي المقام اذا كانت الحكمة في حرمة الربا ما ذكر من المفساد لايجوز التخلص فيه في جميع الموارد بحيث لايشذ منه مورد، للزوم اللغو في الجعل، فتحريم الربا لنكتة الفساد والظلم وترك التجارات، تحليله بجميع اقسامه وأفراده مع تغيير عنوان لايوجب نقصا في ترتب المفاسد من قبيل التناقض في الجعل او اللغوية فيه... ثم انه لو كانت الحيلة بتلك السهولة مصححة لاكل الربا نتيجة فلم لم ينبه عليها رسول الله نبي الرحمة صلى الله عليه وآله، لئلا تقع الامة في ذلك الحرام الذي هو ايذان بحرب من الله ورسوله، ودرهم منه اعظم من سبعين زنية بذات محرم، وفي نقل انه صلى الله عليه وآله كتب الى عامله في مكة بقتال المرابين ان لم يكفوا عن المراباة، فلو كان الانتفاع بمثل الربا جائزا بسهولة وانما يحتاج الى ضم شيء الى شيء او تغيير كلام لما احتاج الى كلفة القتال وقتل النفوس، بل كان عليه صلى الله عليه وآله تعليم طريق الحيلة حفظا لدماء المسلمين، فيعلم مما ذكر ومالم يذكر ان لا سبيل الى الحيلة في تلك الكبيرة الموبقة».

ثم ذكر السيد الامام حفظه الله تعالى ان الروايات الواردة في التخلص من الربا القرضي هي روايات ضعاف الا رواية الشيخ (قده) باسناده عن احمد ابن محمد عن ابن أبي عمير عن محمد بن اسحاق بن عمار: قلت لابي الحسن (ع) يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها وأنا اربحك، فأبيعه جبة

{٢٦٨}

تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم او قال:بعشرين الفا وأؤخره بالمال قال: لابأس»١.

ثم ذكر ان في نفسه شيئا من محمد بن اسحاق الصراف الواقفي بقول الصدوق الذي هو أخبر من متأخري اصحابنا بحال الرجال.

ثم قال «وكيف كان ان صدق على امثال تلك الحيل الربا، ولم تخرجها الحيل عن الموضوع فتكون تلك الروايات مخالفة للكتاب والسنة القطعية، ولو منع عن ذلك وقيل بأنه عنوان آخر وكان البيع داعيا للتأخير او القرض فالتخالف والتنافي بينها وبين الاخبار الصحيحة المتقدمة والكتاب بحاله».

هذا تمام ما ذكره السيد الامام حفظه الله تعالى في الاشكال على التخلص من الربا القرضي وفي قسم من الربا المعاملي. وخلاصة الاشكال يرجع الى ثلاثة صور كما صرح بها في كلامه وهي:

١ - تبديل القرض بعنوان البيع، مثل ان يبيع مائة دينار بمائة وعشرين دينارا نسيئة.

٢ - مبادلة اكرار من الحنطة بضعفها مع المساواة صنفا وصفة مع ضم منديل الى الناقص.

٣ - ما تدل عليه رواية اسحاق بن عمار.

و نحن نقول في مناقشة ماذكر:

١ - لايمكننا تطبيق عنوان الظلم الذي يحكم بقبحه جميع العقلاء على

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٩ من ابواب احكام العقود ص٣٨٠ حديث(٤) وهذه الرواية تقدمت وهي موثقة، وتوجد موثقة ثانية لمحمد بن اسحاق بن عمار، فقد روى محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت للرضا (ع) الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال الى وقت. قال: لابأس به قد امرني أبي ففعلت ذلك، وزعم أنه سأل ابا الحسن (ع) عنها فقال مثل ذلك».

{٢٦٩}

جميع اقسام الربا وذلك للنقض والحل، اما النقض فقد وردت الادلة في رفع حكم الربا في بعض الموارد «كبيع العرية» فاذا كان ظلما فكيف يجوز الظلم؟ واما الحل: فقد قلنا في قسم الربا من الناحية الاقتصادية، اذا كان الربا غير فاحش فهو أمر مرغوب فيه عند البعض وهم الكثير لانه يفيد المجتمع وينعش الاقتصاد، اذ يؤدي هذا الربا المعتدل الى رغبة الناس في اقراض اموالهم للاخرين، اذن ليست حرمة الربا محل اتفاق بين علماء الاقتصاد، وليس كونه ظلما وفسادا واضحا عندهم، وحينئذ لايمكن رد ماجاء في التخلص منه بأنه ظلم. وقد تقدم منا في ربا القرض التعرض الى ان المراد من لفظة الظلم في الروايات هو الظلم المعاملي١.

٢ - اننا لم نحرز أن الحرمة في الربا هي بلحاظ النتيجة (أن يأخذ الدائن زيادة عن رأس ماله)٢ بل ان الحرمة جاءت على موضوعها وهو العقد الربوي، فما لم يوجد عقدا ربويا لايمكن القول بالحرمة، ولذا نتعبد نحن بحرمة الزنا وبحلية الزواج الدائم والمنقطع مع أنه لافرق بينهما من ناحية النتيجة الا بالعقد اللفظي، وكذلك نقول بأن رد القرض مع الزيادة من دون شرط جائز ايضا بلا خلاف بين العلماء مع ان نتيجته هي نتيجة الربا ان لم نلحظ الثواب الاخروي على الهدية، وكذلك نقول بجواز الهدية التي تهدى الى شخص بداعي القرض.

٣ - ان القول - بأن «تحريم الربا لنكتة الفساد والظلم وترك التجارات، وتحليله بجميع أقسامه وافراده مع تغيير عنوان لايوجب نقصا في ترتب المفاسد من قبيل التناقض في الجعل واللغوية فيه» - فاقد للدليل، اذ ما هو الدليل على

______________________________

(١) يراجع ربا القرض عند الامامية، والمراد من الظلم المعاملي هو اخذ الزيادة بلامبررشرعي.

(٢) ولذا اذا رد المقترض اكثر مما اقترض من دون شرط جاز هذا بالاجماع.

{٢٧٠}

أن تغيير العنوان لايزيل الربا ويبقي المفاسد كلها؟ بل ان تغيير العنوان يخرج المعاملة عن كونها ربوية موضوعا، ويلزم المعاملة التي خرجت عن الربوية احكامها الخاصة المخالفة لاحكام المعاملة القرضية الاولى، كما أن عنوان الزواج يخرج العمل عن كونه زنا محرما مع أن المقصود واحد فمبادلة كر من الحنطة مع منديل بكرين منها يختلف عن مبادلة كر بكرين منها، وكذلك مادلت عليه رواية محمد ابن اسحاق اذ بيع الجبة بألفين او بعشرة آلاف درهم معاملة لها احكامها بخلاف ما اذا ألزمه باعطاء ألفين او عشرة آلاف في مقابل تأجيل الدين الى سنة او اكثر. اذن لالغوية ولا تناقض لاختلاف الاحكام بين الصورتين اللتين لاحقيقة لهما الا الانشاء.

٤ - ان تنبيه الرسول صلى الله عليه وآله لو كان موجودا في الحيل فأيضا لاينفع في اصرار بعض على المعاملات الربوية وذلك راجع الى عقيدة البعض «بحل هذه المعاملات الربوية وفساد ماجاء به الاسلام من أحكام» ولذلك يصر الكفار وغيرهم من المعاندين على ارتكاب الشيء الذي هو على خلاف ما جاء به الاسلام، ولذلك من غير الصحيح افتراض ان الناس كلهم مطيعون للدين الاسلامي الحنيف فيقال لماذا لم يبين لهم الرسول صلى الله عليه وآله طريقة التخلص من الربا فيأخذون بها، اذ قبول كلام الرسول صلى الله عليه وآله معناه هدم طريقتهم في التعامل واللجوء الى سلام الذين يرونه مخالفا لطريقتهم، ولذلك فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله في اول الدعوة «قولوا لا اله الا الله تفلحوا» مع هذا لم يقل بهذه المقالة كثير، ونشأت الحروب بين الفريقين واريقت الدماء.

وبهذا يفهم أمر الرسول صلى الله عليه وآله لعامله على مكة بمحاربة المرابين الذين يصرون على الربا، على أن بيان الرسول صلى الله عليه وآله للمتعة لم ينفع المجتمع الذي كان يرى ذلك زنا فحرمت من البعض اجتهادا في مقابلة النص، والى الان نرى

{٢٧١}

من يتبع اهل السنة في طريقتهم قد يقدم على الزنا ولايقدم علىالمتعة التي احلها الرسول صلى الله عليه وآله وليس هذا الاعنادا وعدم اعتقاد بالطريق السهل الواضح المنجي للانسان من الهلكة والذي فيه نتيجة حسنة. على ان اعتقادنا بأن قول الامام (ع) هو قول الرسول صلى الله عليه وآله فلماذا لم نتبع الامام في طريقة التخلص من الربا؟.

٥ - اذا اعتقدنا بوثاقة محمد بن اسحاق، فيجب العمل بروايته وان كان واقفيا وذلك لان الميزان هو وثاقة الراوي وان كانت عقيدته فاسدة، فلا مجال للخدشة فيه من هذه الناحية. على ان روايتي محمد بن اسحاق ليس ظاهرهما هو الالزام بهذا البيع المحاباتي حتى يؤخر الدين، واي الزام هنا؟! واما يستفاد من الراويتين ان البيع المحاباتي ليس فيه الزام وقد حصل والمدين له ان يشتري اولا يشتري، او أن المدين محتاج حقيقة الى هذا البيع المحاباتي.

٦ - ثم ان الاشكال على الحيلة الاولى غير وارد وذلك: لان الدنانير ان كان المراد منه هو الدينار الذهبي المسكوك فتبدل القرض الى عنوان البيع لايفيد لانه يكون ربا معامليا، وان كان المراد منه هو الدينار الورقي الرائج في هذا الزمان، فقد قلنا سابقا ان الربا يقع فيه اذا كان على وجه النسيئة١ وان كان المراد من الدينار والرقي ويبيعه بمائة وعشرين نقدا فهذ لايحقق مأرب المرابي ولايقدم عليه احد.

نعم يرد الاشكال عليها اذا قلنا أن بيع مائة دينار بمائة وعشرين نسيئة ليس بمحرم، وحينئذ يقال ان هذه المعاملة ينطبق عليها عنوان القرض العرفي والشرعي قهرا، لان القرض هو تمليك مال على وجه الضمان، وهو موجود هنا فلايجوز مع الزيادة، أي ان المعنى الذي يظهر من الانشائين واحد، لكن احدهما حقيقة والاخر مجاز، فقوله اقرضتك مائة بمائة وعشرين الى سنة هو التعبير الحقيقي من الانشاء وقوله

______________________________

(١) لان الدينار الورقي معدود، وقد قلنا بجريان الربا في المعدود نسيئة للروايات.

{٢٧٢}

بعتك مائة بمائة وعشرين الى سنة هو التعبير المجازي للانشاء، والمعنى من الانشائين واحد وهو التمليك على وجه الضمان، فلايجوز مع الزيادة اذا قصد المعنى الحقيقي.

ويمكن تقريب هذا بالمثال الاتي: كما اذا قال شخص وهبتك هذا المال ثم قال بعتك هذا المال بلاثمن، فالمستعمل هنا في المثالين هو امر واحد وهو التمليك المجاني الا أن التعبير مختلف فالتعبير الاول استعمال حقيقي والتعبير الثاني استعمال مجازي. وهذا الذي قلناه هنا لاينافي ماقلناه من ان المعاملات لاحقيقة لها الا الانشاء، لان المراد من الانشاء اذا كان مختلفا فالمتبع صورة الانشاء، وأما اذا كان المراد من الانشاء واحدا فيكون تعدد الانشاء عبارة عن استعمالين (حقيقي ومجازي).

هذه جملة الاشكالات على كلام السيد الامام حفظه الله تعالى، ولكن يمكن ان يقال: أن روايتي محمد بن اسحاق بن عمار تتعارض مع روايات «أتقضي أم تربي» فانهما دلتا حرمة ما اذا كان بقاء القرض يجر منفعة، فهنا ايضا كذلك اذ بقاء القرض يجر منفعة، وحينئذ اذا كان الدائن ملزما للمدين بالبيع المحاباتي فهو حرام، لان روايات «أتقضي ام تربي» تحرم ذلك، واما اذا كانت الروايات لاتلزم المدين بالبيع المحاباتي او كان المشتري محتاجا الى البيعالمحاباتي حقيقة فلا بأس بها وتكون عملية محللة.

وبهذا يمكن الجمع بين روايات «أتقضي أم تربي» وبين روايتي محمد ابن اسحاق بن عمار، ويوجد شاهد لهذا الجمع الدلالي من الروايات كرواية اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) «قال: سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه الشيء من ربحه مخافة ان يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير ان يكون شرطا عليه. قال: لاباس بذلك مالم يكن شرطا»١ ورواية.

______________________________

(١) الوسائل/ج١٣ باب ١٩ من ابواب الدين حديث٣/١٠٣.

{٢٧٣}

الصدوق بسنده عن اسحاق بن عمار هي موثقة أو حسنة.

والخلاصة: تكون الصورة الثالثة للتخلص من الربا صحيحة ولا اشكال عليها كما لا اشكال على الصورة الثانية أيضا.

١٥
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

الفصل الرابع

ويشتمل هذا الفصل على مسائل متفرقة مرتبطة بالبحث مثل مسألة وجوب رد الزيادة في الربا الى صاحبها، ومسألة انقلاب المعاملة ربوية، ومسألة المعاوضة بنقد على شيئين يكون احدهما نقدا، ومسألة مالو رجع البائع على المفلس بعين ماله، ومسألة ما اذا بيع المتماثلان وكان احدهما معيبا ثم تصرف فيه، وما شابه هذه المسائل التي لها ارتباط بالربا بشكل وبآخر كما ستعرف ان شاء الله تعالى.

المسألة الاولى: في رد الزيادة في الربا.

ونتكلم في هذه المسألة من اربعة جوانب:

أ - في وجوب رد الزيادة في ربا القرض على مقتضى القواعد.

ب - في وجوب رد الزيادة في ربا المعاملة على مقتضى القواعد.

ج - ثم ننظر الى الايات القرآنية والروايات.

د - ثم نذكر ماذا يستفاد من الروايات.

أما الجانب الاول: فان مقتضى القاعدة الاولية هو وجوب رد الزيادة الماخذوة في العقد القرصي، ضرورة بقائها على ملك المالك معينة او مشاعة، فحكمها حكم غيرها من الاموال التي للغير من الرد او الصدقة لاننا استنتجنا ان اشتراط الزيادة في عقد القرض لايفسد اصل القرض، وحينئذ فان كان الزائد موجودا

{٢٧٤}

فيجب ارجاعه، وان كان تالفا فيجب رد عوضه.

أما الجانب الثاني: فقد قلنا سابقا ان المتجه هو فساد المعاملة الربوية، فيبقى كل من العوضين على ملك صاحبه لا الزيادة فقط، اذا الفرق بينه وبين القرض واضح، فعلى مقتضى القاعدة الاولية يجب رد كل مال الى صاحبه، هذا ولكن كل اوحد منهما له حق ان يبقي في يده قدر مافي يد الغير فلا يدفعه له حتى يستلم ماله، أما الزائد فيجب ارجاعه على كل حال. وعلى هذا يمكن حمل ماحكي عن المشهور من كفاية رد الزائد بلا فرق بين البيع والقرض، وايضا بلا فرق بين وجود المال وتلفه، اذ ان القاعدة وان كانت تقول بوجوب ارجاع الجميع ولكن المثل يكون في مقابل المثل مقاصة، وحينئذ يبقى الزائد لوحده، فيجب ارجاعه. ولكن ينبغي ان نلتفت الى صورة ما اذا ارجع احد المتعاملين ماأخذه (لا الزيادة فقط) فهنا يجب على الثاني ما ارجاع ما أخذه ان كان موجودا، لان المال يتعلق به.

ثم ان كل واحد منهما آثم اذا كانا مقصرين في البحث والتفحص، ولو كانا قاصرين لجهلهما بالتحريم لخطأ في التقليد والاجتهاد، فالمعروف بين المتأخرين انه كالعالم في وجوب الرد من غير فرق بين تلف العين وبقائها لاطلاق مادل على حرمة الربا مما هو صريح في عدم انتقاله عن المالك، والعذر في الحكم التكليفي لاينافي الفساد الذي هو حكم وضعي.

وأما الجانب الثالث: فقد يقال بعدم وجوب الرد من غير فرق بين وجود المال او تلفه، نعم يشترط ان يتوب عما سلف، وقد نقل الشيخ صاحب الجواهر (قده) عن الحدائق التصريح «بصحة المعاملة في هذا الحال ولعله مراد الباقين اذ الحكم بعدم وجوب الرد مع القول بفساد المعاملة في غاية البعد» واعتذر لهم بأن «كلامهم في ربا القرض ونحوه مما تحض الحرمة الزيادة لامطلق العوض

{٢٧٥}

الا ان اطلاقهم مناف له»١.

ولهذا قد نعترض على ماذهب اليه صاحب الحدائق من صحة المعاملة الربوية ساوء كانت قرضية او بيعية حتى في صورة الجهل بالحكم، ولاتقبل التعليل القائل بأن عدم وجوب الرد لايجتمع مع فساد المعاملة، اذ من القريب ان تكون المعاملة فاسدة ومع هذا لايجب الرد حتى في الربا المعاملي، حيث ان كلا من المتعاملين لايجب عليه ردّ ما للغير اذا لم يستلم ماله الذي في يد الغير، للمقاصة٢ المعترف بها من الجميع، اما الزائد فقد حكم الشارع بعدم وجوب رده في صورة معينة يأتي ذكرها، اذن ليس عدم وجوب الرد ملازما لصحة المعاملة.

وكذلك نعترض على اعتذار الشيخ صاحب الجواهر (قده) «بأن كلامهم في صورة ربا القرض» اذ لاوجه لهذا الاعتذار حيث يصح كلامهم حتى في صورة ربا المعاوضة لما قلنا.

نعم اذا أرجع احد المتعاملين مال الغير فيجب على الاخر رد مال الاخر، وهذا هو الحكم الاولي، ولكن الآيات والروايات التي سوف نعرضها اذا استفيد منها عدم وجوب الارجاع في صورة معينة فنلتزم بها ولايلزم القول بصحة المعاملة لما قلناه.

______________________________

(١) جواهر الكلام ٢٣/٣٩٨.

(٢) قد يقال: بأن المقاصة انما تكون في صورة امتناع الاخر من الاعطاء، اما هنا فقد لايكون الاخر ممتنعا من العطاء فلاتصح المقاصة.

ولكننا: نقول ان المراد من المقاصة هنا معناها العام وهو الحق الذي لزيد مادام ماله في يد الاخر، فهو له الحق في عدم دفع مال الغير حتى يستلزم ماله وان كان الاخر غير ممتنع، وهذا شبيه الحق الذي يكون للبائع في عدم تسليم المبيع حتى يستلزم الثمن او الحق الذي يكون للمشتري في عدم اعطاء الثمن حتى يستلزم المبيع.

{٢٧٦}

الايات القرآنية: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذرو ا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم...) (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف).

الروايات: ١ - صحيحة محمد بن مسلم قال «دخل رجل على ابي جعفر (ع) من أهل خراسان قد عمل الربا حتى كثر ماله، ثم انه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء الا ان ترده الى اصحابه، فجاء الى أبي جعفر (ع) فقص عليه قصته فقال له ابو جعفر (ع) مخرج من كتاب الله عز وجل (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف وأمره الى الله) والموعظة التوبة١.

٢ - صحيحة النوادر٢ قال «ان رجلا أربى دهرا من الدهر، فخرج قاصدا ابا جعفر الجواد (ع) فقال له مخرج من كتاب الله (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف) والموعظة هي التوبة، فجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال ومابقي فليستحفظ».

٣ - صحيحة هشام بن سالم٣ عن ابي عبد الله (ع) قال: «سألته عن الرجل يأكل الربا وهو يرى انه حلال. قال: لايضره حتى يصيبه متعمدا، فأن اصابه فهو بالمنزلة الذي قال الله عز وجل».

٤ - صحيحة ابي المغرا٤ قال: قال ابو عبد الله (ع) «كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم اذا عرف منهم التوبة. وقال: لو كان رجلا ورث

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب الربا حديث٧/ص٤٣٢.

(٢) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب الربا حديث١٠/٤٣٣. وسند الوسائل الى كتاب النوادر صحيح.

(٣) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب الربا حديث١/ص٤٣٠.

(٤) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب الربا حديث٢/ص٤٣١.

{٢٧٧}

من ابيه مالا وقد عرف أن في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالا طيبا فليأكله، وان عرف منه شيئا أنه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الربا، وأيما رجل افاد مالا كثيرا قد أكثر فيه من الربا فجهل ذلك ثم عرفه بعد فأراد ان ينزعه فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف»١.

٥ - صحيحة الحلبي او حسنته١ عن أبي عبد الله (ع) قال: «أتى رجل أبي فقال: اني ورثت مالا وقد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد عرفت ان فيه ربا واستيقن ذلك وليس يطيب لي حلالا لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء اهل العراق واهل الحجاز فقالوا: لايحل أكله. فقال ابو جعفر (ع) ان كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا ربا وتعرف اهله فخذ رأس مالك ورد ماسوى ذلك، وان كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع مامضى من الربا وحرم عليه مابقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فاذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب عليه فيه العقوبة اذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا»١.

هذه هي الروايات والايات، فقد ذهب جمع الى ان الاية الاولى لاتدل على عدم رد الزيادة الناتجة من الربا، لان غاية ماتدل عليه هو حرمة فعل الربا ان كانوا مؤمنين لنهيه عن الربا بقوله «ذروا»، ولو قلنا أنها دالة على عدم حرمة الربا الواقع قبل هذه الاية فلا ينفع المستدل ايضا، لان عدم الحرمة لايدل على عدم وجوب رد الزيادة، كما لايدل على حلية المعاملة الربوية في السابق، كما ان كسر آنية الغير من قبل النائم وان لم يكن محرما لكن الضمان ثابت عليه، فلو اخذت متاعا كان في الطريق ولم يكن في معرض اتلف حتى يجب عليك رفعه وحفظه ومع هذا رفعه من مكانه الى مكان آخر وقلنا ان هذا الفعل

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب الربا حديث٣/ص٤٣١.

{٢٧٨}

لم يكن محرما، ولكن وجوب رده الى صاحبه اذا عرفته بعد ذلك حكم آخر لاعلاقة له بالحرمة.

على أن في الآية نفسها دلالة على ان الزائد (ربا) ليس للمرابي لقوله تعالى (فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم) ولم تقل ان لكم جميع المال، فيجب رد الزائد الى صاحبه وان لم يكن الاخذ محرما.

وأما الاية الاخرى (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف) فلا دلالة فيها على عدم وجوب الرد، اذ هي تدل على عدم الحرمة او عدم العقاب على المرابي، وقد فسرت في التبيان وفي غيره «بأن المراد من الآية هو العفو عما كان في الجاهلية من الربا بينهم١، اما ما يجري من المسلم فيجب رده على صاحبه سواء كان جاهلا او عالما بالتحريم، اذن هذه الاية مثل آية (ولاتنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف)، وهذه واضحة المراد من ان النكاح هو النكاح الذي في الجاهلية من ان الابن يأخذ زوجة أبيه حين موته».

واما الروايات: فقد ذكر صاحب الجواهر (قده) «بأنه لايصلح للفقيه الجرأة بمثل هذه النصوص التي لايخفى عليك اضطرابها في الجملة، وترك مع عدم الذنب حال الجهل الذي يعذر فيه بل قد اشترط في الاية الحل بها، وحمله على الجهل الذي لا يعذر فيه، ينافيه مافي خبر الباقر (ع) «صحيحة محمد بن مسلم الاولى» السابق من الحاق مثله بالعالم وترك الاستفصال فيها عن الربا في القرض والبيع. وقد عرفت الفرق بينهما وغير ذلك على مخالفة الضوابط السابقة، والاقدام على حل الربا الذي قد ورد فيه من التشديد ماورد»٢.

______________________________

(١) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي١/٢٨٢. طبعة حجرية(طهران).

(٢) الجواهر٢٣/٤٠٢.

{٢٧٩}

ثم ذكر بعد ذلك (قده) «وقد بان لك من ذلك كله انه لاريب في أن الاحوط ان لم يكن الاقوى اجتناب ذلك كله، على ان النصوص المزبورة ظاهرة في معذورية من تناول الربا جهلا، وهو شامل لما اذا كان الطرف الاخر عالما مع ان المعاملة حينئذ فاسدة قطعا، لحمة الربا وفساد المعاملة بالنسبة الى العالم، وذلك يقتضي فسادها بالنسبة الى الجاهل، فلابد من التزام امور عظيمة حينئذ بالنسبة الى حل مال الغير في يد الاخر وعدم جواز أخذه لمالكه مع وجود عينه وغير ذلك مما يصعب التزامه»١.

واما الجانب الرابع: التحقيق فيه يقتضي أن نتكلم مرة في المستفاد من الايات، ومرة في المستفاد من الروايات التي تفسر الآيات، فنقول: اما الآية الاولى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين... الخ) فهي تدل على حرمة فعل الربا للنهي عنه، وان الزائد (الربا) ليس للمرابي وانما له رأس ماله، فلايمكن استنادا الى هذه الآية القول بأن الربا يجب ارجاعه الى مالكه كما ذهب الى ذلك بعض.

واما الآية الثانية: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف) فان التعبير «فله ماسلف» يناسب ان يكون الزائد (الربا) للمرابي، ولكن في صورة مجيء الموعظة والانتهاء، وقد جاء في تفسير الطبرسي («فمن جاءه موعظة من ربه» معناه «فمن جاءه» زجر ونهي وتذكير من ربه «فانتهى» أي فانزجر وتذكر واعتبر «فله ماسلف» معناه فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي لايلزمه رده... وقال السدي معناه له ما أكل وليس عليه رد ماسلف فأما مالم يقبض بعد فلا يجوز له اخذه وله رأس المال»)٢. وقد جاء في تفسير الصافي في

______________________________

(١) الجواهر ٢٣/٤٠٤.

(٢) مجمع البيان١/٣٩٠ طبعة صيدا (سوريا).

{٢٨٠}

معنى قوله «فله ماسلف» لايؤخذ بما مضى منه ولايسترد منه»١.

وقد يستفاد من كلام الطبرسي رحمه الله ان الحكم غير مقيد بالربا اذ ذكر رواية عن الامام الباقر (ع) هي «من ادرك الاسلام وتاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ماسلف» وهذا يدل على انه يرى ان الحكم كلي بالعفو قد ذكر في هذا المورد.

وقد ذهب العلامة الطباطبائي فقال في تفسير هذه الاية بعد ان اشكل على القوم «حيث اقتصروا (العلماء) بالبحث عن مورد الربا خاصة من حيث العفو عما سلف منه ورجوع الامر الى الله فيمن انتهى، وخلود العذاب لمن عاد اليه بعد مجيء الموعظة، وهذا كله مع ماتراه من العموم في الاية... فالمعنى ان من انتهى عن موعظة جاءته فالذي تقدم منه من المعصية سواء في حقوق الله او في حقوق الناس فانه لايؤاخذ بعينها لكنه لايوجب تخلصه من تبعاته ايضا كما تخلص من اصله من حيث صدوره بل امرره فيه الى الله ان شاء وضع فيها تبعة كقضاء الصلاة الفائتة والصوم المنقوض وموارد الحدود والتعزيرات ورد المال المحفوظ المأخوذ غصبا أوربا وغير ذلك مع العفو عن أهل الجريمة بالتوبة والانتهاء، وان شاء عفى عن الذنب ولم يضع عليه تبعة بعد التوبة كالمشرك اذا تاب عن شركه ومن عصى بنحو شرب الخمر واللهو فيما بينه وبين الله ونحو ذلك، فان قوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، مطلق يشمل الكافرين والمؤمنين في اول التشريع وغيرهم من التابعين واهل الاعصار اللاحقة»٢.

ولكن هذا الذي ذهب اليه العلامة الطباطبائي «قده» وقبله الشيخ في النهاية لايناسب «له ما سلف» في الربا خصوصا اذا نظرنا الى الروايات كما سيأتي ان

______________________________

(١) تفسير الصافي للقبض الكاشاني ١/٢٧٩ طبعة بيروت.

(٢) الميزان في تفسير القرآن ٢/٤١٧ - ٤١٨.

{٢٨١}

شاء الله تعالى. والذي يحقق في الاية فقط يرى عكس ما ذهب اليه السيد الطباطبائي «رحمه الله» حيث ان ظاهرها ان من جاءته موعظة فانتهى «فله ماسلف» أي له ما أخذ وأكل.... الخ، وأمره الى الله أي عقابه وعدم عقابه راجع الى الله تعالى ان شاء عفى وان شاء عاقب.

وأما المستفاد من الروايات: فان رجعنا اليها فنرى انها فسرت الموعظة بالتوبة كما في صحيحة محمد بن مسلم الاولى التي لاتفرق بين كون الربا موجودا أو تالفا او مخلوطا بغيره، وهي مطلقة تشمل صورة ما اذا علم الانسان بالحرمة ثم تاب.

ولكن الروايات الاخر التي تقول بعدم وجوب الرد في صورة جهل المرابي بالربا تخصص هذه الرواية. ومن الروايات المخصصة صححية النوادر اذ فسرت الموعظه بالتوبة وفسرت التوبة فقالت «فجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال وما بقي فليستحفظ».

ولو قيل ان هذه الجلمة ليست تفسيرا لمعنى التوبة، وانما هي تفريع عليها فنقول ان صحيحة هشام بن سالم تخصص عدم الرد في صورة الجهل اذ تقول «سألته عن الرجل يأكل الربا وهو يرى انه حلال قال (ع) لايضره حتى يصيبه متعمدا فاذا اصابه فهو بالمنزلة التي قال الله عزوجل».

ثم ان صحيحة ابي المغرا التي لها طرق متعددة تخصص عدم الرد فيما لو كان المال الربوي غير متعين وغير متميز، اما لو كان المال الربوي متميزا فيجب رده الى صاحبه وأخذ رأس المال، كما أنها أيضا تذكر اختصاص عدم رد المال الربوي بصورة الجهل. وكذا نقول في حسنة الحلبي (او صحيحته) فهي مشابهة لصحيحة أبي المغرا.

وهاتان الروايتان (صحيحة ابي المغرا وحسنة الحلبي) لاتختصان بباب الارث، بل كل ما يصل لي من الاخر ولم اعلم الربا بعينه فهو حلال، الا أن

{٢٨٢}

المشهور قال بوجوب تخميس المال في الارث الذي فيه ربا غير معين، ولعل المشهور قيد هاتين الروايتين اللتين تذكران ان الارث الذي فيه ربا غير معين هو حلال بروايات الخمس التي تقول بوجوب تخميس المال الذي اختلط فيه الحلال بالحرام ولم يتعين.

اذن لاوجه لما ذكره الشيخ صاحب الجواهر «قده» من ترك الاستفصال بالجهل بالحرمة او العلم بها، اذ الروايات مفصلة، فقد ذكرت ان الجاهل بالربا هو الذي لايجب عليه رد الزيادة. ولاوجه لما ذكره ايضا من حمل الجهل على الجهل الذي لايعذر فيه، اذ الشارع المقدس اطلق الموعظة على توبة الجاهل المعذور، واما عدم الاستفصال بين الربا في القرض وفي المعاملات فهو غير مانع من الالتزام بما أفادته الروايات حيث ان التعبد الشرعي في عدم رد الربا في القرض هو على خلاف القواعد١ فنتبع النصوص في هذا المورد.

واما عدم رد الربا في المعاملات مع ان المال مع الزيادة هو للغير فيمكن تخريج ذلك على ان المال الذي للغير اذا كان بيد احد المتعاملين فلايجب عليه ارجاعه حتى يستلم ماله الذي في يد الغير للمقاصة المعترف بها، واما الزائد على مال الغير فقد عبدنا الشارع بعدم وجوب الرد.

واما في صورة بذل احد المتعاملين المال الذي للغير، فهل يجب هنا ارجاع مال الغير الذي في يد الغير؟ فهذا حكم لم تتعرض له الروايات، فيمكن ان تقول القواعد في هذه الصورة بوجوب الارجاع. وبهذا العرض يكون مفاد الروايات هو:

١ - وجوب الرد مع العلم او صورة التمكن من العلم بالربا.

٢ - في صورة الجهل وان كانت القواعد الاولية هي وجوب الرد، الا ان

______________________________

(١) القواعد الشرعية التي قالت بأن الزمن هنا لايقابل بالمال.

{٢٨٣}

الروايات الصحيحة تقول بعدم وجوب الرد، بالاضافة الى الاية القرآنية التي تفسر قوله «فله ما سلف».

ثم ان ماقاله الشيخ صاحب الجواهر «قده» من «ان النصوص شاملة لما اذا اكن الطرف الاخر عالما مع ان المعاملة حينئذ فاسدة قطعا لحرمة الربا وفساد المعاملة بالنسبة الى العالم وذلك يقتضي فسادها بالنسبة الى الجاهل» وان التزمنا به الا انه لايثنينا عن الاخذ بما قالته الروايات لاننا لا نريد ان نصحح المعاملة الربوية ونقول بعدم وجوب الرد، بل ينسجم القول بعدم وجوب الرد حتى مع فساد المعاملة. فتبين من جميع ذلك ان الالتزا بما قالته الروايات لايلزم منه امور عظيمة كما ذكر ذلك الشيخ صاحب الجواهر «قده».

وهذا الحكم عام يشمل المسلم الذي عمل بالربا بجهالة ثم عرف الحرمة فتاب او الكافر الذي عمل الربا ثم اسلم وعلم بحرمته، كل ذلك لعموم الروايات «كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا...» ولقاعدة جب الاسلام.

ثم لايخفى ان هذا البحث كله هو في صورة ما اذا كان المال معلوما والمالك معروفا وقد أخذه حال الجهل بالحكم او بالموضوع. واما اذا كان عالما بالحرمة فان كان في البيع فيجب رده الى صاحبه او بدله مع التلف، وان كان في القرض فيجب رد الزائد. هذا اذا كان صاحب المال معلوما، واما اذا كان صاحب المال مجهولا وكان المال معلوما، فيكون حكمه حكم مجهول المالك. واما اذا كان المال تالفا وتعلق بالذمة والمالك مجهول فيكون حكمه حكم المظالم، واما اذا جهل القدر وعرف المالك فيجب المصالحة، واما اذا جهل القد ر والمالك فيجب المصالحة مع الحاكم الشرعي، واما اذا جهل القدر والمالك واختلط مع ماله فيجب تخميسه.

{٢٨٤}

المسألة الثانية: انقلاب المعاملة ربوية:

ورد في الحديث الشريف في تعليل وجود التفقه «والله للربا في هذه الامة اخفى من دبيب النملة على الصفا»١.

ونحن في هذه المسألة نتكلم عن امكان ان تحدث المعاملة اولا خالية من الربا على مبنى الضميمة، ثم بعد ذلك تنقلب ربوية. كما اذا باع دينارا وعلبة من السكاير بدينارين ذهبيين، وكانت علبة السكاير لغيره، فدخلت المعاملة في بيع مايملك مع مالا يملك، وقد قرر الفقهاء صحة البيع فيهما يملك وبطلانه فيما لايملك اذا لم يجز البيع صاحب المال، أي اذا لم يجز صاحب العلبة البيع بطل البيع بالنسبة الى علبته، ولما كانت العلبة تالفة مثلا، فأرجع المتصرف قيمتها وهي ربع دينار مثلا، ففي هذه الحالة اصبح البيع غير متساوي لانه باع دينارا بدينار وثلاثة ارباع الدينار، فهل هذه المعاملة صحيحة او باطلة؟.

ربما قال: ان في المسالة ثلاثة اوجه:

١ - أن المعاملة بالنسبة الى مايملك تكون ربوية فهي باطلة.

٢ - ان المعاملة بالنسبة الى ما يملك تكون صحيحة لانها لم تحدث ربوية.

٣ - التفصيل بين الفسخ والفساد، أي اذا أرجع المشتري العلبة التي له بالفسخ فحدثت الزيادة هنا فلا ضرر فيها والمعاملة ليست بفاسدة، واما اذا كان البيع فاسدا من اول الامر بناء على الكشف (اذا لم يجز صاحب العلبة) فتكون الزيادة ربوية من اول الامر والمعاملة باطلة.

والقائل بالصحة يقول: ان المعتبر حين الانشاء للمعاملة ان لاتكون ربوية، واما اذا صارت ربوية بعد ذلك فلا محذور، اذ لو قلنا ان الزيادة بعد العقد مضرة

______________________________

(١) الكافي ج٥ باب أداب التجارة حديث١/١٥٠.

{٢٨٥}

لبطلت المعاملة على كل حال، أجاز ام لم يجز صاحبالعلبة، حيث ان الزيادة حاصلة على التقديرين، لانه اذا أجاز يعطى قيمة العلبة، واذا لم يجز وكانت العلبة تالفة يعطى قيمتها أيضا، واذا كانت موجودة ترجع له ويعطى الى المشتري قيمتها، فالزيادة حاصلة على كل تقدير، بينما يقول الفقهاء بصحة العقد اذا أجاز صاحب العلبة، ومن هنا نستكشف ان حصول الزيادة بعد العقد غير مضر، وانما المضر حدوثها حين العقد.

ويمكن ان يناقش القائل بالصحة فيقال: ان حرمة الربا تشمل حتى الزيادة الناشئة من العقد اذا كان العوضان من جنس واحد وكانا مما يكال او يوزن، لان الادلة مطلقة، ويؤيد هذا فتوى بعض الفقهاء بعدم جواز اخذ الارض فيما لو باع منا من حنطة بمن منها ثم تبين ان احدهما معيب، فيتعين عليه الرد او الرضا بالمعاملة من دون رد.

ولنا ان نقول: ان في المسألة قولين آخرين وهما:

احدهما: نسبه الشيخ الانصاري «قده» الى العلامة وهو التمكن من أخذ الارض من جنس العوضين او من غيرهما. ثانيهما: لايتمكن من اخذ الارض من جنس العوضين، اما اذا كان الارش من غيرهما او عملا فيتمكن من انتقل اليه المعيب من أخذه.

وقد ذكر الشيخ الانصاري بحق توجيه كلام العلامة فقال ماخلاصته: ان الارش تغريم يستحقه المشتري اذا طالب به البائع، فهو ليس جزء العوضين وليس هو في مقابل وصف الصحة، اذ لو كان الأرش في مقابل وصف الصحة فمعناه ان ما قابل وصف الصحة باطل لعدم وصف الصحة من الاول، وبهذا يثبت ان الارش حكم شرعي لم يحصل عوضا لاجل وصف الصحة، وبعد هذا

______________________________

(١) هذان القولان ذكرهما الشيخ في المكاسب ٢/٢٦٠.

{٢٨٦}

قال الشيخ الانصاري في آخر كلامه بأن الارش شرعا وعرفا هو عوض وصف الصحة، والمفروض ان وصف الصحة في الربويات قد ألغاه الشارع للروايات المتقدمة التي تقول «لاتكون الحنطة الا مثل بمثل» وامثالها، اذن لايمكن اخذ الارش، ثم قال ان المسألة تحتاج الى تأمل في حقيقة الارش ومراجعة ادلة الربا.

ولكن السيد اليزدي «قده» ذكر وضوح المسألة كما قاله العلامة فقال ما ملخصه١ ان اصل ادلة الربا ليست شاملة للارش، والروايات التي تقول ان من انتقل اليه المعيب له ان يأخذ الارش اذا تصرف، مقتضاها جواز المطالبة بالارش والسر هو: ان ادلة الربا الناهية متوجهة الى الزيادة المعاملية التي تحصل من المتعاملين، فلاتكون المعاملة مثلا بمثل، اما في موارد الارش فان المتعاملين لم يجعلا زيادة في احد العوضين وانما الشارع جعل الزيادة، فلولا قول الشارع بجواز اخذ الارش فلا نقول به هنا، اذ نأخذ الارش ولاتأمل.

وقد اعترض الشيخ الاستاذ التبريزي٢ فقال: اذا اشترط احد المتعاملين حين معاوضة المثل بالمثل الارش اذا تبين العيب في احدهما، فمقتضى اشتراط الزيادة من قبل المتعاملين ينبغي ان تكون المعاملة ربوية كما قال السيد اليزدي الا أن الفهم العرفي بعدم الفرق بين هذه الصورة والصورة التي يجعل الشارع فيها الارش ينبغي ان تكون كلا الصورتين ذا حكم واحد.

ثم ذكر الشيخ الاستاذ ماملخصه فقال: ان الشرط بالارش اذا كان من قبل المتعاملين فهو لغوي بمعنى انه لايؤثر على صحة المعاملة. وسبب لغويته هو جعل الشارع الارش في هذه المعاملة وحينئذ نقول - في هذه الصورة وفي صورة

______________________________

(١) تعليقة السيد اليزدي على المكاسب٢/٨٦.

(٢) آية الله الشيخ ميرزا جواد التبريزي. وهذا الاشكال منه على غير مسلكه من بطلان الشرط وصحة المعاملة.

{٢٨٧}

ما اذا كان الارش مجعولا من قبل الشارع - بجواز اخذ الارش، لانه حكم شرعي فلا تكون ادلةحرمة الربا شاملة لما نحن فيه، وانما هي شاملة لما اذا كانت الزيادة من قبل المتعاملين.

ثم لو اغمضنا النظر عن هذا وقلنا بأن ادلة حرمة الربا تشمل ما نحن فيه من الارش، فحينئذ تتعارض ادلة اخذ الارش مع ادلة حرمة الربا، ولايلتفت الى من يقول بعدم التعارض - محتجا بأن ادلة العيب والارش كمعتبرة زرارة «ايما رجل اشترى شيئا وبه عيب او عوار لم يتبرأ اليه ولم يبين له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار فانه يمضي عليه العيب ويرد عليه بقدر ما نقص من العيب» غير مطلقة وانما هي تبين مضي البيع بالتصرف فقط وليست في مقام البيان من ناحية ثبوت الارش في كل مقام - لان كل خطاب صدر من المتكلم لبيان الحكم فالاصل الاولي فيه هو انه في مقام البيان من حيث حدود الحكم وشروطه، والخطاب المتقدم في معتبرة زرارة فيه حكمان:

١ - مضي البيع.

٢ - يرد بقدر ما نقص. اذن الاطلاق موجود فيتعارض من اطلاق ادلة حرمة الربا في الكتاب المجيد «أحل الله البيع وحرم الربا» الذي يشمل الارش حسب الفرض. وحينئذ اذا تحكم التعارض بين الاطلاقين فلامجال للقول بسقوط اطلاق الخبر في قبال اطلاق الاية باعتبار مخالفته للكتاب، وانما - كما قال البعض - ان اطلاق الخبر مع اطلاق الاية كليهما يسقطان باعتبار ان الاطلاق ليس مرتبطا بالدلالة اللفظية، وانما هو حكم عقلي ينشأ من مقدمات الحكمة. اذن لامخالفة في اطلاق الخبر للكتاب، وحينئذ اذا سقط كلا الاطلاقين فتصل النوبة الى الاصل العملي وهو يقتضي عدم مشروعية استحقاق الارش باعتباره حكما تعبديا على خلاف القاعدة، فالاصل عدمه عند الشك في ثبوته، أي الاصل استصحاب عدم الامضاء من قبل الشارع للارش هنا ومالم يثبت الامضاء لايثبت جواز أخذ الارش.

{٢٨٨}

المسألة الثالثة: المعاوضة بنقد على شيئين يكون احدهما نقدا وزيادة في جانب الشيئين:

ان المعاملات المتداولة الشائعة تكون بين شيئين يكون النقد فيها مقابلا لشيء آخر، اما اذا كان المقابل للنقد نقدا مماثلا، فهنا يشترط التساوي لان الزيادة ربوية١.

اما اذا كان المقابل للنقد مالا غير نقد لم تكن المعاملة ربوية، لعدم تحقق شرطها. وعلى هذا لو أردت ان اشتري العبد وما يملك بنقد٢ فهل تكون المعاملة صحيحة وخارجة عن موضوع الربا او تكن داخلة فيه فتبطل؟.

ونحتاج لمعرفة الصحة والفساد الى معرفة ان العبد يملك المال اذا ملكه مولاه او ان العبد لايملك اصلا؟ فان قلنا ان العبد يملك اذا ملكه مولاه٣ واردنا ان نشتري العبد وماله، فقد يقال بأن المعاملة صحيحة ولايشترط علم المشتري بمقدار ماعند العبد، لان المعاملة وقعت بين والعبد، وسيد العبد هنا لم يملك المال، وانما المال على ملك العبد، غاية الامر ان السيد يستطيع أن

______________________________

(١) مورد هذه المسألة النقود الذهبية، وكذلك النقود المتعارفة في زماننا هذا اذا انتهينا الى وجود الربا في المعدود. ولكننا فيما سبق قلنا بوجود الربا في المعدود نسيئة.

(٢) ليس كلامنا مختصا بهذه المسألة، فقد توجد مصاديق اخرى لها، كما اذا اشتريت شيئا قد نقش بسكة ذهبية بذهب مسكوك مثلا، او اشتريت دارا قد خصص للصرف عليها كمية من النقود بنقد مساوي مثلا وغير ذلك، ففي هذه الامثلة هل يشترط العلم بالنقد مع الضميمة، فاذا كان مال الشراء اقل من المال المبيع مع الضميمة تحقق الربا؟.

(٣) قد يلتزم بان العبد اذا كان يملك الاموال فهو محجور عليه لقوله تعالى: (عبدا مملوكا لايقدر على شيء) من التصرفات كالطلاق كما هو مورد الاية وامثاله بأن يشتري شيئا من دون رضا السيد.

{٢٨٩}

يتملكه، وحينئذ تكون المعاملة خارجة عن الربا موضوعا، فلا بأس ان يشتري زيد عبد عمرو الذي يملك (١١٠) دنانير بمائة دينار، لان العبد يملك المال والمشتري تملك العبد بمائة دينار، والعبد هو الذي يملك الـ(١١٠) دنانير.

وان قلنا ان العبد لايملك واشترينا العبد ومامعه، فهنا يشترط ان يعلم بمقدار المال الذي عند العبد فاذا كان ماعنده اكثر من مال الشراء تحقق الربا لان المشتري يملك بالمعاوضة عبدا و(١١٠) دنانير في مقابل (١٠٠) دينار، والزياده لاتجوز في جانب الضميمة كما تقدم.

ويمكن ان نكيف الصحة والبطلان بتقريب آخر فنقول:

اذا اشترينا العبد وشرطنا على البائع ان يكون المال الذي عند العبد للمشتري، فهنا المعاملة وقعت بين النقد والعبد، اما المال الذي عند العبد فهو تابع للمشتري فلم تقع المعاملة عليه فتكون المعملة خارجة موضوعا عن الربا، وحينئذ لابأس ان يشتري زيد عبد عمرو الذي يملك (١١٠) دنانير بمائة دينار.

وتصح هذه المعامله اذا قلنا ان التبعية المجهولة التي - تصح المعاملة اذا ضممنا معها معلوما كما في الاخبار - هي التبعية في الانشاء، وأما اذا قلنا ان التبعية المرادة هي التبعية عند العرف، وما يراه العرف تابعا هو الذي تغفر جهالته اذا ضم اليه المعلوم على وجه يرتفع الغرر، فهنا لم تكن الـ(١١٠) دنانير التي عند العبد تابعة عرفا للعبد في هذا المثال، ولايرتفع بها الغرر فتبطل المعاملة.

واما اذا اشترينا العبد ومامعه بحيث صار ما مع العبد جزء المبيع، فهنا يشترط ان نعلم بمقدار المال الذي عند العبد، فاذا كان ما عنده اكثر من مال الشراء تحقق الربا لان المعاوضة بين اموال المشتري من جهة والعبد ومايملك من جهة اخرى، فلاتجوز الزيادة في جانب الضميمة وان قلنا بجوازها في مقابلها.

{٢٩٠}

وقد نستشكل على التكييف الثاني «وهو الشرط بكون مال العبد للمشتري» فان هذا شرط ربوي حيث قلنا ان الزيادة اما ان تكون نقدية وعينية من اول الامر، او تكون بواسطة شرط يوجب الزيادة كما هنا.

المسألة الرابعة: لو رجع البايع على المفلس بعين ماله.

كما لو اشترى زيد من عمرو وزنة من الحنطة الاسترالية بالدين، وخلطها مع وزنة من الحنطة الكردية ثم افلس زيد، فعمرو الذي هو البايع له حق دون بقية الغرماء في الرجوع على نفس عينه١(اذا كانت موجودة) وعندما رجع وجدها ممتزجة مع الاجود، وبما ان سعر حنطته ثلاثة دنانير مثلا وسعر الحنطة الجيدة خمسة دنانير مثلا فيعطي لعمرو ثلاثة أمنان التي تقابل سعر حنطته٢.

وهنا قد يقال بحصول الربا لانه قد اعطى وزنة من الحنطة واخذ ثلاثة أمنان فان قلنا بأن الربا يحصل في البيع والمعاوضات البيعية وفي كل مبادلة بين المالين مع الزيادة فهنا يتحقق الربا وان قلنا ان الربا يختص بالبيع او في المعاوضات البيعية فقط فلايتحقق الربا.

ويمكن ان يقال هنا بعدم وجود الربا حتى لو قلنا بالاول - كما هو الصحيح - حيث لامبادلة هنا في الحقيقة وانما حصلت الشركة بين المالين، وتقسيم الشركة كان باعطاء حصة احدهما من نفس المال بنسبة القيمة.

وتتصور هذه المسألة في مورد آخر، كما لو باع زيد لعمرو وزنة من الحنطة الرديئة فمزجها عمرو بوزنة من الحنطة الجيدة ثم تبين وجود الغبن من قبل البائع فيحق للمشتري حينئذ الفسخ فاذا فسخ فتقسم الحنطة ثلاثا (اذا كانت قيمة الحنطة الرديئة تساوي نصف قيمة الجيدة). وسوف يأتي زيادة توضيح في مسالة

______________________________

(١) قد يقال بأن نفس المال غير موجود، وانما الموجود شيء آخر.

(٢) المراد من المن هنا هو المن العراقي الذي هو عبارة عن ستة حقق، والحقة اربعة كيلوات.

١٦
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM الربا .. فقهيا واقتصاديا شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

{٢٩١}

رقم (٧) وغيرهما لمن نحن فيه.

المسألة الخامسة: اذا كان العوضان متماثلين (من جنس واحد) كما لو اشترى حنطة بحنطة مع التساوي وكانت احدى الحنطتين معيبة ثم تصرف فيها من انتقلت اليه فقد قال الفقهاء هنا بعدم جواز الفسخ حيث ان التصرف هو مسقط فعلي لجواز الفسخ. وايضا قال الفقهاء بعدم جواز اخذ الارش للزوم الربا.

هذا ولكن اخترنا فيما تقدم القول القائل بأن الارش في هذه الموارد حكم شرعي فيجوز اخذه لانه خارج عن ادلة حرمة الربا التي هي مختصة بفعل المتعاملين.

واما الفسخ فهو لايجوز لان التصرف اذا كان مغيرا (ولكنه لايعتبر اسقاطا انشائيا او فعليا للفسخ كما اذا كان قبل العلم بالعيب) اووجد عيبا ثانيا عند من انتقلت اليه العين ففي هاتين الصورتين لايجوز الفسخ ولكن يجوز اخذ الارش كما قلنا.

وان كان التصرف في المعيب بعد العلم بالعيب وكان التصرف مغيرا فهذا التصرف يعتبر اسقاطا فعليا للفسخ، وحينئذ لايتمكن من اخذ الارش ايضا، ولكن لا للربا وانما لان الادلة على الارش وجواز اخذه هي في صورة المسقط القهري للفسخ اما اذا تصرف قعد العلم بالعيب فهو اسقاط للخيار بالفعل.

المسألة السادسة: ذكرها الشيخ الانصاري في مكاسبه١ وهي:

اذا اشترى شيئا معيبا عند العقد ثم حصل فيه عيب جديد بيد المشتري وكانت المعاملة في المتماثلين، فقال الفقهاء بعدم جواز الفسخ لان ادلة جواز الفسخ هي في صورة قيام الشيء بعينه، اما في موردنا فليس الشيء قائما بعينه، واما الارش فايضا لايجوز اخذه لان الارش على العيب القديم مستلزما للربا.

______________________________

(١) ٢/٢٦١ - ٢٦٢.

{٢٩٢}

وجواب هذا واضح كما تقدم. ولكن في هذه المسألة ذكر العلامة على تقدير عدم نص في أن حدوث العيب (مسقط قهري) فأيضا نقول بعدم جواز الفسخ، وهذا الحكم على القاعدة وذلك لان المعيب الذي انتقل في المعاملة التي عوضاها ربويان ثم حدث فيه عيب جديد بيد المشتري لو قلنا بجواز فسخه فهنا العيب الجديد الذي ارجعه الى البائع هل يرجع ارشه ام لا؟١ فان لم يرجع ارشه فهذا الفسخ ضرر على البائع وقاعدة نفي الضرر (تنفي جواز الفسخ بدون دفع الارش الى البائع) وأما اذا اعطى ارش العيب الجديد الى البائع فهو لايجوز ايضا لانه يلزم منه الربا. ولكن يمكن ان يناقش العلامة فيقال له: بأن الربا عند من يقول به يكون في صورة وجود المعاملة واخذ الارش، واما في صورة عدم وجود المعاملة فلا معنى للربا.

ولكن الشيخ الانصاري «قده» اخذ في توجيه كلام العلامة فذكر وجهين لذلك:

الوجه الاول: يمهد الشيخ «قده» بذكر كبرى كلية حاصلها هي «المعاملة اذا كان عوضاها ربويين فوصف الصحة لايقابل بالمال» بل تكون نفس الحنطة في مقابل نفس الحنطة، اما الاوصاف فلا تقابل بالمال، واما اذا قوبلت بالمال فتكون المعاملة ربوية باطلة اذا فرضنا ان احدى الحنطتين صحيحة والاخرى فيها عيب «كقمل» فهنا لابد من التساوي لتصح المعاملة وحينئذ اذا كان في مقابل وصف الصحة في الحنطة الجيدة قد اخذنا مالا من الحنطة المعيبة فيكون الباقي من الحنطة المعيبة الذي هو اقل من الحنطة الجيدة قد قوبل بالحنطة الجيدة وهو ربا.

وحينئذ اذا جئنا الى موردنا فنقول: اذا فسخ المشتري المعاملة واراد ان يعطي

______________________________

(١) الارش هنا هو الضمان الذي على وفق القاعدة.

{٢٩٣}

ارشا الى البائع فمعناه ان وصف الصحة مضمون على المشتري فهو مقابل بالمال وحينئذ تكون اصل المعاملة باطلة.

الوجه الثاني: يقول الشيخ في توجيه كلام العلامة بأن من المحتمل ان يكون مراد العلامة هو ان نفس الفسخ يكون ربويا حيث ان بنفس الفسخ ترجع الحنطة المعيبة الى صاحبها، وهذا معناه ا نفس الفسخ معاوضة، وحينئذ المن من الحنطة التي وجد فيها العيب الجديد قد رجعت الى البائع واضاف اليها المشتري (١٠) دراهم، واخذ من البائع حنطته الاولى فهو ربا.

ثم يقول الشيخ بأن التوجيه الاول لكلام العلامة هو الاولى، ويرد على التوجيه الثاني بان حقيقه الفسخ هو ملك فسخ العقد فكيف يقول العلامة بأن الفسخ معاملة جديدة، واذا كان الفسخ هو ملك فسخ العقد فيرجع كل شيء الى مالكه بالسبب الاول لابهذا الفسخ.

ويرد على التوجيه الاول١ ان وصف الصحة كوصف الكمال لايقابل بالمال في الربويات وفي غيرها، ولهذا لو باعه عبدا كاتبا واشترط المشتري له الخيار الى اسبوع ثم نسي العبد الكتابة ففسخ المشتري فهنا يأخذ جميع ماله. وأيضا نقول للشيخ ماهو الدليل على قولك (بأن المشتري اذا طالب بالارش في موردنا فهو يكشف عن ان وصف الصحة قد قوبل بالمال في المعاملة الاولية) وبأي كاشف كان هذا؟! بل نقول ان ضمان الوصف في المعاملة هو ضمان معاملي، فالبائع والمشتري كل منهما ضامن لوصف الصحة بالضمان المعاملي ولهذا فان ادخال الارش (وهو ضمان يدي) على خلاف القاعدة وبحكم الشارع، وحينئذ اذا فسخت المعاملة فنقول المبيع في يد المشتري قد حدث فيه عيب فهو مضمون بضمان اليد، فان قال احد بأن المال الذي حدث

______________________________

(١) كما ذكر ذلك آية الله الشيخ التبريزي في درسه الخارج على المكاسب.

{٢٩٤}

فيه عيب لايضم على المشتري لانه احدث عيبا في ماله. قلنا: ان العقلاء يعتبرون بعد الفسخ ان مال البائع في يد المشتري قد عيب فيكون مضمونا عليه بضمان اليد، وهذا لايختص بوصف الصحة بل وصف الكمال ايضا كذلك، ولهذا قال اكثر الفقهاء بان الارش الجديد في يد المشتري هو مثل الارش المأخوذ بالسوم اذا عيب (اي هو ضمان يدي) ولكن الشيخ الانصاري يقول بالفرق بين العيب الجديد بيد المشتري في المعاملة وبين العيب المأخوذ بالسوم، ولكن الفرق غير صحيح لان الضمان يدي في المسألتين.

المسألة السابعة:

اذا اختلط المال الذي باعه زيد الى عمرو بجنسه الرديء ثم علم زيد انه مغبون بالبيع، كما اذا باع زيد الى عمرو حنطة وخلطها عمروا مع حنطته الرديئة، ثم علم زيد انه مغبون في البيع ففسخه، فهنا اذا نظرنا الى المال الخارجي فنراه قد اختلط مع جنسه الرديء ولايمكن تمييزه عادة لانه صار شيئا واحدا، وقد ذكر الشيخ الانصاري «قده» هنا ثلاثة احتمالات١:

١) تحصل الشركة في المال الخارجي الممتزج بحسب الكمية على نحو الاشاعة، ولكن يأخذ المغبون الارش من الغابن لذهاب جودة ماله.

٢) تحصل الشركة في العين بحسب المالية لا الملكية، كما اذا كان مال المغبون يشترى بعشرين دينارا ومال الغابن يشترى بعشرة دنانير فهنا الشركة على ثلاثة اسهم سهمان للمغبون وسهم للغابن.

٣) لاتحصل الشركة في العين بحسب الكمية وبحسب المالية على نحو الاشاعه، وانما تحصل الشركة في المالية على نحو الاشاعة، وذلك: لان كل اجزاء العين قسم

______________________________

(١) المكاسب٢/٢٤١.

{٢٩٥}

منه ملك للمغبون وقسم منه ملك الغابن فان بيع هذا في موقع القسمة، فمال المغبون قيمته اذا كانت ضعف قيمة الغابن فيأخذ المغبون سهمين ويأخذ الغابن سهما واحدا فهما شريكان في المالية على نحو الاشاعة وهي (الشركة في الثمن).

ثم ذكر الشيخ الاستاذ (التبريزي) في درسه بأن المال المشترك اذا كان موجودا بحسب الكمية او المالية فحينئذ لاتصل النوبة الى الشركة في المالية اذ الشركة في العين توجد الشركة في المالية والعين الخارجية، وهو مقدم على الشركة في المالية دون العينية.

نعم اذا لم يمكن الشركة في العين لوجود محذور فنقول بالشركة في المالية، وهنا الشركة في العين فيها محذور الربا، حيث ان الانسان اذا بادل ماله مع مال آخر بجنسه مع الزيادة فهو ربا، فلو قلنا ان الشركة حصلت في العين فالمغبون بادل ماله بمال الغابن، اذ كل حبة نصفها للغابن ونصفها للمغبون مثلا، فان كانت هي مال المغبون فالغبابون بادل ماله، وان كانت هي مال الغابن فالمغبون بادل ماله، والزيادة التي هي ضمان الارش لزوال وصف الجودة يأخذها من كانت حنطته جيدة وزال وصفها فحصل الربا اذ ان دليل الربا شامل لهذه المبادلة القهرية بالاطلاق.

وكذلك الشركة بالعين بحسب المالية فيها محذور الربا فمثلا اذا كانا مالكين بالمناصفة فالذي مزج ماله الذي هو منان بمنين، وكان مال الغابن جيدا فان معنى ذلك ان الغابن اعطءى منين واخذ ثلاثة امنان وهو ربا، ولهذا لايمكن الالتزام بالشركة في العين بحسب المالية ايضا، ولابد من القول بالشركة في المالية فقط.

ثم ذكر الشيخ الاستاذ اشكالا آخر حاصلة: هو ان ماجرى عليه البيع هو الحنطة الجيدة١ المتميز عن مال الاخر والان قد زالت جودة الحنطة الجيدة

______________________________

(١) الحنطة هي المثال او الدهن او السكر او الطحين فان الحكم واحد في كل مايكال ويوزن.

{٢٩٦}

والغابن لايتمكن ان يعطي الحنطة الجيدة المتميزة، فحينئذ يرجع الى البدل اذن لماذا نقول بالاشاعة في المالية؟ وعليه يقول: ان الوصف اذا كان قابلا للضمان مستقلا فالشركة في العين موجودة والوصف يضمن، اما اذا لم يمكن ضمان الوصف لحصول الربا كما فيما نحن فيه «اذ ان مال المالك وان كانت اجزاؤه باقية بنظر العرف الا ان تدارك الوصف يوجب الربا فلايمكن تداركه» وماجرى عليه البيع لايمكن ارجاعه، فحينئذ يأخذ المغبون البدل فقط، ومادام الغابن لم يعط البدل فالمال شركة بينهما.،

ثم ان هذا الحق الذي للمغبون قد عبر عنه السيد اليزدي١ بأه يدل الحيلولة، وهذا غير صحيح وانما هو بدل وقعي، اذ يتمكن الغابن ان يلزم المغبون باعطاء المثل ويتملك المال، وبدل الحيلولة يكون في صورة وجود المال ولايتمكن صاحبه من الوصول اليه، اما هنا فليس كذلك لان المال موجود ويتمكن صاحبه ان يصل اليه للشركة في الثمن في صورة زوال الجودة، وللشركة والقسمة في صورة عدم زوال الجودة، ويمكن ان نقول ايضا ان المال المتميز قد زال «لاانه موجود لم يصل اليه صاحبه» فلا ينطبق هنا بدل الحيلولة.

ولنا ان نقول: ان ماذكره الشيخ الاستاذ انما يصح اذا كان الارش هو جزء الثمن فيأتي محذور الربا كما ذكر، واما اذا قلنا ان الارش الذي هو في المعاملة عبارة عن حكم شرعي به الشارع (كما ان الاستاذ اختار هذا المبنى في ابحاثه) فحينئذ لاتكون ادلة الربا شاملة لما نحن فيه ولامحذور، اذ الارش الذي هنا هو ارش يدي فيكون غير مشمول لادلة حرمة الربا بطريق اولى، وحينئذ تكون الشركة هنا بالطريق الاول او الثاني، ولامحذور من الربا.

______________________________

(١) تعليقة السيد اليزدي على المكاسب٢/٤٧.

{٢٩٦}

المسألة الثامنة:

اذا خلط الغابن المال المغبون مع الاجود، ثم علم المغبون بالغبن ففسخ فقد ذكر الشيخ الانصاري (رحمه الله)١ احتمالين، وهما:

أ - يحتمل الشركة في الثمن، بمعنى ان الجيد باق في ملك الغابن، والردىء باق في ملك المغبون، وبما انه لايمكن تمييزهما فيباع المال المشترك ويكون المال بينهما بنسبة مالية المالين.

ب - يحتمل الاشاعة في العين بحسب المالية، أي ان الحنطة الرديئة اذا كانت عبارة عن منين وهي تساوي خمسين دينارا، والحنطة الجيدة عبارة عن من واحد وهي تساوي خمسين دينارا، فالموجود الخارجي مشترك بينهما على نحو الاشاعة في العين بالتناصف، ولكن هذه الاشاعة في العين بحسب المالية تستلزم الربا.

ثم ان الشيخ الانصاري (رحمه الله) لم يقل بالاشاعة بحسب الكمية مع اعطاء الارش هنا، فلم يقل ان المال بينهما بالتناصف، والسرهو: ان الجيد في المسألة السابقة كان مال المغبون وقد تلف في يد الغابن فتحصل الاشاعة في العين بحسب الكمية مع اعطاء الأرش، اما هنا فالارش لم يأت لان مال الغابن هو الجيد ومال المغبون هو الرديء فالغابن انقص ماله بيده فلايأخذ الارش من غيره.

ولكن الميرزا النائيني (قده)٢ هنا يقول: لاداعي لاسقاط الاشاعة بحسب الكمية وانما نسقط الارش الذي هو للجودة الزائلة التي اسقطها الغابن بيده،

______________________________

(١) المكاسب٢/٢٤١.

(٢) منية الطالب للشيخ النائيني٢/٨٣.

{٢٩٨}

واما الاشاعة بحسب الكمية فلايلزم منها الربا، وقد حصل المغبون على جودة في ماله فهو رزق رزقه الله تعالى.

وهنا ذكر الشيخ الاستاذ: ان الاشاعة في العين بحسب الكمية ليس لها دليل من اجماع او سيرة، اما الاستصحاب فانه يرفع الاشاعة في العين بحسب الكمية من الغابن والمغبون. نعم اذا استصحبنا المالية لكل منهما فتحصل الشركة في المالية، بل لنا ان نقول ان الغابن له حق ان يلزم المغبون بأخذ البدل فيحصل المال كله للغابن، وذلك لان مال المغبون بحكم التالف، ولايتمكن المغبون ان يلزم الغابن بالاشاعة في العين حيث ان ماجرى عليه العقد لابد ان يعطيه الغابن للمغبون فان تمكن فهو والا فالبدل.

المسألة التاسعة:

اذا قلد شخص عالما يقول بعدم الربا في موضوع بيع العينة من غير شرط فكان يرتكب بيع العينة، ثم مات مقلده فقلد من يقول بحرمة بيع العينة فهل يجب عليه ان يرجع الاموال التي حصل عليها نتيجة بيع العينة الى اصحابها ام لا؟ والجواب: هو عدم وجوب الرد، وذلك:

أولا: لان الانسان الذي كان يعمل على وفق رأي مقلده يكون داخلا تحت عنوان «الجاهل بالحرمة» او تحت عنوان «انه لايرى ذلك الا حلالا له» فتشمله الروايات التي تقول لايجب عليه الارجاع، وتشملة الاية القرآنية «فله ماسلف» المفسرة بعدم وجوب الارجاع وحلية الاكل١.

وثانيا: ان فتوى المقلد حكم شرعي في حق المقلد، وفي كل الموارد الاختلافية بين العلماء اذا قلدت الفقيه الاول الذي يرى صحة عمل ثم قلدت فقيها

______________________________

(١) يراجع ما تقدم في المسالة الاولى.

{٢٩٩}

آخر يرى بطلان ذلك العمل فالعمل الاول في وقت التقليد الاول يكون صحيحا وموردنا ايضا تابع لهذه القاعدة، فلايتناقض عمله الاول بتقليد من يرى الحرمة.

المسألة العاشرة:

قد يقال اذا وقعت معاملة صلحية بالمتجانسين مع الزيادة، وأنا أجهل حكم هذه المعاملة من ناحية ان الربا في مطلق المعاوضات اوفي خصوص البيع؟ فقبل الفحص ماهي القاعدة؟ نقول: لايمكن جريان اصالة الحل او البراءة او الاباحة كما لايمكن التمسك بـ«أوفوا بالعقود» من الناحية الوضعية لانه قد خصص بالمعاملة الربوية، فالتمسك بالعموم هو تمسك بالعام في الشبهة الوضوعية المخصصة، وهي شبهة حكمية، ولاقائل بالتمسك.

ويمكن ان يقال: لايمكن جريان اصالة الفساد أيضا (أي لايمكن التمسك باستصحاب عدم النقل والانتقال) لان الاستصحاب في الشبهة الحكمية مشروط بعد الفحص، وحينئذ يكون امر هذا الانسان الذي اوقع المعاملة دائرا بين عدم انتقال ماله او انتقال ماله، فان اراد جريان أصالة الفساد (عدم النقل) فيبقى احتمال انتقاله واقعا موجودا ولامؤمن له، أي لايجوز له ان يفتي بعدم انتقال المال مع احتمال الانتقال واقعا. اذن لابد أن نتوقف في مثل هذا الفرض.

المسألة الحادية عشر:

اذا علمت اجمالا بوقوع معاملة ربوية اما اليوم او غدا فما هو الحكم؟.

فقد يقال بناءا على منجزية العلم الاجمالي التدريجي بلا بدية التفصيل بين المعاملة التي أؤخرها الى غد فيكون الزمان ظرفا لها وبين المعاملة التي يكون موضوعها متحققا في المستقبل، فعلى الاول لايكون تقوم المعاملة الربوية بعنوان

{٣٠٠}

الغد، وعلى هذا يكون العلم الاجمالي منجزا كما هو الصحيح وذلك لان التكليف الذي يتحقق فيما بعد نحن نعلم به يقينا، فتفويته في نظر العقل فيه استحقاق العقاب، وبذلك تجب كل المقدمات الوجودية لهذا التكليف، وهذا يقتضي الاحتياط او التوقف في كل معاملة لايعرف حكمها في يوميه.

وعلى الثاني: فلايمكن ان يكون موضوع المعاملة بالنسبة للمستقبل مطلقا وان كان من ناحية الزمان مطلقا، فنحكم بالبراءة حيث ان الادلة متوجهة الى اجتناب المعاملة الربوية، فأما في هذا اليوم فنشك في كونها معاملة ربوية، وأما غدا فلاموضوع حتى ينعقد علم اجمالي بحرمة احدهما.

هذا ولكن الشيخ الانصاري١ قد حكم بكون العلم الاجمالي منجزا فحكم بالاحتياط مطلقا عمالا يعرف حكمه من المعاملات في يوميه. وهو غير جيد لما تقدم من التفصيل. وأما اذا لم نقل بمنجزية العلم الاجمالي التدريجي فما هي مقتضى القاعدة؟.

نقول: اذا لم نقل بذلك فتكون المسألة هي عبارة عن الشك في معاملة أنها ربوية ام لا؟ في اليوم الاول وفي اليوم الثاني. وهنا جعل الشيخ الانصاري٢ البحث قسمين:

القسم الاول: في الاصل اللفظي.

القسم الثاني: في الاصل العملي.

أما القسم الاول: فقال بعدم التمسك بـ«اوفوا بالعقود» لانه تمسك بالعام في الشبهة الموضوعية للخاص، على أنه في خصوص العلم الاجمالي التدريجي لايجوز التمسك بالعام لسقوط ظهور العموم فيكون مجملا.

______________________________

(١) فرائد الاصول ص٢٥٥ طبعة حجرية.

(٢) فرائد الاصول ص٢٥٦ طبعة حجرية.

{٣٠١}

وأما في القسم الثاني: فمن ناحية التكليف قال بجريان اصالة الاباحة والحل، ومن ناحية الوضع قال بأصالة الفساد، ثم قال بأن اصالة الفساد غير مترتبة على حرمة المعاملة الربوية، فاذا زالت الحرمة باصالة الاباحة والحل فلا يزول الشك في الصحة والفساد فتجري اصالة الفساد، ثم قال بعد ذلك: مادام العلم الاجمالي بلا أثر فيجري الاصل اللفظي كما يجري الاصل العملي. ثم قال: لكن الفرق بين الاصول اللفظية والعملية، ثم قال تأمل. ولعله اشارة الى ان المانع من جريان الاصل العملي هو العلم المنجز ولاعلم منجز هنا فيجري الاصل العملي، أما الاصول اللفظية فالمانع من جريانها هو اجمال الدليل بواسطة العلم الاجمالي وان لم يكن منجزا.

ثم اشكل الشيخ النائيني على الشيخ: اذ أن مبنى الشيخ هو ان الاحكام الوضعية منتزعة عن الاحكام التكليفية، فاذا استفاد الحل والاباحة في هذه المعاملة بأصالة الحل فلابد ان يستفيد الشيخ الصحة لا الفساد، اذ أصالة الفساد انما تجري مع الشك في الفساد، وهو ناشيء من الشك في الحلية او الحرمة، فان [vdkhأٌراأجرينا اصالة الحل فلاشك في الفساد حتى تجري اصالته، بل لابد ان نحكم بالصحة، لحكومة اصالة الحل على اصالة الفساد.

وقد يقال في جواب النائيني١ (قده): ان الشيخ استفاد الصحة من «احل الله البيع»، ولكن مامعنى هذا؟ نقول في الجواب لابد من التوجه الى ثلاثة مطالب للشيخ وهي:

الاول: في رواية تحف العقول اذ قسم المكاسب الى الاحكام الخمسة وهو تقسيم للحكم التكليفي. ثم قال ان حرمة الاكتساب المستفاد من الرواية ليس منشأ للفساد وانما نستفيد الفساد من باب عدم جواز التصرف في مال الغير ومن

______________________________

(١) ذكر ذلك الشيخ الوحيد في درسه الخارج الاصولي.

{٣٠٢}

طريق «لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل».

الثاني: في المعاطاة قال الشيخ يستدل بأحل الله البيع على حلية التصرفات المترتبة على البيع ثم من هذا يستفيد الصحة. وهذا غير حلية البيع واستفادة الصحة منه حتى يرد اشكال النائيني.

الثالث: في الاصول في بحث اقتضاء النهي للفساد في المعاملات قال: ان اصالة الفساد في المعاملات عبارة عن أصل عدم ترتب الاثر اذا لم يوجد دليل على الصحة. ففيما نحن فيه فالمعاملة الموجودة مشكوكة كالربوية، ولا دليل على الصحة لان «اوفوا بالعقود» لايمكن التمسك به لانه تمسك بالدليل في الشبهة الموضوعية، اذن الحكم بالفساد لامن باب الحرمة وانما من باب عدم الدليل على الصحة، فتكون اصالة الفساد عبارة عن عدم ترتيب الاثار واستصحاب عدم ترتب الاثار في مورد لادليل على الصحة. واما اصالة الحل في المعاملة الربوية فهي مستفادة من كل شيء حلال وهي لاتجوز التصرف في مال الغير، وحينئذ الانشاء يكون حلالا تكليفا، وهذه الاصالة لاتثبت صحة التصرفات المترتبة على المعاملة لانها مثبتة، وحينئذ التصرفات يأتي فيها استصحاب عدم جواز التصرف.

ومن هذا الكلام يتنقح ان التلازم عند الشيخ بين الحلية والصحة هو بين الحلية الواقعية والصحة الوضعية، أما هنا فالحلية تثبت بالاصل وهي لاتلازم الصحة لانها مثبتة، فيمكن ان تكون الحلية الظاهرية موجودة ويكون الفساد الوصفي ايضا موجودا.

وقد يشكل على الشيخ الانصاري فيقال: كيف اجريت اصالة الفساد (استصحاب عدم النقل والانتقال) في كلاالمعاملتين المعلوم بالاجمال ربوية احدهما تدريجا مع انك قائل بعدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي؟.

والجواب: بأن الشيخ الانصاري انما قال بعدم جريان الاستصحاب في اطراف

{٣٠٣}

العلم الاجمالي للمانع الاثباتي وهو تعارض الصدر والذيل في دليل الاستصحاب حيث يقول الصدر لاتنقض اليقين بالشك، والذيل يقول انقضه بيقين آخر اعم من انه تفصيلي او اجمالي، وهذا معناه ان الجمع بين الامر والنهي هو المحذور من جريان الاستصحابين، وبما ان العلم الاجمالي في التدريجيات ساقط عن الاثر كما هو الفرض فلايكون للشارع امرا بالنقض لان الامر بالنقض هو ارشادي لحكم عقلي في اليقين الذي هو منجز، وحينئذ يبقى لاتنقض لوحده فيجري استصحاب عدم النقل في هذه المعاملة وفي تلك التي تقع غدا.

وهذا الكلام لايمكن ان يقوله النائيني، لانه انما يقول بعدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي للمانع الثبوتي حيث انه قال بعدم اجتماع تعبدين مع العلم الاجمالي بالخلاف(سواء كان متعلق العلم الاجمالي ذا اثر أم لا) أي التعبد مع العلم بالخلاف غير ممكن فتكون المنافاة بين الاحرازين وهي موجودة حتى مع كون العلم الاجمالي في التدريجيات بلا أثر، فمانسب اليه في الدورة الاولى من جريان أصالة الفساد في المعاملتين المعلوم ربوية احدهما تدريجا غير صحيح على مبناه. وايضا نسب اليه في الدورة الثانية التمسك بعموم «أوفوا بالعقود» لان العلم الاجمالي هنا في التدريجيات بلا أثر كما هو الفرض فهو كالشك.

وهذا أيضا مشكل على مبناه من أن أصالة العموم مع العلم الاجمالي بورود المخصص تسقط عن الكاشفية عن المراد. نعم على مسلك العراقي يمكن التمسك بالعموم هنا لان حجية الطرق على مبناه من باب الكشف النوعي، فان كان عندي علم اجمالي شخصي بوجود المخصص فهو لايزيل الكشف النوعي للعام (أوفوا بالعقود).

ولكن الصحيح في خصوص حجية العموم والاطلاق هو السيرة العقلائية

{٣٠٤}

غير المردود عنها، فان لم تكن سيرة فلا موضوع لحجية العموم او الاطلاق، وكذلك اذا شككنا في وجود السيرة على الاخذ بالعموم فهو كاف في عدم الحجية، وحينئذ يقول: اذا علمت اجمالا بالخلاف لاوفوا بالعقود فهل يتمسك العقلاء بالعموم؟ نقول ليس كذلك أي أن اوفوا بالعقود اذاعلمنا بتخصيصه بالمعاملة الربوية، ولانعلم أي المعاملتين ربوية(التي التقع اليوم او غدا) فهنا العقلاء لا يتمسكون بأوفوا بالعقود، على ان حجية العام من باب الكشف النوعي فان كان الكشف النوعي مقترنا بأمر كلي وهو ان لايكون يقينا اجماليا على الخلاف، لان هذا اليقين الاجمالي مضر للكاشفية، فهنا يكون العموم محفوفا بالقرينية في ارتكاز العقلاء على خلاف العموم فلايمكن التمسك بالعموم.

وقد يقال: ان الطرف الذي هو محل الابتلاء الان تجري فيه١ اصالة الحل، لعدم المحذور، واما اصالة الفساد فعلا فلا محذور فيها ايضا لوجود المقتضي وعدم المانع. ولكن في ظرف المعاملةالثانية تجري اصالة الحل ايضا لانها تجتمع مع اصالة الفساد في الطرف الاخر، ولامانع من جريانها هنا أيضا لان العلم الاجمالي ساقط عن التأثير كما هو الفرض.

نعم بعد جريان أصالة الحل في الطرف الثاني يحصل علم اجمالي بالمخالفة اما امس او اليوم، وهذا لامانع فيه. واما أصالة الفساد في الطرف الثاني فانها تتعارض مع أصالة الفساد في الطرف الاول بقاءا، حيث أن أصالة الفساد في الطرف الاول لابد ان تبقىالى الاخير وكذلك أصالة الفساد في الطرف الثاني، وعلى هذا لايمكن التمسك بأصالة الفساد لهذا المحذور في الطرف الثاني. ثم ان هذا الكلام كله فيما اذا لم يمكننا التمسك بأوفوا بالعقود بناءا على أن الاصول اللفظية لاتجري في اطراف العلم الاجمالي لاثر الاجمال بورود المخصص.

______________________________

(١) اعطى الشيخ الوحيد رأيه في الموضوع الذي تعرض له في بحثه الخارج.

{٣٠٥}

واما اذا قلنا ا الاصل اللفظي مع العلم الاجمالي بطرو المخصص لايسقط عن العمل فهنا لابد ان تكون اصالة العموم مرجعا ولاتصل النوبة الى اصالة الفساد حتى اذا قلنا بأن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية غير جائز، اذ بجريان استصحاب العدم الازلي في المعاملة المشكوكة الصحة والفساد (اي اذا كان استصحاب عدم ربويتها موجودا) يتنقح موضوع العام المخصص، فيتمسك بأوفوا بالعقود.

المسألة الثانية عشر:

توجد قاعدة واستثناء كلاهما مرتبطان ببحث الربا:

اما القاعدة فهي: كل عين باعها الانسان نسيئة فهو يتمكن ان يشتريها بالمساوي او بالاقل او بالاكثر، قبل الاجل او بعده.

اما الاستثناء: فهو اذا اشترط البيع الثاني في البيع الاول فان البيع الاول والثاني باطل.

اما الاستثناء فقلد تقدم في ذكر بيع العينة كحيلة للخروج عن الربا، فليراجع.

واما الان فنتعرض للقاعدة ونتكلم في ارتباطها ببحث الربا فنقول:

نسب الى المشهور: أن كل عين اذا باعها الانسان نسيئة فهو يتمكن ان يشتريها بالمساوي او بالاقل او بالاكثر، قبل الاجل او بعده، من دون فرق بين ان يكون الثمن دينارا في المعاملتين او دينارا في المعاملة الاولى متاعا في المعاملة الثانية، او يكون الثمن مكيلا او موزونا في المعاملتين او ليس كذلك. ولكن الشيخ الطوسي استشكل في بعض فروض المسألة وهي:

{٣٠٦}

١ - اذا كان المبيع حنطة سلما وقد حل الاجل فان البائع اذا لم يوجد عنده حنطة فيقول للمشتري أشتري حنطتك بدراهم اكثر من دراهمك او أقل، فهو لايجوز لانه بادل بين الدراهم والدراهم مع الزيادة فهو ربا.

٢ - اذا كان المبيع حنطة حالية بثمن مؤجل (نسيئة)، فعند حلول الاجل يريد البائع الثمن، فاذا لم يكن عند المشتري دراهم فيقول المشتري للبائع خذ حنطة بدل الدراهم، فاذا أخذ البائع حنطة بزيادة او بنقيصة عن حنطته فقد حصل الربا لانه بادل بين الحنطة والحنطة مع الزيادة.

وقد ذهب صاحب الحدائق الى اكثر من ذلك فقال: ان مذهب الشيخ غير منحصر بما قاله، بل قبل حلول الاجل اذا اشترى المبيع بأقل مما باعه او اكثر فهو غير جائز، ولكن صاحب الحدائق ذكر بأن عدم الجواز مختص في المتاع كما لو باع حنطة بمقدار واراد ان يشتريها بأقل من المقدار فهو لايجوز١.

وقد يستدل لمسلك الشيخ الطوسي وصاحب الحدائق بصحيحة علي بن جعفر في السلف٢ قال «سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: اذا قومه دراهم فسد، لان الاصل الذي يشتري به دراهم فلايصلح دراهم بدراهم» وهذه الرواية في السلم فقد أخذ البائع الثمن وعليه

_____________________________

(١) المكاسب للشيخ الانصاري ٢/٣٠٧.

(٢) الوسائل ج١٣ باب ١١ من ابواب السلم رواية ١٢/٧١. وكذلك توجد صحيحة محمد بن قيس في السلف وهي عن ابي جعفر (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) في رجل اعطى رجلا ورقا في وصيف الى اجل مسمى فقال له صاحبه لانجد لك وصيفا خذمني قيمة وصيفك اليوم ورقا، قال: فقال لايأخذ الاوصيفه او ورقه الذي اعطاه اول مرة لايزاد عليه شيئا. ومعناها اذا باعه بالزيادة او بالنقيصة يكون البيع فاسدا. نفس المصدر السابق الرواية التاسعة ص٧٠.

{٣٠٧}

تمر في الذمة، فعندما جاء الاجل طالب المشتري بالتمر، وبما ان البائع لايوجد عنده تمر، فالامام (ع) قال: اذا قومه دراهم فسد، لان الاصل الذي اشترى به دراهم (فكانه اشترى دراهم بدراهم) وكأن الشيخ الطوسي استفاد قاعدة كلية من هذه الرواية وهي تشمل صورتين:

الاولى: في بيع السلف كما اذا باع طعاما بدرهم الى سنة، ثم اشترى المبيع (الطعام قبل قبضه) بأكثر مما باعه (لانه باع الطعام الذي يستحق بعد ستة أشهر واشتراه بحال) فهنا البائع قد بادل الاقل بالاكثر من الدراهم فهو ربا لان المبادلة بين الدراهم، أما الحنطة فهي واحدة اذا كان المبيع سلفا.

الثانية: اذا كان المبيع حنطة حالية بدراهم الى سنة، فاذا جاء الاجل واراد البائع دراهمه ولم يوجد عند المشتري، فاشترى البائع حنطة بالدراهم فسوف يشتري حنطة اكثر من الحنطة التي باعها لانه باع حنطة بدراهم مؤجلة، والان يشتري بالدراهم وهي حالة فسوف يحصل الربا لان البائع باع حنطة بحنطة متفاضلا. وقد استفاد الشيخ الطوسي من هذه الرواية «ان عوض العوض له حكم العوض اذا باعه من دون قبض».

وقد ذكر١ في مناقشة الشيخ الطوسي ما ملخصه:

١ - اذا كان المبيع شخصيا: كما اذا باع حنطة خارجية بألفين تومان نسيئة واراد البائع ان يشتريها نفسها من دون شرط بزيادة او نقيصة قبل الاجل او بعده فلا بأس، لان صحيحة علي بن جعفر الذي استدل بها الشيخ الطوسي لاتشمل المال الخارجي وانما هي في مورد الكلي في الذمة (رجل له على آخر)، على

______________________________

(١) هذه المناقشة للاستاذ آية الله التبريزي ذكرها في بحثه الخارج على مكاسب الشيخ الانصاري.

{٣٠٨}

ان هذا المورد منصوص الجواز كما ورد في بيع العينة كمعتبرة بشار بن يسار١ قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه، قال: نعم لابأس به، فقلت: اشتري متاعي؟ فقال: ليس هو متاعك ولابقرك ولاغنمك».

وهذه الرواية تشهد انه لافرق بين المتاع وغيره، وكصحيحة علي بن جعفر٢ عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة أيحل ذلك؟ قال: اذا لم يشترط ورضيا فلابأس. «ورواه علي بن جعفر في كتابه الا انه قال: بعشرة دراهم الى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد».

وبعض تمسك بصحيحة يعقوب بن شعيب٣ قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع طعاما بدراهم، فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه، فقال: ليس عندي دراهم خذ مني طعاما. قال: لابأس انما له دراهمه يأخذ بها ماشاء.

وهذه الرواية تكون دليلا بناءا على اطلاقها لما اذا كان البائع يشتري طعامه الذي باعه او طعاما آخر، فان عدم الاستفصال من قبل الامام (ع) عن ذلك يدل على اطلاقها للصورتين.

نعم هنا توجد معتبرة عبد الصمد بن بشير٤ قال «سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله ابيع الطعام من الرجل الى أجل فأجيء وقد تغير الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال خذمنه بسعر يومه، قال: «أفهم أصلحك

______________________________

(١) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب العقود رواية ٣/٣٧٠.

(٢) الوسائل ج١٢ باب ٥ من ابواب العقود رواية ٦/٣٧١.

(٣) الوسائل ج١٣ باب ١١ من ابواب السلف رواية ١٠/٧١.

(٤) الوسائل ج١٣ باب ١٢ من ابواب السلف رواية ٥/٧٤.

{٣٠٩}

الله انه طعامي الذي اشتراه مني، قال: لاتأخذه منه حتى يبيعه ويعطيك، قال: أرغم الله أنفي رخص لي فرددت عليه فشدد علي» وهذه المعتبرة تمنع من اخذ ماله ولكن جمعا بينها وبين الروايات المجوزة القائلة «انه ليس غنمك ولابقرك ولا متاعك» يحمل المنع على الكراهة.

٢ - اذا كان البيع كليا، وهو في صورتين:

الاولى: كما اذا باع الانسان مالا (سلما) الى المشتري ثم اراد المشتري أن يبيعه الى البائع قبل حلول أجل السلم او بعده، قبل القبض فهو لايجوز الاتولية، ودليله هو صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام المتقدمة «قال: قال أمير المؤمنين (ع) في رجل أعطى رجلا ورقا في وصيف الى أجل مسمى، فقال له صاحبه: لانجد لك وصيفا خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقا، قال: فقال لايأخذ الاوصيفه او ورقه الذي اعطاه اول مرة لايزاد عليه شيئا» ومعناها اذا باعه مع الزيادة او النقيصة يكون البيع فاسدا، وهذا حكم تعبدي على خلاف القاعدة في باب السلم يلتزم به لعدم وجود معارض له من الادلة.

الثانية: كما اذا كان المبيع كليا في الذمة (حالا) واراد المشتري بيعه قبل قبضه على البائع فبيعه صحيح تولية فقط وذلك لاطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة التي يستدل بها للشيخ الطوسي «قال: سألته عن رجل له على آخر تمر او شعير أو حنطة يأخذ بقيمته دراهم؟ قال: اذا قومه دراهم فسد، لان الاصل الذي يشتري به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم».

وهذه تدل على أن الذي في الذمة (سواء كان سلفا قد اشتراه او حالا ولم يقبضه) اذ الامام (ع) لم يستفصل وانما قال اذا باعه بدراهم فهو فاسد اذا كانت الدراهم أقل من الدراهم الاولية او اكثر. وحينئذ يكون كلام الشيخ الطوسي فيما اذا كان المبيع كليا صحيحا، بمعنى أن الشارع اعطى حكم العوض إلى

{٣١٠}

عوض العوض.

وأما اذا كانت العين المبيعة شخصية فروايات بيع العينة تقول لابأس أن يشتريها بأقل او بأكثر مما باعها، بالاضافه الى القاعدة التي تقول اذا ملك الانسان المتاع فيجوز له بيعه على نفس البائع او غيره بجنس الثمن الاول او بغيره، مع التفاضل او مع التساوي، قبل الاجل او بعده، فان هذا كله داخل تحت قوله تعالى «أوفوا بالعقود» و«أحل الله البيع».

المسألة الثالثة عشر: الاعتمادات السندية.

ان المراد من الاعتمادات السندية التي هي من اعمال البنوك هو أن يشتري تاجر بضاعة من خارج الدولة، وبعد تمامية العقد يطلب من البنك فتح اعتماد له، فيدفع التاجر الى البنك قسما من قيمة البضاعة، ويقوم البنك بتسديد قيمة البضاعة الى الشركة أو الدولة الخارجية، ويتسلم البنك البضاعة بعدما تسجل باسمه حين التصدير، وعندما تصل الى بلاد التاجر يخبر البنك مالكها الذي اشتراها، فيدفع التاجر الى البنك مابقي من قيمة البضاعة، وبعد ذلك يحول البنك البضاعة الى اسم مالكها. وهذا هو اعتماد الاستيراد، اما اعتماد التصدير فهو عبارة عن طلب المصدر من البنك فتح اعتماد له ليقوم البنك بدوره بتسليم البضاعة المستوردة وقبض ثمنها.

نقول: البنك هنا يتمكن أن يتقاضى عمولة مقطوعة على عمله هذا، لان البنك في الحقيقة يكون مستأجرا للقيام بهذا العمل في مقابل اجر معين او مجعول له جعلا في قبال عمله. واما اذا أخذ البنك عمولة على عمله ثم أخذ فوائدا على المال الذي دفعه خارج البلاد الى حين تسديد التاجر هذا المال فهو ربا، لان البنك يكون قد اقرض صاحب البضاعة مالا بشرط الزيادة في مقابل الاجل. نعم اذا امر المستورد الذي عنده اعتماد البنك بتسديد الدين من مال البنك بشرط

{٣١١}

أن لايطالبه به الى مدة معلومة، فان امتثل البنك هذا الامر فيكون الامر ضامنا للمال بقانون الاتلاف، ولم يكن الامر مدينا الى البنك، وعلى هذا يتمكن البنك أن يأخذ عمولة على عمله هذا وهي التي تسمى بالفائدة.

المسألة الرابعة عشر: الكمبيالات

وهي علىقسمين: الاول: الكمبيالات الحقيقية وهي ما تعبر عن وجود قرض حقيقي بأن يكون الموقع على الكمبيالة مدين الى من أخذ الكمبيالة، فيها اذا أخذ الدائن الورقة ونزلها عند شخص ثالث (اي باعها) بأقل من الدين الذي له على الموقع على الكمبيالة، فذكروا انه لا اشكال فيه اذا لم يكن العوضان من المكيل او الموزون كالعملة الورقية، وقد نقول في توجيهه بأن هذا راجع الى بيع الدين بأقل منه الذي قالوا بجوازه، وحينئذ يكون الشخص الثالث هو الدائن لمن هو موقع على الكمبيالة. ونفس هذا الحكم قد يقال فيما اذا باع الانسان الشيك الذي له على آخر الى مدة على شخص ثالث بأقل من المبلغ بشرط ان يكون صاحب الشيك مدينا حقيقة.

نعم اذا اقترض من له الكمبيالة او الشيك من شخص ثالث مبلغا من المال كمائة دينار ثم دفع له الكمبيالة الحقيقية او الشيك الحقيقي الذي يستحق بموجبهما مائة وعشرين دينارا بعد ستة أشهر كحوالة على الموقع على الكمبيالة او صاحب الشيك فهو ربا محرم اذا كانت هذه العملية ملزمة للمقترض.

ولكننا نقول: ان الروايات المتقدمة التي تمنع من بيع المعدود نسيئة مع الزيادة، تحرم هذه المعاملة، اذ أن المشتري للكمبيالة او الشيك (وهو الشخص الثالث) يكون قد باع المعدود نسيئة بزيادة وهو محرم كما تقدم. وبما أنه لايوجد عندنا رواية تقول بجواز بيع الدين بأقل منه على الشخص الثالث وانما

{٣١٢}

قالوا به استنادا الى القواعد العامة لصحة البيع فنلتزم بحرمة هذه المعاملة لما ذكرنا.

نعم عندنا رواية تقول بجواز ان يعجل المديون قضاء الدين بنقيصة، وهي صحيحة محمد بن مسلم١ عن أبي جعفر عليه السلام «في الرجل يكون عليه دين الى اجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته... قال: لا أرى به بأسا مالم يزد على رأس ماله شيئا....».

وحينئذ نلتزم بهذه الرواية اذا كان معناها بيع المعدود نسيئة بزيادة ونخصص الروايات المانعة من بيع المعدود نسيئة بها، ولعله لهذا منع ابن ادريس من بيع الدين على غير المديون.

ولكن الحق ان روايات المنع عن بيع المعدود مع الزيادة نسيئة لاتشمل مانحن فيه، اذ أنها تمنع من أن يحدث الانسان الدين على نفسه بزيادة عما أخذ نقدا، اما مسألة بيع الدين بأقل منه فهي عبارة عن براءة ذمة شخص بشيء اقل مما فيها، وكم فرق بين المسألتين، فاحتمال الفرق هنا لايجوز سريان الحكم في المسألة الاولى الى الثانية، فتكون خارجة تخصصا.

ثم ان من نافلة القول بأن هذه المسألة تختلف عن مسألة «حط وتعجل» الذي تقدم الكلام عنها في الربا عند ابناء العامة، وبما أنها مسنجمة مع القواعد في صحة (بيع الدين بأقل منه) والدليل الذي يقول بأن المشتري للدين لايستحق اكثر مما دفع ضعيف٢ فلاينبغي التوقف في صحة هذه المعاملة.</